بقلم: أ.د.محمد أحمد الرواشدة/أستاذ الدراسات الفقهية والقانونية
1- مقدمــــة:
شهدت أرض الأردن عبر تاريخها الديني حراكاً دينياً لم يأخذ نصيبه من الدراسة والبحث. وقد جاءت نصوص دينية كثيرة تدل على أن أرض الأردن مباركة قال تعالى " ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" الأنبياء/71. وقال تعالى " ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، وكنّا بكل شيء عالمين" الأنبياء /81. وقال تعالى " سليمان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير" الإسراء /1. وقوله تعالى " فلما آتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين" القصص/30.
والأردن أرض مباركة لأنه وطئتها أقدام معظم الأنبياء والرسل، ومنهم من عاش ومات ودُفن فيها، وكذلك مباركة لأنها المسرح الذي شهد الكثير من القصص في القرآن الكريم، وضم " مقام النبي شعيب عليه السلام، ومقام النبي موسى عليه السلام، والخضر، ونوح، وهود عليهم السلام، وكذلك مساكن ثمود وقوم صالح، ومساكن قوم لوط عليهم السلام، ومقام النبي هرون – ويوشع – وسليمان، وأيوب، ويحيى " يوحنا المعمدان" والمسيح، عليهم السلام وكذلك الشجرة التي استظل بها النبي (صلى الله عليه وسلم) موجودة في منطقة الصفاوي.
ولا شك كذلك أن الأردن يرتبط بأوشاح تاريخية ودينية لها علاقة بالتصوف، فلدينا أضرحة لأعلام المتصوفة الكبار أمثال الجنيد وسليمان الداراني، ولعل الموقع الجغرافي للأردن يساعد على أن يكون الأكثر إلتصاقاً بالثقافة الصوفية، فهو – كما سلف- بلد الأولياء الصالحين كما يقول المتصوفة.
وعليه تأتي هذه الورقة كخطوة أولية لدراسة واقع التصوف في الأردن كظاهرة دينية، وحالة اجتماعية، والتركيز على ظاهرة التصوف نفسها دون الالتفات إلى ما يرافق التصوف من ممارسات طقوسية مشبوهة، بل سيكون التركيز على المخزون الأخلاقي، والجهد السلوكي التربوي الكبير الذي تقوم به هذه المؤسسة الدينية الاجتماعية الفكرية الضخمة، والتي تساهم عبر جهودها في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والأخلاقي لمجتمعنا الأردني المعاصر.
2- مشكلة الدراسة:
تتمثل مشكلة الدراسة في الكشف عن حركة التصوف في الأردن ودوره في تشكيل الخريطة الدينية ومدى إسهاماته الثقافية والاجتماعية والسلوكية في الأردن وذلك من خلال الإجابة على التساؤلات الآتية.
- ما هو التصوف.
- ما مدى تأثير الصوفية في الحالة الدينية في الأردن.
3- سبب اختيار الموضوع:
هناك مجموعة من الأسباب التي دفعت لإعداد هذه الورقة، أهمها:-
- أهمية التصوف في الفكر الإسلامي.
- المكانة التاريخية للتصوف في الأردن.
- الكشف عن بعض جوانب التصوف في الأردن وبخاصة مدارسه، وطرقه وبالذات في حال النهوض والانتعاش الذي يعيشه تيار التصوف، من أجل المراجعة والإصلاح.
- حاجتنا اليوم كأمة إلى الروحانيات النابعة من أصول الشريعة.
4- منهجية الدراسة:
أتبعت هذه الدراسة المنهج الاستردادي في جمع المعلومات واستعانت بعدد من المصادر الأساسية عن الصوفية وكذلك بالمعلومات الواردة على الانترنت بعد تمحيصها وفحصها وتدقيقها.
5- أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل بنيّة الفكر الصوفي الأردني وأهم المدارس الصوفية الأردنية وخطابها وطقوسها.
