
ثانيا، قراءة في نفسية متطرف
التطرف معناه انحيازٌ متشدد متنطع إلى فريق يعتقد أنه هو الحق وما سواه الباطل، بالتعصب المقيت لهذه الأفكار الحادّة، بحيث تتحول قي قلبه إلى عقيدة لا تقبل النقاش، ففي نظر المتطرفين لا دين إلاّ "دينهم" ولا وجود لغيرهم، وكل حوار مع أي كان هو مضيعة للوقت وتشكيك في العقيدة والمنهج والمسار، فالأبواب كلها موصدة إلاّ باب المنازلات القتالية أو"العزلة الشعورية"، فالمجتمع كله ضال والأمة كلها ليست على شيء، ولا ينفع في إصلاح هذه الأوضاع إلاّ الغلظة والشدة وتصعير الخدّ والخشونة في التعامل والفظاظة والإستعلاء وحمل الناس على التشدد في الدعوة وافتعال العداوات بين المتراحمين بحجة أن لا أرحام إلاّ لمن والاهم، فالتطرف هو اختيار العيش على هامش المجتمع والتربص به للإنقضاض عليه في أية لحظة، بتبرير أنه مجتمع غريب عن نفسية المتطرفين وهو سبب مآسيهم، وأن الوقوف على النقيض من سياساته وتوجهاته..هو السبيل الوحيد للفت انتباه المجتمع لمن يعتقدون أنهم يعيشون فيه غرباء، فاعتقادهم أن فرض منطق التطرف على المجتمع كله أو الإنتقال به من التطرف الفكري إلى الإرهاب المسلح يشبع في أعماقهم مشاعر مكبوتة ناجمة عن غرْبة الأمة، واضطراب الإنتماء أو إنفصام الذات عن المجتمع أو تعدد الإنتماءات..بالسعي لإثبات الذات عن طريق صنع بطولات منتقمة من الآخر !!
فالعلاقة بين التطرف والإرهاب هي علاقة إحساس نفسي بالغربة ونزوع سلوكي بالقوة، فكل متطرف هو مشروع إرهابي مؤجل بانتظار الظروف الملائمة لشحنه وإيجاد الوسائل المتاحة للإنفجار في وجه المجتمع، وكل ذلك خاضع لمستوى الضغط الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والأمني، لذلك نجد رقعة الإرهاب تتسع كلما اختل توازن العدالة الإجتماعية وكثرت العشوائيات وضاقت هوامش الحريات وانقطعت وسائل الإتصال والحوار..والأقرب إلى تفسير هذه العلاقة العكسية بين ارتفاع موجة التطرف وانخفاض مستوى الإتصال بالآخر، هو ضيق هوامش الحريات وانحسار دوائر النقاش والحوار، ومردّ ذلك يعود، في نظرنا، إلى ثلاثة أسباب جوهرية لكل سبب تفريعاته وامتداداته وجذوره الكامنة في اللاّشعور..
أولها، اعتقاد المتطرف أنه على حق، وأن كل من يخالفه الرأي "عدوّ" له يتربص به الدوائر، ويريد إخراجه من العالم الإفتراضي الذي صنعه لنفسه وآمن به، إلى عالم فاسد ضال !! وهذا السبب يدفعه إلى اعتزال المجتمع نفسيا وفكريا وربما حتى إجتماعيا، ليعيش في عالمه الخاص في مسمى "العزلة الشعورية" أو الإعدام السيكولوجي للآخر.
وثانيها، عجز النخب والمؤسسات الرسمية عن استيعاب وتأطير قطاعات واسعة من المجتمع ضمن أنساق فكرية وثقافية واجتماعية متجانسة تتضامن فيما بينها وتتعاون لتوفر لجميع أفراد المجتمع فضاءات للتعارف والمناقشة والحوار..مما يجعل العناصر المهمشة في المجتمع تتحرك أو تنشط في عالم تصنعه لنفسها بعيدا عن رقابة المؤسسات الرسمية والنخب والجمعيات الأهلية..بالتربية والتكوين والتأهيل والمتابعة والرعاية ضمن سياسات إنمائية مختلفة وبرامج علاجية متنوعة يكون المجتمع نفسه طرفا فيها.
