wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر

التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر

 

أ.د. عبد الملك منصور حسن المصعبي
سفير الجمهورية اليمنية لدى الجمهورية التونسية
رئيس مؤسسة المنصور الثقافية للحوار بين الحضارات

أولاً : مقدمات
1- العلاقة مع الآخر : المفهوم  و الأهمية

يدخل ضمن مصاديق الآخر كل ما هو غير الذات المعنية. والذات (المعنية) يمكن أن تكون هي الذات الإلهية، أو ذات أي مما في هذا الوجود من الكون، حياً كان أم جماداً، مادياً كان أم معنوياً، والإنسان ومنتجاته سواء المادية أم المعنوية بما فيها الثقافة. وكل ذات هي آخر بالنسبة لغيرها، سواء أكان بينهما علاقة أم لم تكن. ويتضح بذلك أن ثنائية الذات-الآخر هي في مفهومها العام ثنائية تستغرق الوجود كله، أي أن الوجود كله يمكن تقسيمه إلى ذات وآخر.
والعلاقة مع الآخر ترمز إلى وضع التفاعل بين ذات ما والآخر. وباستثناء الذات الإلهية لا تستطيع أي ذات أخرى أن تستغني عن هذه العلاقة كلياً، وذلك لسبب بديهي بسيط هو أنه ما من ذات في هذا الوجود عدا الذات الإلهية، تقوم بذاتها مما يعني أنها بالضرورة في حاجة إلى آخر بينما لا يمكنها الوصول إلى حاجتها هذه دون الدخول في علاقة مع الآخر الذي تحتاج إليه. إذن الحاجة هي أساس العلاقة بين الذات والآخر، أي سبب قيامها واستمرارها، حيث أن تلك الحاجة والرغبة في إشباعها أو إستيفائها هي ما يدفع الذات للدخول في علاقة مع الآخر، لأنه بدون مثل هذه العلاقة يتعذر عليها إستيفاء أو إشباع  تلك الحاجة. ولا يقتصر المعني بالحاجة هنا على ما جرى العرف على اعتباره حاجة مما تفتقر إليه الذات، أو تجد رغبة أو دافعاً لتملكه أو استهلاكه أو استعماله، بل يتسع ليشمل أيضاً كل ما يفيد الذات أو ترغب في أن تعطيه للآخر، فكما تحتاج أن تأخذ (من الآخر) تحتاج الذات أحياناً أن تعطي ( للآخر ). والحاجة منها ما هو وجودي (ضروري) لا يمكن الاستغناء عنه، ومنها ما هو غير ضروري أو -بلغة فقهاء الأصول- تحسيني أو تكميلي يمكن الاستغناء عنه.   
ولأن حاجة الذات إلى الآخر هي في حدها الأدنى، حاجة وجودية أي يتوقف عليها وجود الذات، فكذا علاقة الذات مع الآخر هي في حدها الأدنى علاقة وجودية، أي يتوقف عليها وجود الذات. والواقع أن الوجود كله هو عبارة عن وحدات بينها علاقات تتوقف عليها وجود تلك الوحدات، ويتعذر تصور استمرار الوجود على ما هو عليه لو حدث انفراط في ما بين وحداته من علاقات وجودية (تخيل مثلاً إنفراط العلاقة بين الكواكب والأجرام) . ومن هنا يصح القول أنه كلما استقامت العلاقات بين وحدات هذا الوجود ( الطبيعي والاجتماعي)، والتي هي أساساً مجموعة علاقات بين ذوات وأخرى، كلما استقامت أمور وأحوال الوجود عامة والمجتمع البشري خاصة، وكلما أختلت تلك العلاقات كلما أختلت أمور وأحوال الوجود عامة والمجتمع البشري خاصة. 
ووفقاً لما تمهد من المفهوم الواسع للذات والآخر، يتضح أنه يمكن لأي مما في هذا الوجود لأن يمثّل طرفاً من أطراف العلاقة مع الآخر، أو علاقة الذات-الآخر مما يعني أن أطراف العلاقة مع الآخر تتعدد بقدر تعدد أطراف أو وحدات هذا الوجود. على أنه يمكن التمييز عموماً بين نوعين من العلاقة مع الآخر بناء على نوع أو هوية أطرافها حيث يمكن تقسيم هذه الأطراف تقسيماً ثنائياً إلى نوعين هما: الطرف البشري أي الإنسان، والطرف غير البشري ويشمل كل طرف عدا الإنسان. وعليه فإنّ العلاقة مع الآخر يمكن أن تكون إما علافة بشرية حيث يمثل أحد أو كلا طرفيها إنسان، وإما علاقة غير بشرية ليس من بين أطرافها الإنسان. 
وما يعنينا هنا من العلاقة مع الآخر هو ما كان منها في إطار العلاقات البشرية، أي ما كان بعض أو كل أطرافها من البشر لأنها هي العلاقة التي يشكلها الإنسان بحيث تقع عليه مسؤولية اختلالها أو فسادها ويعود إليه فضل استقامتها. ومن بين العلاقات مع الآخر التي تقوم بين أطراف بعضها أو كلها من البشر تعنينا هنا أكثر العلاقات مع الآخر التي تقوم بين أطراف بعضها أو كلها من الذات الإسلامية.
والمعني بالذات الإسلامية هنا هو الذات التي تنتمي إلى أو تتبنى- بغض النظر عن درجة الالتزام الفعلي- المنهج الإسلامي في علاقاتها مع الآخر. ويصدق ذلك في عالم الشهود على الذات الإنسانية المسلمة ومؤسساتها كالمجتمع والدولة ونشاطاتها أو نتاجاتها كالاقتصاد والثقافة، أما الآخر الذي تقيم أو تدخل الذات الإسلامية معه في علاقة فليس بالضرورة، وإن كان يمكن أن تكون ذاتاً إسلامية أخرى، بل يشمل كل آخر بشري أو غير بشري. وهكذا فإن علاقة الذات الإسلامية مع الآخر تشمل كل علاقة يقيمها الفرد المسلم أو مؤسساته، كالمجتمع والدولة، أو نشاطاته ونتاجاته كالاقتصاد والثقافة مع أي آخر بشري أو غير بشري، مادي أم معنوي، مسلم أم غير مسلم. ومع أن الواضح أن علاقة الذات الإسلامية مع الآخر تتضمن علاقات بين أطراف غير بشرية، كالثقافة الإسلامية مع ثقافة غير إسلامية، إلا أنه يظل الإنسان العنصر المشترك والأساسي في كل علاقات الذات الإسلامية مع الآخر، لأنه يبقى الوسيط الذي تتفاعل من خلاله كل الذوات الإسلامية غير البشرية. وعلى سبيل المثال فإن الدولة الإسلامية يتعذر عليها أن تتفاعل مع دولة غير الإسلامية أو دولة إسلامية أخرى إلا من خلال توسط العنصر البشري.
وأهمية علاقة الذات الإسلامية مع الآخر لا تنفصل عما تقدم عن أهمية العلاقة مع الآخر عموماً، لأن الذات الإسلامية مثلها مثل أي ذات أخرى لا تقوم بنفسها، وتكتسب علاقة الذات الإسلامية مع الآخر أهمية خاصة لكونها تشهد حالياً اختلالات خطيرة، يعزوها البعض إلى الذات الإسلامية وتصورها للعلاقة مع الآخر، بينما هي تزعم أن تصورها للعلاقة مع الآخر هو الأفضل.