6- مفهوم الصوفية:
تباينت الآراء حول جذور مفهوم التصوف فمنهم من يرى أن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار، ومنهم من يقول أنه نسبة إلى الصف الأول من الصلاة، في حين يرى آخرون أنه نسبة إلى أهل الصفة من الصحابة أو نسبة إلى صوفة القفا كما يقول القشيري، أو أنه نسبة إلى رجل كان يجاور بمكة قبل الإسلام يُسمى صوفة بن بشر، ولعل أقرب التعريفات أن الصوفية نسبة إلى " صوف"، والذي هو زي ولباس الأنبياء وشعار الصالحين والأولياء وأهل الزهد والتواضع. وقد ذكر السهروردي أن للتصوف ألف تعريف، وبعض هذه التعريفات يركز على الجانب العملي الذي يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة الشهوات، كالذكر والمراقبة، ومحاسبة النفس والزهد، وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقي الذي هو أهم أركان التصوف، وبعضها يهتم بجانب المعرفة وهي المعرفة الإلهامية الذوقية التي هي موضع اعتزاز الصوفية، ومن التعريفات ما يجمع كل هذه الجوانب ويضيف إليها ضوابط السلوك المقبول عندهم مما يدفع التهم عن الصوفية.
ومن هذه التعريفات نذكر:
- التصوف الجد في السلوك إلى ملك الملوك.
- الموافقة للحق والمفارقة للخلق.
- ابتغاء الوسيلة إلى منتهى الفضيلة.
- وقال أبو بكر الشبلي " تلميذ الجنيد" التصوف ضبط حواسك ومراعاة انفاسك".
- أن لا تملك شيئاً ولا يملك شيء.
ولعل تقاطع مفهوم التصوف والزهد يؤول إلى القول أن التصوف يعني الأخلاق والصفاء والمجاهدة والتزام الشريعة، والتسليم الكامل لله، والإخلاص لوجه الله، والارتباط الروحي بالله، وترك التكلف والشكليات، والطريق المخصوص الذي يسلكه العابدون للوصول إلى وجه الله تعالى.
7- منطلقات أساسية:
حتى لا يُحمل ما ورد في هذه الدراسة على غير باعثها ومقصدها سأقدم منطلقات أساسية تُشكل بدايات لفهم التصوف بعيداً عن الخوض في تاريخ نشأتها وما يقال حوله.
1. ما زال التصوف عالماً مجهولاً لا يمكن أن يحدد له بداية أو نهاية.
2. التصوف منطلق إيجابي في بناء شخصية المؤمن.
3. التصوف مبني على الكتاب والسنة كما يقول الجنيد "علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة، والطريق إلى الله مسدود إلاّ على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال سهل التستري " أصولنا سبعة أشياء:
التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب المعاصي، والتوبة وأداء الحقوق".
4. التصوف يقوم على " المراقبة والمحاسبة والإنابة والذكر والفكر والمحبة، والتوكل والرضا، والتسليم والزهد والصبر والإيثار، والصدق والمجاهدة، ومخالفة الهوى، وكلها أمور وردت في القرآن الكريم.
5. الصوفية ليست دين أو مذهب وإنما هي منهج وطريقة يسلكهما العبد للوصول إلى الله تعالى.
6. الإيمان حماية للإنسان من كل أمراض النفس، والإيمان تدريجي لا يهبط فجأة ولا يأتي دراسة أو تلقيناً رغم أهمية ذلك، بل هو حوار دائم عبر العقل والقلب.
7. الصوفية تؤمن أن الحياة مليئة بالحب والجمال والأمل وقلب الإنسان هو ملاذه وملجأه.
8. الصوفية لا يوجد فيها تحديد لجنس الإنسان لأن الروح لا جنس لها.