وثالثها، اعتماد الأنظمة -التي ابتليت بموجات العنف والإرهاب- كلها تقريبا، الحل السهل، وهو المعالجة الأمنية القائمة على فكرة الإستئصال وقطع الدابر والتخلص من كل "مشبوه" ومحيطة بالتصفية الجسدية على أساس أنه عضو متعفن في جسم مجتمع معافى، ولا سبيل لحماية الدولة والمجتمع من شروره، إلاّ ببتره وإتلافه بالقوة الأمنية والعسكرية، فتوكل الدولة للأجهزة الأمنية وحدها هذه المهمة، لمواجهة الإرهاب بالسلاح والتصفية الجسدية، وهي الوسيلة التي نرى ترتيبها يأتي في آخر درجات العلاج وليس أولا.
ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض هذه الآثار المتعدية للدلالة على المخاطر الجسيمة التي يشكلها التطرف والإرهاب على الحقوق والواجبات، بل على مقاصد الشريعة الإسلامية نفسها، حيث يصبح الحديث عن حفظ النفس، والدين، والعرض، والعقل، والمال، وصيانة الحريات الفردية والجماعية حديثا استثنائيا يسبقه الحديث عن حق واحد، هو : الحق في الحياة (أي حفظ النفس من التهديدات الإرهابية) فمع تفاقم موجة العنف والإرهاب تصبح حياة الناس جميعا خاضعة لوضع إستثنائي..
إما اللجوء إلى "الكل الأمني" يجعل مكافحة الإرهاب أولوية وطنية تتعطل جميع المشاريع من أجل تعبئة الموارد كّلها لإنجازها، وإما التطبيع مع الإرهاب والإنخراط في سياساته وبرامجه، وقد دلت حقائق الميدان أن محاولة التطبيع مع التطرف والعنف والإرهاب هو "تطبيع" مع عدوّ متربص لا يمكن أن يتحول بأية حال إلى صديق، لأنه يقف على "الطرف الآخر" النقيض على أقصى يمينك أو على أقصى شمالك، ولا يقبل أن يلتقي معك في "الوسط" الذي يراه هو انحرافا عن فكره ونقيضا لقناعاته وعدوا تجب محاربته وتقويم إعوجاجه، فالتطرف الفكري والديني والإيديولوجي، هو اعتقاد راسخ في ضمير معتنقيه بأنهم هم الأصلح والأطهر والأقوم..، وكل النشاطات العنفية والإرهابية المنبثقة عنهُ هي نتاج طبيعي لأصل "عقيدة التطرف" لذلك فكل محاولة لمعالجة هذه الآثار دون بحث عميق في جذورها وكشف أسبابها، هي محاولة لتقويم الظل (الآثار والتداعيات) بدل التركيز على تقويم العود (الأصل والأسباب) والحكمة تقول : "لا يستقيم الظل والعود أعوج".
فما هي المقاربة العملية لفهم هذه الظاهرة؟؟
إذا أخذنا الإطار الزمني في امتدادات العشرين سنة الماضية، في بعدها العالمي، كمرجع للحديث عن تطور هذه الظاهرة، والجهود التي بذلت لمكافحتها، نستطيع أن نستخلص منها دروس التجربة في الجانبين : الإيجابي والسلبي، فيسهل علينا تقويم ما بها من انحراف واقتراح البدائل المكملة للجهد المبذول في الخلاصات التالية :
إن المسألة برمتها فكرية (عقدية) نابعة من قناعة راسخة في قلوب هؤلاء بأن العنف هو الطريق الوحيد لإحداث التغيير المنشود لواقع فاسد ضال..و"الإرهابيون" هم الحق الظاهر فوق هذه الأرض، وهم حملة رسالة السماء إلى البشرية ومكلفون بهدايتها إلى "منهجهم" أو الإجهاز عليها لفتح الطريق أمام الخير ليتدفق إذا نجحوا في إزالة حواجز الشر وكسر جبروت الطغيان!! ولأنهم هم وحدهم الحق وغيرهم الباطل، أو هكذا يعتقدون، فهم لهذا الفقه يُنظّرون ويروّجون له وفي ضوء هذه العقيدة يتحركون وبها يواجهون واقعهم ومنها يبلورون خطابهم وينحتون فتاواهم ويعبئون الطاقات ويجندون الشباب الذين يزرعون في عقولهم نبتة شوكية يصعب قلعها، بذرتها الصلبة ذات تركيب ثنائي :
ابحث
التعليقات
اللهم اهدنا الى طريق الصواب
اللهم اهدنا الى طريق الصواب
أضف تعليقاً