2- مصدر التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر :
ليس هناك خلاف في أن المصدر الذي يتعين أن يُستقى منه التصور الإسلامي عموماً، أي سواء فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر، أو أي شأن غيره، هو كلام الله. وتتعدد وتتباين تعريفات "الكلام" الواردة في المعاجم اللغوية إلا إن التأمل في السواد الغالب من تلك التعريفات يسمح باستنتاج تعريف (وظيفي) يعكس روح ومضامين، وربما أحياناً منطوق تلك التعريفات، ومفاد هذا التعريف هو أنّ "الكلام هو ما يفيد معنى ما". والفعل المفيد للمعنى يمكن أن يكون سكوناً له معنى كالسكوت أو الصمت المعُبّر، ويمكن أن يكون حركة تتخذ إما شكل الإشارة كالإشارات الرمزية المتفق على معان لها، وإما شكل العمل أو الخلق المعبر. والواقع أن القول نفسه هو عند التحقيق فعل (فعل اللسان) له معنى. والإسلام كما يعتبر القول مفيداً للمعنى يعتبر الفعل أيضاً مفيداً للمعنى، ومما يؤكد ذلك من النصوص مثل قوله تعالى {{اعملوا آل داوود شكراً}}، ومن الأحكام مثل اعتبار أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم  حجة لأنه لو لم تكن لها معاني لما صلحت أن تكون حجة.
وإذا ترجّح أن الكلام هو ما يفيد معنى ما وأن كلاً من القول والفعل يفيدان المعنى لا يبدو أن هناك مبرراً لرفض كون الفعل كما القول كلام. وإذا تقرر أن الفعل أيضاً كلام تبين أنّ كلام الله تعالى  ليس هو- كما يفيد الفهم السائد- قوله فقط وإنما هو قوله وفعله. وقول الله تعالى  هو كلامه المقول أو الملفوظ أي القرآن، بينما فعله هو كلامه المفعول أوالمجسد أي الوجود. وكما أن التأمل في القرآن يكشف لنا أحكام الله تعالى وتعليماته فكذا التأمل في الوجود، بشقيه الطبيعي والاجتماعي، يكشف لنا أحكام الله تعالى وسننه وتعليماته، وهو ما يوضح لنا مغزى ما يتضمنه القرآن من آيات متكررة تأمر بالنظر والتدبر في الوجود، وكذا مغزى إطلاق النصوص الدينية أحياناً اسم أو وصف الكلمة على بعض الوجود المجسد كالرسل. 
والقول بأن كلام الله تعالى  يشمل قوله وفعله لا يستلزم القول باستواء قول الله تعالى وفعله من حيث وضوح الدلالة أو المعنى للبشر، فالبشر عادة أقرب لتبين مدلول الكلام المقول منهم لتبين مدلول الكلام المفعول أو المجسد، ولا شك أن اختلاف وضوح الدلالة يستلزم ترتيباً يُقدم القول على الفعل. بيد أن ذلك لا يقدح في كلامية فعل الله، إذ أن أقوال الله تعالى المتضمنة في كلامه المقول لا تستوي من حيث وضوح دلالاتها للبشر، إذ منها المحكمات والمتشابهات، ومنها -وفقاً للاصطلاح الفقهي- الظاهر والنص والخفي والمشكل و..الخ. وكما يتفاوت وضوح دلالات أقوال الله تعالى فيما بينها يتفاوت كذلك وضوح دلالات أفعال الله تعالى، حيث أن دلالة السنة النبوية الصحيحة أوضح عموماً من دلالات الوجود الطبيعي، ودلالات الوجود الطبيعي أوضح عموماً من دلالات الوجود الاجتماعي. وكما أنه ليس من كلام الله تعالى المقول قول البشر فكذلك ليس من كلام المفعول/المجسد فعل الإنسان، أي أن قول وفعل الإنسان وإن كانا جزءاً من الوجود فإنهما ليسا من كلام الله تعالى، لكونهما يصدران عن إرادة الإنسان الذي ميزه الله تعالى بحرية القول والفعل.    
ونخلص مما تمهد إلى أن مصدر التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر هو كلام الله تعالى، الذي يتمثل في قول الله تعالى أي القرآن، وفعل الله تعالى أي الوجود الطبيعي والاجتماعي، ويشمل السنة التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، والعقل الذي منحه الله تعالى للإنسان. 