9. الصوفية ليست مجرد تنظيمات دينية سلبية تواكلية تنأى بإتباعها للانقطاع، بل هي مثال حي نابض في التضحية والفداء في سبيل المبدأ وخدمة المجتمع وكان لروادها العظام الفضل في نشر الإسلام والثقافة العربية والإسلامية والعمل الخيري، فالصوفية منهج إصلاحي أصيل.
10.هناك متصوفة ينكرون ويتبرأون من أعمال الشرك والخرافات التي تحدث فـي بعـض
الزوايا.
8- الواقع الديني في الأردن:
* يعتبر الأردن دولة متجانسة، لا تحكمها المذهبية والثنائية (شيعة أو سنة) بل هي في سلوكها وقوانينها وطبيعة شعبها مفتوحة على مذاهب الإسلام كلها.
* يصعب في الأردن رسم خريطة التدين تاريخياً، لأن الدراسات في حقل الحالة الدينية متواضعة وهي مجهولة للبعد المعرفي والثقافي والبحثي، ولذا يصعب رصد الحالة الدينية في الأردن عقائدياً وفقيهاًً وسلوكياً "صوفياً" وتنظيمياً.
* الفاعلون في الحياة الدينية في الأردن (الحركات الدينية الإسلامية الأردنية، جماعة الإخوان المسلمون، جبهة العمل الإسلامي، جماعة التبليغ، حزب التحرير الإسلامي، حزب الوسط الإسلامي، الصوفية، الجمعيات الأهلية الدينية، مواسم الحج والمولد النبوي والإسراء والهجرة، والبنوك الإسلامية، السلفيون، وزارة الأوقاف، دائرة الإفتاء العام، دائرة قاضي القضاة، كليات الشريعة في الجامعات الأردنية، الخطاب الديني الرسمي ومؤسساته، الصحافة الدينية، دائرة الإفتاء في القوات المسلحة الأردنية والأمن العام والدفاع المدني". وفي الوقت الراهن امتدت الحالة الدينية في الأردن إلى مجال السلوك والزي والحجاب والأدوار الاجتماعية للمرأة.
* لم تقتصر الحالة الدينية في الأردن على الجانب السياسي أو الوعظي فقط وإنما تحولت إلى الجانب الاقتصادي (بنوك، شركات) والجانب الاجتماعي (جمعيات) والجانب العلمي (مدارس، جامعات) والجانب الإعلامي ( صحف، ومواقع الكترونية) والجانب الفكري ( ندوات، مؤتمرات).
* هناك توجه متنامي نحو التدين في صفوف الشباب والمجتمع الأردني عموماً (بناء المساجد وارتيادها، صيام رمضان، السفر للحج والعمرة، دور القرآن، اللباس وعلاقته مع التوجه نحو الدين، والقنوات الفضائية( لا يوجد في الأردن قناة فضائية متخصصة في الدين).
* العودة إلى الدين ظاهرة اجتماعية سلوكية نفسية مركوزة في الوسط الاجتماعي الأردني، وهي مكّون للشخصية الأردنية على اختلاف أجناسها وثقافتها وانتمائها الحزبي بل والديني.
9- جذور التصوف في الأردن:
يصعب تحديد بدايات تاريخ التصوف في الأردن إلا بدراسة التاريخ الإسلامي على الأرض الأردنية. وكذلك دراسة تاريخ أعلام التصوف الذين عاشوا في الأردن. ولكن لا بد من الإقرار أن الصوفية في الأردن وتحديداً في العاصمة عمان كانت مصاحبة لنشوء الدولة الأردنية منذ عهد الإمارة إلى يومنا المعاصر.