ثانياً : الملامح  والأصول العامة العامة للعلاقة مع الآخر
في التصور الإسلامي

 
1- الملامح العامة للعلاقة مع الآخر : 
مهما تعددت تعينات أو مصاديق الذات والآخر على النحو المشار إليه سابقاً، وتعددت معها صور وأشكال العلاقة مع الآخر تبقى هناك من منظور التصور الإسلامي ملامح عامة أو قواسم مشتركة تصدق على كل علاقة مع الآخر بغض النظر عن طبيعة أو ماهية طرفيها أو أطرافها. ولا يسع المقام تتبع كل تلك القواسم أو الملامح المشتركة بيْدَ أن ضرورة التوضيح بأمثلة تتطلب أن نشير إلى ملمحين فقط:
- علاقات موجهة: التسليم – كما يقتضي التصور الإسلامي- بأن الله تعالى قد خلق هذا الوجود ليس عبثاً، وإنما لهدف أو مقصد معين يستلزم التسليم بأن الوجود كله موجّه إلى هدف أو مقصد معين. ويتعذر تصور أن يكون الوجود كله موجهاً دون التسليم بأن علاقات  بعضه ببعض، أي علاقات ذواته مع آخره أيضاً موجهة لذات الهدف أو المقصد. 
- علاقات مقدرة: ونعني بها أن علاقات الذوات مع الآخر، أي العلاقة مع الآخر بمختلف صورها وأشكالها، هي علاقات مقننة أي تخضع عموماً لقوانين وسنن معينة. وقد حقق الإنسان تقدماً ملحوظاً في اكتشاف بعض  قوانين العلاقة مع الآخر في المجال المادي الفيزيائي والكيميائي وإلى حد ما البيولوجي، بينما ما زال كسب الإنسان في اكتشاف سنن العلاقة مع الآخر في المجال الاجتماعي محدوداً.

2- أصول علاقة الذات الإسلامية مع الآخر :
يقيم الإسلام تصوره لعلاقة الذات الإسلامية -بالمفهوم الموضح سابقاً- مع الآخر على مجموعة من الأسس والضوابط والموجهات العامة والتي منها:

أ- الأسس و المرتكزات:
 -  التنوع- الوحدة:

يؤكد الإسلام على حقيقة أو واقع التنوع  ليس الحيوي فقط وإنما أيضاً البشري {{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل....}}، والثقافي {{واختلاف ألسنتكم}}، والديني {{ولا يزالون مختلفين}}. ويبني الإسلام على هذا التنوع الواقعي ويدعمه شرعاً بسنّ الحق في التنوع والإختلاف كمبدأ عام دينياً {{لكم دينكم ولي دين}} و {{لا إكراه في الدين}}. وقانونياً {{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}}. وسياسياً {{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم}}. وثقافياً {{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}} 
وإقرار مبدأ  التنوع على النحو المشار إليه له انعكاساته على علاقة الذات الإسلامية مع الآخر، حيث أن هذا المبدأ يقتضي من الذات الإسلامية، ويشجعها على إقرار واحترام حق الآخر في الإختلاف عنها دينياً وثقافياً وسياسياً وقانونياً و...الخ .    
على أن التنوع والإختلاف ليس إلا مظهراً  أو ملمحاً واحداً من ملامح الواقع، وأنّ الاقتصار أو التركيز عليه فقط فوق أنه لا يخلو من تشويه لحقيقة الواقع ينطوي على خطورة تضخيم الشعور بالإختلاف، وما قد يترتب عليه عادة من ضعف الحافز الذاتي نحو الاقتراب من الآخر والدخول في علاقة معه. ولذلك فإن الإسلام بقدر ما يؤكد على التنوع يؤكد أيضاً على وحدة الإنسانية ضمن تأكيده على وحدة الكون كله بهدف – بالطبع ضمن مقاصد أخرى- تشجيع العلاقة مع الآخر عموماً. ولعل من أهم  أبعاد ومظاهر الوحدة الإنسانية التي ينبه الإسلام إليها البشر:
- وحدة الأصل / المنشأ: بقدر ما يؤكد الإسلام على التنوع البشري البيولوجي والإثني يؤكد أيضاً على أن البشر كلهم صدروا عن أصل واحد وينتمون جميعاً إلى نفس الأبوين. 
- وحدة البنية: يؤكد الإسلام أن أفراد البشر وإن تعددوا وتباينوا، فإنهم جميعاً مخلوقون من ذات العنصرين: الطين والروح، وتتوافر بنياتهم الجسدية والفسيولوجية والنفسية والعقلية والروحية على قواسم مشتركة تمثل وحدة البنية الإنسانية. 
- وحدة المهمة:  لقد هيأ الله تعالى البشر أجمعين تكويناً للقيام بمهمة معينة هي مهمة الخلافة في الأرض وهي مهمة ملازمة لكل إنسان، مؤمناً كان أم كافراً، صغيراً كان أم كبيراً، وتندرج ضمنها نشاطاته وعلاقاته مع الآخر مهما تعددت وتباينت مظاهر وأشكال وأهداف تلك النشاطات والعلاقات. 
- وحدة البيئة: صحيح أن البشر يعيشون في بيئات متباينة نوعاً ما ولكن -أولاً- مهما تباينت هذه البيئات فإنها تظلّ مترابطة مع بعضها البعض تأثيراً وتأثراً و-ثانياً- إن هذه البيئات بقدر ما تتباين من جوانب عدة فإنها في نفس الوقت تتماثل في جوانب أخرى عدة توحد بينها. ومن الواضح أنه مع تقدم العلم وتطور الوعي البشري بدأ يتعمق أكثر وعي الناس بوحدة بيئتهم.  
- وحدة المصير: يذكر الإسلام البشر بأنهم جميعاً يواجهون ذات المصير وهو العودة إلى الله تعالى والمثول أمامه في نهاية المطاف أفراداً. 
ومن المؤكد أن من شأن تعميق وعي الناس بوحدة منشأهم ومصيرهم وباشتراكهم في ما بين ذلكما -المنشأ والمصير- في البنية والمهمة والبيئة أي المسكن وغير ذلك من ملامح وحدة الإنسانية أن يدعم روح التقارب والتفاعل بينهم على نحو ليس فقط يعزز ويقوى علاقة الذات الإنسانية مع الآخر، وإنما يُساهم أيضاً في توجيهها الوجهة السليمة.

 -  المساواة- التفاضل:
إن تضخم الشعور بالتنوع والإختلاف يمكن أن يؤدي إلى ليس فقط – كما سبقت الإشارة- العزوف عن التواصل مع الآخر وإنما أيضاً إلى ظهور وتنامي النزوع إلى التمييز بين البشر على أسس غير سليمة أو مبررة كاللون أو العرق أو الطبقة، والتفضيل بين مؤسساتهم (كالدول) على أسس غالباً ما يُساء توظيفها كالقوة والمال والحجم، وتضخيم الذات الثقافية أو الدينية أو الحضارية أو السياسية. ولا يخفى ما في مثل هذا التمييز والتفضيل وتضخيم الذات من آثار سلبية على العلاقة مع الآخر. وتاريخياً أفرزت مثل هذه السلوكيات غير السوية دعاوى كثيرة أسهمت في دفع العلاقة مع الآخر نحو انحرافات كلفت البشرية كثيراً كدعاوى الحق في الملك والحق في الاستعباد والاسترقاق، والحق في الاستعمار والاحتلال، والحق في فرض الدين الخاص ودعاوى الفرقة الناجية، ومؤخراً دعاوى التفوق الثقافي والحضاري ومقولات الثقافة الخاتمة و …الخ. 
وكما سبق التوضيح أقدم الإسلام على معالجة ما قد ينشأ عن تضخم الشعور بالإختلاف من ضعف التواصل مع الآخر بالتأكيد المتوازن على مختلف ملامح الوحدة الإنسانية. ودفعاً لاستغلال واقع التنوع البشري والثقافي والديني في تبرير نزعات التمييز والتفضيل ومساوئها المشار إليها آنفاً، حرص الإسلام على تأكيد المساواة ليس بين البشر فقط (الناس سواسية) وإنما أيضاً بين ثقافاتهم وكياناتهم وأديانهم، ومنع التفاضل والتفآخر العرقي (لا فضل لعربي على أعجمي) والديني {{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}} و {{لا تزكوا أنفسكم}}. 
وكما أن التنوع قد يُساء فهمه واستغلاله فكذلك المساواة عرضة لأن يُساء فهمها، فقد يتوهم البعض بأن – مثلاً- المساواة بين البشر تعني تساوي سلوكياتهم وأفعالهم أو تساوي قدراتهم ومؤهلاتهم أو تساوي حاجاتهم وعطاءاتهم، وأن المساواة بين الثقافات تعني تساوي مضامينها أو حظها من التقدم والعقلانية، أو أن المساواة بين الأديان تعني تساوي شرائعها أو استواء قبولها عند الله تعالى. ولا يخفي ما قد يترتب على مثل هذا الخلط في فهم المساواة أو الافراط في ادعائها أو افتراضها حيث لا يتعين افتراضها من آثار سلبية على العلاقة مع الآخر.  فقد يوهم مثل هذا الخلط بأنه يستوي أن يكون الآخر مجرماً أو محسناً، مسالماً أو محارباً، كما يستوي أن تكون العلاقة مع الآخر علاقة عدائية أو ودية، قائمة أو منقطعة وأنه لا داعي لتطوير ثقافة الذات أو حسن اختيار الدين طالما تتساوى الثقافات والأديان. 
وحتى لا يختلط مبدأ المساواة بأوهام أو دعاوى التساوي فتتعثر الحياة وتتأثُر سلباً العلاقة مع الآخر، يؤكد الإسلام أن التفاضل واقع بين البشر بتقدير من الله تعالى لمقاصد محددة، ربما كان منها مقصد ضمان انتظام الحياة وتحقيق الابتلاء، ولكنه يبين في نفس الوقت أن هذا التفاضل تفاضل غير مكسوب وبالتالي فهو غير معتبر في حد ذاته، أي لا يكسب صاحبه الفضل تلقائياً. ومما يبين ذلك كون الله تعالى يفيد في موضع أنه فضّل البشركلهم -تفضيلاً غير مكسوب- على كثير من خلقه بما فيهم تقديراً البهائم، ولكنه في موضع آخر يفيد أن من البشر من يسقطون بأنفسهم إلى مرتبة تقل عن مرتبة البهائم. أما التفاضل المعتبر فهو التفاضل المكسوب أي التفاضل الذي يحققه الإنسان بنفسه في الخير والتقوى وسائر القيم الفاضلة التي دعاهم الله تعالى إلى التفاضل فيها {{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}}. وهكذا نجد الإسلام يُوظف التفاضل المعتبر (المكسوب) لدعم مبدأ المساواة لا الإخلال به، لتوجيه العلاقة مع الآخر الوجهة الحسنى لا الوجهة السوء.