ولا بد من التنويه أنه لا توجد دراسات علمية تحدد تاريخ ظهور التصوف في الأردن إلاّ أن الاستقراء التاريخي والسياسي والديني لنشأة الدولة الأردنية يدلنا على ظهور حالات فردية في التصوف في الأردن كانت تميل إلى العزلة والزهد ثم تنامت هذه الحالات مع الانفتاح الاجتماعي والسياسي في الدولة الأردنية ( الإمارة آنذاك) حيث يمكن القول أن الهجرات من الجزيرة العربية واليمن والشام والعراق والشركس والشيشان والمغرب العربي كان لها الأثر في تكوين بدايات التصوف الأردني ونشر الفكر الصوفي . ثم تكونت بعد ذلك الزوايا والخلوات، والخوانق (معناها البيت الديني الذي أُقيم على نظام الصحن وتضم مسجداً لا تقام فيه صلاة الجمعة. وقد انتشرت الخوانق في بيت المقدس" وظهر الأولياء وأصحاب الطرق والمريدون. وتعد الطريقة الشاذلية من أقدم الطرق التي دخلت إلى الأردن كما يروي إتباعها.
10- أسباب انتشار الصوفية في الأردن:
يعود انتشار التصوف في الأردن إلى أسباب أهمها:
* طبيعة النظام السياسي الأردني وبعده عن الثورات المذهبية والعقائدية.
* انتشار العقيدة الأشعرية عدد العلماء في الأردن (لما يتميز المذهب الأشعري بالوسطية بين تيارين ( المشبهه والمعطلة).
* نزعة سلوك أهل الأردن وأخلاقهم من حيث التمسك بالسنة وصلة الأرحام وتعظيم الشعائر، فالمزاج الأردني صوفي بامتياز.
* وجود أعلام التصوف في الأردن شماله وجنوبه وقبورهم ومزاراتهم شاهدة على ذلك منذ القرون الأولى.
* وجو المسجد الأقصى الذي كان ساحة علمية لسالكي طرق الصوفية. فالإمام الغزالي معروف أنه إتخذ المسجد الأقصى خلوة له.
* موقع الأردن الجغرافي حيث كان طريقاً للشامي والحجازي والعراقي والتركي وغيرهم.
11- الطرق الصوفية في الأردن:
الطريق لغة: هي السيرة، وطريقة الرجل مذهبه وهي اسم لمنهج أحد العارفين في التزكية والتربية والأذكار والأوراد أخذ بها نفسه حتى وصل إلى معرفة الله فينسب هذا المنهج إليه ويعرف بأسمه.
والطريقة الصوفية هي المدرسة التي يتم فيها التطهير النفسي، والتقويم السلوكي للمريد،وهي ناموس العبودية اللازم لرحلة الإنسان الحياتية، وهي الدرب الذي يسلكه بل يجب أن يسلكه ليعبر من فناء الفناء إلى حضرة البقاء، فالطريق عندهم عبارة عن مراسم الله تعالى المشروعة التي لا رخصة فيها، لذا يتفق الصوفية على أن غايات الطريق ونهايته لا تصح إلا بصحة بدايته، كما أتفقوا على أن أكثر الموانع وأكبر العوائق انما تنشأ من فساد الابتداء، فتصبح بدايات السلوك من أهم مقاصد الصوفية لأن البداية كلما كانت أحكم كانت النهاية أتم وأسلم.
وتختلف الطرق التي يتبعها مشايخ الطرق في تربية طلابها ومريديها باختلاف مشاربهم البيئية والاجتماعية. والشيخ هو القيم أو الأستاذ والذي يقوم بذلك هو الطالب أو المريد.
ومهما تعددت الطرق الصوفية فالمعيار في القبول والرد هو مدى التزام هذه الطريقة أو تلك بالكتاب أو السنة والفهم والعلم الصحيحين والعمل الصادق بهما، فحيث وجد هذا العمل بذلك جاز وحيث فقد لم يجز.
وأتباع الطرق الصوفية يقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: وهم نخبة من الزهاد الذين سلكوا هذا الطريق ونذروا أنفسهم كلياً له وانقطعوا عن الدنيا للعبادة وأخذ أوراد الطريقة وأسرارها.