ب - الضوابط: 
إن الأسس والمرتكزات السليمة وإن كانت تكفل قاعدة سوية لعلاقة الذات مع الآخر، إلا أنها تفتقر إلى ما تتوافر للضوابط القانونية/ الشرعية من الالزام القانوني الصريح والمشفوع بالعقاب على الفشل في الالتزام. ومن هنا كان حرص الإسلام على سنّ مجموعة من الضوابط  القانونية الملزمة، والتي تهدف إلى حماية الآخر والعلاقة معه. ومن تلك الضوابط {{الجروح قصاص}} و {{السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}} و ...الخ
صحيح أن النظم الأخرى أيضاً تسن ضوابط لحماية الآخر والعلاقة معه بيد أن الضوابط التي يسنها الإسلام تتميز عن غيرها في : 
- إن الضوابط الشرعية ليست مجرد موانع خارجية لا يتردد الكثير في انتهاكها متى ما ضمن الافلات من المحاسبة البشرية. فكون الضوابط الشرعية تحرسها، بالإضافة إلى المحاسبة البشرية، المحاسبة الإلهية التي يستحيل الافلات منها، وتحول تلك الضوابط إلى روادع ذاتية أكثر فعالية من الموانع الخارجية وبالتالي أكثر تأميناً للآخر والعلاقة معه.
- تتسع الضوابط الشرعية لأوجه من الاعتداءات على الآخر، غالباً ما لا تشملها الضوابط الوضعية إما لأنها لا تعتبرها اعتداء، وإما لعجزها عن ضبطها والمعاقبة عليها، ومن تلك الاعتداءات حسد الآخر واغتيابه وانتهاك حقوق الله. 
- إن الضوابط الوضعية / البشرية وإن كانت تلزم الذات بالانتهاء عن الاعتداء على الآخر أو ظلمه إلا أنها غالباً ما تقصر عن إلزام الذات، باستثناء الذات (السلطات) الحاكمة وأحياناً حالات خاصة، بالدفاع عن الآخر وردّ الاعتداء عليه أو ظلمه من الغير ومعاقبتها إذا ما تهاونت في ذلك. وفي المقابل توجب الضوابط الشرعية على الذات، سواء أكانت في موقع السلطة أم خارجها، دفع أي اعتداء على الآخر من الغير تحت طائلة العقاب الالهي في حالة التهاون.  
ج -  الموجهات: 
من شأن الالتزام بأسس ومرتكزات وضوابط العلاقة مع الآخر كما حددها الإسلام أن يجنب تلك العلاقة مساوئ الانتهاك وسوء التوظيف، ويعزز سلامة الآخر ويؤمن له العدل القانوني، بيد أنها لا تكفل تفعيل تلك العلاقة وإنمائها وتعظيم مكاسبها، ولا تكفي لدفعها عن الانحراف إلى مزالق الخمود والسلبية والانكماش.
ولمعالجة هذا الجانب يعمد الإسلام إلى رفد تلك الأسس والضوابط بمجموعة من التوجيهات التي من شأن حسن اتباعها تحقيق تنشيط وتعزيز وإنماء علاقة الذات مع الآخر، وتوجيهها نحو تعظيم مكاسب أطرافها منها. والتوجيهات التفصيلية بهذا الخصوص عديدة، ولكن ما يعنينا هنا من تلك التوجيهات ليس فصولها وفروعها، وإنما أصولها وكلياتها الجامعة والتي تأتي في مقدمتها:
  -  التعارف:
يوجّه الإسلام الذات إلى التعارف مع الآخر {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا }}. وورد لفظ {{لتعارفوا}} هنا بصيغة الأمر وليس بصيغة المضارع، لأن اللام هنا لام أمر وليس –كما يظن البعض خطأ- لام تعليل. والمعنى المتبادر للتعارف هو أن يتعرف كل طرف على الآخر ليس فقط على مستوى الملامح الشكلية وإنما أيضاً على مستوى الملامح والمكونات الشخصية، والتي تشمل المعتقدات والثقافة والعادت وطرق التفكير، والمقدرات والامكانيات المعنوية والمادية. ومن شأن هكذا تعارف أن :
- يحول دون تراكم أو استمرار تراكم المفاهيم والتصورات الخاطئة عن الآخر، والتي تعد إحدى أهم أسباب العزوف عن إقامة العلاقة مع الآخر، وإفسادها إذا كانت قائمة، وفي الحديث (ما تناكر منها اختلف)
- تنوير طرفي التعارف –الذات والآخر- بفرص وإمكانات التعاون والاستفادة من بعضهما البعض. 
- إتاحة الظروف المناسبة لأطرافها للتواد والتحاب والتآلف، وفي الحديث (ما تعارف منها ائتلف) 
ويتضح مما سبق أن التعارف يعد عاملاً مهما وربما شرطاً أساسياً ليس فقط لتوثيق العلاقة مع الآخر وتجنيبها مساوئ سوء المفاهيم والتصورات فقط، وإنما أيضاً حتى  لقيامها ونشأتها.
ومع أهمية التعارف بمعناه السائد المشار إليه أعلاه والذي تكاد تقتصر عليه مراجع التفسير والمؤلفات الفكرية التي وقفت عليها إلا أنه يغلب في الظن أن للتعارف في الاستخدام الشرعي معنى أوسع يزيد ويضاعف من أهميته. فالتعارف في الاستخدام الشرعي -في ما يبدو لنا- تتجاوز دلالته معناه السائد المحدود لتتسع لمعنى حفظ وواحترام طرفي التعارف لحقوق الآخر، والتجاوب مع احتياجاته. وربما كان من أوضح النصوص الشرعية على المعنى الواسع المشار إليه ما جاء في الحديث (إعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة)  فالمقصود بأمر إعرف الله تعالى في الخير هنا ليس هو المعرفة النظرية فحسب، وإنما كما يؤكد الفقهاء حفظ  حقوق الله تعالى، أي الالتزام بايفائها عملياً وعدم انتهاكها. ومن الواضح أن اقتران الأمر هنا بحالة الخير سببه أن الإنسان عادة ما يكون أقرب إلى الغفلة عن حقوق الله تعالى وانتهاكها عندما يكون في حالة يسر منه في حالة العسر. وبالمثل فإن المعني بمعرفة الله جل جلاله للإنسان ليس هو المعرفة النظرية وإنما الاستجابة العملية لرغبته أو دعوته للخروج من الشدة أو عدم التعرض لها، وإذا ما كانت هذه الشدة نتيجة انتهاك حقوقه فإن المعرفة ستعني حماية وحفظ تلك الحقوق. 
حقوق الآخر التي تأمر الآية باحترامها وحفظها تشمل كل حقوقه بما فيها حقوقه الطارئة، أي الناشئة عن تعامل ما كالإقراض أو الرهن، أو تعرضه لإجراء ما كالاعتداء بالضرب وكذا من باب أولى حقوقه الثابتة له لمجرد كونه إنساناً وهي ما جرى العرف على تسميتها باسم حقوق الإنسان. ولعل في اختتام جل جلاله للآية المعنية بقوله {{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}} ما يفيد أن إتقاء انتهاك حقوق الآخر بما فيها حقوقه الإنسانية هو معيار أو احد معايير تفاضل البشر عند الله. وحيث أن حفظ حقوق الآخر هو إكرام له ربما جاز القول أن هذه الخاتمة تعني أن أكثركم إكراماً للآخر بحفظ حقوقه هو اتقاكم لله أو عنده.