القسم الثاني: الذي يضم الأغلبية من إتباع الطريقة وهم ممن يمارسون حياتهم وأعمالهم العادية ولكنهم يشاركون في شعائر الطريقة واحتفالاتها.
وقد انتشرت الطرق الصوفية في الأردن إلاّ أن عددها حصرياً أمرٌ صعب، لأن هناك طرق أصلية وأُخرى فرعية ( حيث أصبحت بعض الطرق الصوفية في الأردن كالشاذلية، انشطارية وتحولت إلى فرق متعددة)، ولكن لا توجد تجمعات جغرافية للطرق الصوفية في الأردن باستثناء عمان وإربد.
ولقد حاولت الطرق الصوفية رسم الإطار العام الذي ينضوي تحته الجميع وصولاً إلى تحقيق مبدأ السعادة التامة، وذلك لا يكون إلاّ بالانسلاخ عن عامل الحس والمشاهدة، والتخلص من ماديات الحياة، فالطريق منهج أخلاقي للنفس يدل على المعاشرة الجماعية القائمة على الرعاية الإسلامية العادية وعلى سلسلة من الوصايا الخاصة لكي يُصبح الإنسان مريداً، ويتلقى المريد البيعة أو التقليد أمام طائفة من الشهود ذوي المراتب من شيخ السجادة والمرشد والمقدم والنقيب والخليفة وينهي الطريق بالعهد بين الشيخ والمريد على التوبة والاستقامة والدخول في طريق ذكر الله دائماً، والعمل بآداب وأصول الطريقة التي يتبعها المريد، مع القيام بأدوار وأحزاب شيخ الطريقة في المواعيد والمناسبات التي يحددها له.
ومن أهم الطرق الصوفية في الأردن:
1- الطريقة الشاذلية:
نسبة إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي ( ت 656هـ)، وتقوم هذه الطريقة على خمسة أصول هي: تقوى الله في السر والعلانية، وإتباع السنة في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والأدبار، والرضا عن الله تعالى في القليل والكثير، والرجوع إلى الله في السراء والضراء.
وأركانهم أربعة: محبة وذكر وفكر وتسليم، وأما الممارسة العملية عندهم فمحبة وصدق وحفظ أسرار الله، ولا يجوز إعطاء الطريق لمن لا يحفظها.
وهذه الطريقة متواجدة في الأردن وشيخها حاييم كلير أمريكي مُسلم وقد أذن له الشيخ الشاغوري رحمه الله بالإرشاد وزاويته في منطقة المدينة الرياضية.
وهناك الطريقة الشاذلية العلوية الهاشمية وهي موجودة بزواياها في عمان ومحافظات المملكة الأُخرى.
2- الطريقة الشاذلية الدرقاوية:
وهذه الطريقة منشطرة ومتفرعة عن الطريقة الشاذلية الأم، وشيخها إسماعيل محمد سعيد الكردي، والذي يعود لوالده محمد سعيد الكردي الفضل في إنشاء الحركة الصوفية في الأردن، بل ويُعد الأب الروحي للحركة الصوفية في الأردن، والذي أرسلته الحركة الصوفية في سوريا لمهمة محددة وهي إحياء الطريقة الشاذلية في الأردن. ولهذه الطريقة عدد من الزوايا في الأردن وأشهرها الزاوية الموجودة في بلدة بيت راس شمال اربد.
وكذلك زاوية الشيخ عبد الكريم حماد عرابي خليفة الشيخ عبد الكريم المومني والتي تقع في جامع السيد الجنيد في مدينة أربد. ومؤسس هذه الطريقة محمد العربي الدرقاوي ولهذه الطريقة نشاط دعوي. وهناك الطريقة الشاذلية الدرقاوية العلوية وشيخها شجادة الطبيري وهي موجودة في معان.