  -  التداعي إلى السواء:
وأصل هذا التوجيه قوله تعالى {{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}} وتورد المعاجم اللغوية للفظ السواء معاني منها العدل والمثل والغير، والوسط سواء وسط الشيء أو الوسط بين شيئين. ويختار المفسرون عموماً من تلك المعاني معنى العدل لتفسير وصف السواء الوارد في الآية. وإذا كان المعني بالعدل هنا هو الحق فإن العبارة التالية لوصف سواء أي حق في الآية، وهي {{بيننا وبينكم}} توضح أن المراد بالحق هنا ليس هو مطلق الحق، وليس هو ما هو حق بين المسلمين فقط وإنما ما هو حق بين المسلمين وحق بين أهل الكتاب أيضاً، ومما يرجح ذلك ملاحظة أن مدلولات الكلمة السواء المذكورة لاحقاً وهي عبادة الله تعالى وحده وعدم الاشراك به، وعدم اتخاذ البعض أرباباً هي مما هو حق مشترك بين المسلمين وبين أهل الكتاب. 
ويتضح مما تمهد أن المغزى العام  للآية هو توجيه المسلم (الذات الإسلامية) فيما يخص العلاقة بالآخر، لتحري وتعزيز البناء عليه، والتعاون في ما هو مشترك بينهم وبين هذا الآخر مما هو حق أو عدل أو صالح، وليس ما هو مشترك من غير الحق أو العدل، لأن التعزيز أو التعاون في ما هو مشترك، ولكن ليس بحق أو عدل هو خطأ مرفوض في الإسلام {{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}}. أما مدلولات المشترك الحق الواردة في الآية فهي أمثلة مختارة لأهميتها تماماً، كما أن أهل الكتاب مثال مهم للآخر، ومن الواضح أن مدلولات المشترك الحق يمكن أن تختلف باختلاف الآخر وإن كان سيكون هناك دائماً قدر مشترك مع كل آخر بشري ليس أقله حقوق الإنسان. 
وتوجيه الإسلام للذات الإسلامية للتداعي إلى السواء أي المشترك الحق ما بينها وبين الآخر، هو تنبيه وتبصير لهذه الذات، فرداً كانت أو جماعة أو دولة، بأنه مهما كان الإختلاف أو التباين بينها وبين الآخر، أي آخر فإن هناك عادة أوجهاً مشتركة بينهما صالحة لأن تتحراها وتقيم عليها علاقتها بهذا الآخر. 
وهذا التوجيه توجيه مرتبط ومكمّل للتوجيه السابق بالتعارف، إذ أن التعارف بقدر ما يكشف من أوجه الاتفاق والاشتراك بين الذات والآخر، يكشف أيضاً ما بينهما من أوجه الإختلاف والتباين، فكان من الحكمة أن يوجّه الإسلام الذات الإسلامية إلى التركيز على أوجه الاتفاق والاشتراك حتى لا تدفعها أوجه التباين إلى النفور من إقامة علاقة مع الآخر أو إقامة علاقة صدامية معه.
 
 -  التفاعل بالحسنى:
لما كان من شأن التوجيه الأول (التعارف) أن  يكشف عن أوجه الإختلاف كما يكشف عن أوجه الاتفاق بين الذات الإسلامية والآخر، فقد جاء التوجيه الثاني (التداعي إلى السواء) لتوظيف أوجه الاتفاق لصالح العلاقة بين الذات الإسلامية والآخر. ولأن أوجه الإختلاف هي حقيقة واقعية في كل علاقة مع الآخر، وليس من الممكن أو المستحسن إغفالها دون الاضرار بتلك العلاقة جاء هذا التوجيه الثالث (التفاعل بالحسنى) مكملاً للتوجيهين السابقين، ومختصاً بتوضيح كيفية معالجة أوجه الإختلاف بين الذات الإسلامية والآخر. وتتعدد النصوص التي تؤسس لهذا التوجيه ومنها {{ادفع بالتي هي أحسن}} و {{جادلهم بالتي هي أحسن}}، على أن مما يتعين أن يكون واضحاً هنا أن التوجيه بالتفاعل بالحسنى ليس حصراً على أوجه الإختلاف وإنما يشمل أيضاً ومن باب أولى أوجه الاتفاق أيضاً (إذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) و {{لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}}
وإذا كان من الملفت للنظر حرص الإسلام على أن يكون التفاعل مع الآخر بالتي هي أحسن ، وليس بالتي هي حسن فقط فإنما لأن ذلك أفضل أثراً على العلاقة مع الآخر {{فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}}، وهو ما يعكس بوضوح مدى حرص الإسلام على الارتقاء بالعلاقة مع الآخر، والحفاظ عليها على أفضل ما يكون.
تلك بعض أصول وكليات علاقة الذات الإسلامية مع الآخر في التصور الإسلامي. 

ثالثاً-  أسباب اختلال واقع علاقة الذات الإسلامية مع الآخر

لا يحتاج المرء إلى كثير تأمل في الأصول والكليات المشار إليها على سبيل المثال ليتبين أن التصور الإسلامي لعلاقة الذات الإسلامية مع الآخر، إذا ما أحسن تفصيله وإنزاله إلى الواقع، كفيل بإنماء وتزكية علاقة الذات الإسلامية مع الآخر، وتأمين المعالجة الأمثل لما قد تواجهه هذه العلاقات من إشكالات واختلالات عملية حتى تبقى دائماً العلاقة الأمثل بين مثيلاتها، والأقرب لتحقيق المقصد الإلهي من مجمل العلاقات في هذا الوجود. على أنه وفي المقابل لا يحتاج المرء أيضاً لكثير تأمل في واقع علاقة الذات الإسلامية مع الآخر ليتأكدّ من أن هذه العلاقة علاقة متأزمة ومختلة اختلالاً شديداً ليس فقط مع الآخر البعيد غير المسلم، وخاصة الغربي، وإنما أيضاً حتى مع الآخر القريب المسلم بل وحتى مع الآخر الطبيعي (الكون)، وقبل هذا وذاك مع الله سبحانه وتعالى ومع الإسلام نفسه. 
والإختلال في العلاقة مع الآخر عموماً يمكن أن يأخذ إحدى صورتين: هما صورة الإختلال الصاخب أو الناشط: مثل نزعات العدائية والهيمنة والعنف الاجتماعي والاقتتال والإرهاب.  وصورة الإختلال الصامت أو الخامد: وتشمل اختلالات الانتفاء (أي انتفاء وجود العلاقة) والكره والحسد والبغض والخوف والضعف والانقطاع والتمزق. 
ونظرياً لا يملك المرء أن يعزو التباين الكبير المشار إليه بين التصور الإسلامي لعلاقة الذات الإسلامية مع الآخر، والواقع العملي لهذه العلاقة إلا إلى بعض أو كل مصادر ثلاثة هي الذات الإسلامية والآخر والإسلام. وقد يتهيأ للبعض للوهلة الأولى وجود مصدر خارجي محتمل  بيد أن ما ذهبنا إليه من المفهوم الواسع للآخر يجعل هذا الآخر شاملاً لكل ما هو غير الذات الإسلامية في هذا الوجود. وعلى النقيض من دعوى البعض بأن الإسلام هو المصدر الأساسي  لاختلالات علاقة الذات الإسلامية مع الآخر، واضح مما تمهد أن هذه الورقة تستبعد أن يكون الإسلام هو مصدر الخلل، فهي ترى أن تصور الإسلام لعلاقة الذات الإسلامية مع الآخر تصور خال مما ينسبه إليه ذلك البعض من عيوب نتيجة، إما خلط هذا البعض بين تصور الإسلام وتصور المسلمين، وإما لخطأ فهم هذا البعض للاسلام، وإما لجحد منهم أو سوء قصد. 
وليس بوسع المرء المنصف أن يبرئ تماماً الآخر من بعض وزر اختلال علاقة الذات الإسلامية مع الآخر. مع أن بعض وربما أكثر الآخر البشري، وخاصة الغربي والتي تعتبر علاقة الذات الإسلامية معه الأشد اختلالاً، يميل إلى تحميل الذات الإسلامية كل وزر اختلال علاقة هذه الأخيرة به، إلا أن مثل هذا الاتهام تكذبه شواهد التاريخ ويفنده منطق الأحداث المعاصرة، وتفضحه بعض  نظريات ومقولات وتصورات هذا الآخر، والتي تعتبر من بعض أهم مدخلات/ موجهات تفاعلاته مع الذات الإسلامية. ففي حالات عدة في التاريخ والزمن المعاصر بادر الآخر الغربي الذات الإسلامية العداوة واستخدم ضدها نفوذه، وأحياناً القوة دون مبرر سوى إشباع بعض أطماعه غير المشروعة. وستبقى نظريات أو مقولات من مثل  "عبء الرجل الأبيض" و " تفوق الجنس الاري " وغيرها بمثابة اعترافات من هذا الآخر (الغربي) على سوء ما تأسست عليه علاقاته بالذات الإسلامية.  
والواقع ان كون علاقات هذا الآخر خاصة الغربي مع بعضهم البعض لم تخلو تاريخياً، ولا تخلو حالياً من الإختلال والصراع الذي وصل أحياناً كثيرة درجة الصراع المسلح، ويسجل حالياً أعلا نسب العنف الاجتماعي وهذا يمثل دليلاً واضحاً على ان لهذا الآخر عيوبه الذاتية. 
وكيفما كان حجم دور أو إسهام الآخر في فشل الذات الذات الإسلامية في الارتقاء بواقع علاقتها مع هذا الآخر إلى مستوى التصور الإسلامي لتلك العلاقة يبقى من المؤكد أن هذا الدور أو الاسهام ما كان يستلزم أو يحتم هذا الفشل، وما كان ليؤدي إليه لولا ما ظلت تعاني منه الذات الإسلامية من أسباب ذاتية اقعدت بها عن الارتقاء بحالها إلى الوضع الذي كان سيمكنها من الاستجابة لتحديات هذا الآخر. ومهما بدت تفاصيل  تلك الأسباب الذاتية متعددة يبدو لنا أنه يمكن عزوها 
أو ارجاعها جميعاً إلى أحد سببين أساسيين متداخلين أو مترابطين هما:   
- ضعف الالتزام / الارادة       - سوء الفهم أو التصور

1- ضعف الالتزام / الإرادة: لا يقتصر المعني بضعف الالتزام هنا على ضعف الالتزام بتوجيهات المرجعية الدينية فقط، بل يقصد به هنا ضعف الالتزام بما هو معلوم من المبادئ وقيم الحق والعدل والعقلانية عموماً، سواء أكان تبني المبدأ أم القيمة المعنية ناتجاً عن اعتقاد ديني أو اقتناع فكري بحت أو إلزام قانوني. والمقصود من ضعف الالتزام هنا هو ضعف الالتزام الناتج لا عن جهل أو عدم علم بالمطلوب وإنما عن ضعف في الارادة في الالتزام بما هو معلوم لدى صاحبها. 
ولا يجد المرء صعوبة في تبين أن ضعف التزام الذات الإسلامية يتجاوز ضعف التزامها بتوجيهات الإسلام ذات الصلة بالعلاقة مع الآخر إلى ضعف التزامها بما ينصح به العقل البشري عموماً فيما يخص العلاقة مع الآخر، وكذا ما تأمر به القوانين البشرية بهذا الخصوص. فضعف التزام الذات الإسلامية  بتوجيهات دينية من قبيل التفاعل بالحسنى والتعارف مع الآخر لا يقلّ وضوحاً أو سلبية عنه ضعف التزام الذات الإسلامية بنصائح عقلية عامة من قبيل -عامل الآخر كما تحب أن يعاملك الآخر-، أو ضعف التزامها بقوانين عامة تنظّم أموراً مشتركة بين الذات والآخر من قبيل قوانين وقواعد المرور.