3- الطريقة القادرية:
وتنسب هذه الطريقة إلى مؤسسها الأول الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني (ت 561 هـ) وتقوم على مجاهدة النفس للتخلص من الماديات المذمومة، وأهم سماتها وقواعدها السلوكية "ترك الحلف بالله إطلاقاً، اجتناب الكذب في الجد والهزل، عدم إخلاف الوعد، الحذر من إيذاء الخلق ولعنهم، تحمل ظلم الناس واجتناب الدعوة عليهم، حسن الظن بأهل القبلة، كف الجوارح من النظر إلى المعاصي، الاستغناء عن الخلق والانقطاع لله، التواضع لأنه أصل الطاعات.
4- الطريقة الشاذلية القادرية:
وشيخها في الأردن حازم أبو غزاله من أصحاب الشيخ عبد القادر عيسى، ولها زاوية تقع في دار القرآن الكريم بحي نزال.
5- الطريقة الرفاعية:
نسبة إلى أبي العباس أحمد بن علي الرفاعي (ت 578 هـ)، ويطلق عليها البطائحية نسبة إلى مكان ولاية بالقرب من قرى البطائح بالعراق.
ولا تختلف هذه الطريقة في جوهرها عن عموم الطرق الصوفية،
6- الطريقة الأحمدية أو البدوية:
وتُنسب إلى أحمد البدوي المسمى ( بشيخ العرب) (ت 627 هـ)، وقد ولد بفاس، ثم حج ورحل للعراق، واستقر في طنطا حتى وفاته.
7- النقشبندية:
نسبة إلى الشيخ بهاء الدين محمد بن البخاري بشاه نقشبند (ت 791 هـ) وهي طريقة تشبه الطريقة الشاذلية، تقوم على التمسك بعقائد أهل السنة، وترك الرخص والأخذ بالعزائم، ودوام المراقبة، والإعراض عن الدنيا، وإخفاء الذكر، والتخلق بأخلاق بالنبي محمد صاحب الخُلق العظيم.
8- الخلوتية:
ولها فرع ( الطريقة الخلوتية الجامعة الرحمانية) وهي موجودة في الأردن وشيخها حسني حسن خير الدين الشريف.
9- الطريقة التيجانية:
نسبة إلى أبي العباس أحمد التيجاني المولود بالجزائر عام 1230 هـ وتتميز هذه الطريقة بأن مؤسسها كان يرى أن جميع الأمور صادرة عن الرسول – صلى الله عليه وسلم- فهي أذن معصومة من الخطأ والزلل. ولها أوراد وأحزاب خاصة بالذكر، وترى أن احترام المؤمنين فرض وإن الباطن إذا خالف الشريعة باطل.
10- الطريقة الكزكزانية:
وقد ظهرت هذه الطريقة بعد قدوم أهل العراق إلى الأردن.
11- مستقبل التصوف في الأردن:
على الرغم من حالة الجمود الذي اتسمت به الطرق الصوفية في الأردن خلال العقود الماضية إلاّ أن هذا الجمود أصبح الآن يتعرض للتلاشي أمام موجة العولمة، فلم تعد الصوفية بتلك النمطية والتقليدية التي اعتادها الناس.
وفي محاولة الأردن لتأهيل الحقل الديني عملت على النهوض بالحركة الصوفية رعاية لمؤتمراتها، وسعياً لصياغة سياسة دينية تجديدية واضحة الأهداف، لمحاربة التطرف الديني، وتثبيت مقومات الهوية الدينية الأردنية القائمة على الوسطية والتسامح والاعتدال.