2- سوء الفهم أو التصور: ويتعلق السبب الأساسي الثاني من الأسباب الذاتية والمتمثل في سوء الفهم أوالتصور في سوء تصور الذات الإسلامية  لنفسها أو للآخر، وفي سوء فهمها للتصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر. 
وتتعدد مظاهر سوء تصور الذات الإسلامية لذاتها أو نفسها، ولعل من أكثر تلك المظاهر شيوعاً المراوحة بين الإفراط والتفريط في تقدير الذات الإسلامية لنفسها، فبينما البعض يميل إلى المغالاة في تقدير الذات على نحو ينطوي أحياناً على  تقديس – لا شعوري غالباً- للذات، يعميها عن عيوبها ويصرفها عن ممارسة النقد الذاتي، ويولَّد لديها الشعور أو الاعتقاد بأنها وحدها هي "الفرقة الناجية"، وهناك البعض الآخر الذي يميل إلى المغالاة في التقليل من الذات والشك في قدراتها وفي صلاحية مرجعيتها على نحو لا يخلو أحياناً من تسفيه الذات وتبديد الثقة في الذات. واختلال تصور الذات الإسلامية لنفسها إفراطاً أو تفريطاً، يستتبع اختلالاً في تصور الذات الإسلامية للآخر. فالبعض الذي يفرط في تقدير الذات لا شك سيفرط في تقدير الآخر، ومن ثمَّ سينزع إلى تبني علاقة استعلائية مع الآخر. والبعض الذي يفرط في التقليل من الذات لا بدّ سيميل إلى الافراط في تعظيم الآخر وقبول قيام علاقة استتباعية معه. ومن الواضح أن كلتا العلاقتين الاستعلائية والاستتباعية علاقتان مختلتان.
ومن مظاهر سوء التصور للذات والآخر الأكثر شيوعاً أيضاً، غلبة التوجس من تآمرية وعدائية الآخر على نحو يجعل الذات مسكونة بهاجس السيطرة على ذلك الآخر كردّ فعل أو إجراء استباقي لتآمريته المتصورة. ولا يخفي أن من شأن هكذا توجس وهاجس يتبادلاهما الذات الإسلامية والآخر أن يعرض العلاقة بينهما للتوتر، وجنوح هذه العلاقة للعنف والعدائية. 
ولعل الاسوأ في ما هو شائع من سوء أو تشوّه الفهم للإسلام عموماً بما فيه تصوّره  للعلاقة مع الآخر هو أنه ناتج لا عن سهو أو أخطاء في التطبيق أو الاجتهادأ ولكن عن خطأ في منهج الفهم وسوء قصد بين. وليس المقام لبسط القول في ذلك إلا أنه لا بدّ من إشارات موجزة لبعض أهم أوجه الخلل في منهج الفهم السائد :
 -  iاختلال العلاقة مع الفهم الموروث:
يتراوح الإختلال في موقف المسلمين اليوم من الفهم أو التفسير الموروث لنصوص البيان الشرعي ما بين الرغبة في إلغائه وإغفاله كلياً، وبين تشدد في التمسك به والوقوف عنده. وفي كلا الموقفين سوء تقدير واضح للفهم الموروث، فالأول يقلل من قيمة الفهم الموروث على نحو يعميه ويصرفه عن الاستفادة منه، ويمنعه من تحقيق النمو التراكمي ويعرضه أكثر للزلل. بينما الثاني يعظّم الفهم الموروث تعظيماً يكاد يضفي عليه ذات قدسية وشرعية النص أو البيان الشرعي. ولعل أخطر ما في هذا التقديس وإن كان في الغالب خفياً ولا شعورياً، أنه في ظل مفاهيم أخرى خاطئة ينطوي على خطورة الإنزلاق نحو إضفاء السلطة المرجعية على الفهم الموروث وسلبها واقعياً عن النص الشرعي، ولا يخلو الموروث الفقهي من أقوال تؤكّد حدوث هذا المحظور أحياناً.
وتكمن سلبية هيمنة الموروث على فهم البيان الشرعي فيما ينطوي عليه هذا الموروث من مفاهيم وأقوال غير موفقة أو غير دقيقة، ربما كان من أخطرها ما يتعلق بعلاقة الذات الإسلامية بالآخر من أقوال أو مفاهيم سادت في الفقه الموروث من مثل: - الأصل  في العلاقة مع الآخر غير المسلم هو الحرب والقتال
                       - ثنائية دار الحرب ودار الإسلام.
                       - ليس الأصل في الإنسان العصمة (عصمة الدم أو حق الحياة).

  -  النهج التجزيئي:
من حيث المبدأ هناك اتفاق عام على خطأ النهج التجزيئي في المنهج المعرفي، ومع ذلك قلما تجد معرفة بشرية تسلم من انعكاسات شكل من أشكال النهج التجزيئي. فبينما ينزع الفكر الوضعي إلى حصر مصدر المعرفة في المصدر العقلي، ويرفض المصدر الوحيي كلية يميل الفكر الديني إلى الاكتفاء بالمصدر الوحيي، وإغفال -وإن كان في الغالب من غير انكار- المصدر العقلي في المعرفة وخاصة الدينية.
مع أن علماء وفقهاء الإسلام يؤكدون دائماً على أهمية الجمع بين النصوص المعنية كلها، ويحذرون من تجزئة النصوص وإنتزاعها من سياقها، إلا أنه ليس من العسير ملاحظة ضعف اهتمام أو إغفال الفهم الإسلامي موروثه ومعاصره، الجمع بين الوحي وآيات الوجود في كسب المعرفة عموماً، وفي تحقيق حسن فهم كل من الوحي وآيات الوجود. وصحيح أن هناك اهتمام ناشئ بهذا الجمع ولكنه يكاد يتركز على مجال الوجود المادي دون مجال الوجود الاجتماعي رغم أهمية هذا الأخير.
وبقدر ما يؤثر ذلك سلباً على فهم الإسلام عموماً فهو يؤثر سلباً أيضاً على فهم الذات الإسلامية لتصور الإسلام لعلاقتها مع الآخر، خاصة في ظل الميل إلى تبني هيمنة الفهم الموروث على الفهم المعاصر. وعلى سبيل المثال يمكن القول أنه بغض النظر عن الخلاف المحتمل حول مشروعية أصل ما ساد في الموروث الفقهي من وجوب مصادرة واتلاف كتب الآخر التي تحمل أفكاراً لا تتفق مع الفهم السائد للاسلام، يجد البعض المبرر فيما كان يحققه في واقع يومئذٍ من فائدة منع انتشاره، ولكن هذا الواقع قد تغيّر اليوم كثيراً لدرجة أن الإقدام على مثل ذلك الإجراء إتباعاً للفقه الموروث لم يعد في إمكانه تحقيق مثل تلك الفائدة التي لاحظها الفقهاء بل الأرجح أن يترتب عليه نقيض القصد منه.
ولعل من الواضح في ضوء ما تمهد في المقدمة عن مفهوم كلام الله أن كلاً من اختلال العلاقة مع الفهم الموروث والنهج التجزيئي هما مظهران من مظاهر سوء ادراك لمفهوم كلام الله تعالى وسوء تحديد لمصادره، حيث أن الأول ينطوي على إلحاق ما ليس من كلام الله تعالى بكلام الله تعالى، بينما ينطوي الثاني على فصل ما هو كلام الله تعالى من كلام الله.

 

والحمد لله ربّ العالمين

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.