ولذا أخذت الدولة الأردنية تتبنى إستراتيجية جديدة للتعامل مع الصوفية ومؤسساتها من أجل بناء أدوات ( ديناميكية تستجيب لمتطلبات العصر) لإجل أن يساهم التصوف ببناء شخصية دينية متوازنة من خلال تأطير ديني متكامل يساهم في إثراء نشر القيم الروحية، ودور هذه القيم في دعم المجتمع الأردني. ولذا رأينا في الآونة الأخيرة انتعاشاً لتيار التصوف في الأردن حتى أصبح يُسهم في النهوض بالعمل الاجتماعي، والدعوة لبناء مجتمع أردني خالٍ من التلوث الأخلاقي والمناداة ببناء مجتمع أكثر توازناً وتكاملاً وتآلفاً وتعاوناً ولذا انتشرت الزوايا وأُعيد تأهيلها في كافة محافظات المملكة الأردنية.
وتمثلت مظاهر التحديث في الحركة الصوفية في الأردن باشتراكها بعدد من المواقع الإلكترونية والإذاعية " والفيس بوك" والمنتديات الصوفية عبر الإنترنت، والمشاركة في المؤتمرات العربية والغربية. وأصبحت هذه المواقع بمثابة البوابة الصوفية لنشر الفكر الصوفي وقنطرة للعبور نحو الآخر من الداخل والخارج ولذا فقد استفادت الطرق الصوفية في الأردن من الثورة التكنولوجية العالمية.
ويمكن القول أن الأردن على أبواب تقدم نوعي في أداء الطرق الصوفية لمحو الصورة النمطية وهي الانقطاع عن الحياة للعبادة والاجتهاد في الزهد. وبهذا يمكن القول أن الصوفية في الأردن سوف تنتقل إلى مؤسسة اجتماعية تساهم في البناء والتوعية والتنمية بل وفي السياسة والاقتصاد.
ولذا ويتوقع أن تقدم لنا الحركة الصوفية في الأردن حزمة من الفوائد أهمها:
- الانفتاح على الآخر والتعايش معه.
- تحقيق التقارب بين المذاهب داخل الدين الواحد.
- إنعاش روح الإنسانية.
- تعزيز قيم الوسطية والتسامح والمحبة واحترام الذات والآخر.
- حب الله والبشر والكون، وإعادة بناء الإنسان العدل.
الخاتمـــة:
نحن اليوم كأمة بحاجة إلى وثبّة إيمانية روحية تعيد التوازن المفقود بين القول والعمل والروح والبدن، وتفتح قلب الإنسان على آفاق الروح وأنوارها، وتبعث قوتها الكشفية والذوقية لنتجاوز بذلك حدود المعرفة العقلية والأساليب المنطقية لتكتمل فينا صفة الإنسان.
وهذه الوثبة الروحية لا تتم إلا في إطار تربوي أخلاقي يضمن الحصانة والوقاية من كل زيع وانحراف، ويشكل بنيّة تحتية أخلاقية تصلح كأساس للبناء الاجتماعي المتماسك، فتكتمل بذلك أهم شروط الأمن الروحي الذي لا مناص منه لتحقيق الأمن الحضاري.
والصوفية اليوم تحقق ذلك وأكثر، وقد آن أوان دراستها على حقيقتها دراسة علمية منهجية. ولذا ستكون الصوفية ( الإسلام الناعم سيدة الزمن القادم).
وآخر دعواهم إن الحمد لله رب العالمين
التوصيــات:
إحياء التصوف في الأمة ونشره على كافة مستوياتها وبين كل فئاتها وفي مناهج الدراسة الجامعية.
1- إنعاش تيار التصوف في الأردن ورعايته.
2- إبراز دور التصوف – من قبل علماءه- في المحافظة على الهوية الوطنية وترسيخ قيم المواطنة الفاعلة والتعايش مع الآخر.
3- بلورة إستراتيجية جديدة للتصوف ومؤسساته من أجل إحياء أدواته التاريخية في حركية وديناميكية تستجيب لمتطلبات المجتمع المعاصر.
4- إبراز دور التصوف في بناء شخصية إسلامية دينية متوازنة خلال تأطير ديني متكامل والمساهمة في نشر القيم الروحية، ودورها في دعم المجتمع الأردني.
تم بحمد الله
ابحث
أضف تعليقاً