وطرق الوقاية من الطائفية والمذهبية
أ.د. عبدالملك السعدي
ذكرتُ الأسباب الآتية التي هي بعض أسباب الخلاف المذهبي وهي:
المثال على ذلك: حديث فقيز الطحان؛ حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن فقيز الطحان) وقد أخذ به الجمهور فمنعوا أن تكون الأجرة على العمل جزءاً من المعمول؛ إذ لم يجوزوا أن تقول لشخص أقطع التمر أو أحصد هذا الزرع ولك ربعه؛ لأن من شروط صحة الأجر كون الأجر معلوماً وهذا مجهول .
وجوز ذلك الإمام أحمد وقال: أما فقيز الطحان فإنه لم يثبت عندنا، ومثل هذه الجهالة مغتفر بها لأن الأجير يرى ما استؤجر له.
مثل: انتقاض الوضوء من القهقهة في الصلاة فإنه مرسل، ومرسِلُه ثقة، فأبو حنيفة يحتج به إذا كان المرسِل ثقةً؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة وإن كان هو غير ثقة فهو يكفي لردّ الحديث.
والجمهور يرونه منقطعاً ومن ثَمّ فهو ضعيف لا يحتج به.
والحديث هو (من ضحك قهقهة فليعد صلاته ووضوؤه) قاله عندما حدثت حادثة أثناء الصلاة فضحك منها بعض المصلين.
فعند الجمهور تبطل الصلاة ولا ينقض الوضوء، وعند أبي حنيفة ينقض الوضوء وتبطل الصلاة.
يرد الحديث ويؤوله المجتهد مثل أحاديث جمع الصلاتين فإن أبا حنيفة أولها بأنه كان جمعاً صورياً أي آخّرَ الأولى إلى ما قبل خروج وقتها فحان وقت الثانية فصلاها فظن الراوي أنه جَمَع؛ حتى لا تتعارض مع قوله تعالى: ﭐﱡﭐ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﱠ ١٠٣
فقد فسره أبو حنيفة بالأبيض كما فسره ثعلب من أهل اللغة، وعائشة رضي الله عنها وعن أبيها؛ لورود حديث هو(آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق) وقد فسره الجمهور، ومنهم أبو يوسف ومحمد بأن المراد به الأحمر كما فسره الخليل من أهل اللغة.
ومثل:(المتنفل أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ) يرى الجمهور أن المتنفل إذا صام فهو حر ّ في الاستمرار أوالإفطار أثناء النهار، فإن أفطر يستحب له القضاء ولا يجب.
وأبو حنيفة منعه من الإفطار؛ فإن أفطر وجب عليه قضاؤه لقوله تعالى:
ﭐﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱠ [محمد: ٣٣]
وقال: المراد من الحديث المتنفل قبل شروعه في صوم اليوم إن شاء صام وأمسك وقت الغجر، وإن شاء لم يمسك وأصبح مفطراً.
مثل: الباء في: ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱠ [المائدة: ٦] الفعل هنا متعدٍ لا يحتاج إلى حرف الجر لتعديته، فهي إذن زائدة في اللفظ؛ إلا أن زيادتها لتقوية الكلام؛ ولهذا أوجب مالك وأحمد مسح جميع الرأس أما الشافعي فإنه يرى أن معناها التبعيض؛ لذا يكفي عنده مسح أي جزء من الرأس وإن قل.
وأبو حنيفة يراها للإلصاق؛ لذا وجب مسح ربع الرأس؛ لأن اليد إذا ألصقت بالرأس تستوعب ربعه.
وأيضاً فسرها بالتبعيض واستنتج الربع الذي هو البعض من أنه صلى الله عليه وسلم (أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفه) والناصية هي ربع الرأس المقدم.
الحمل على الحقيقة أو المجاز مثل: لفظ النكاح الذي هو في اللغة الجَمْع والضَم، فالجمهور قالوا هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد؛لأن المراد بقوله تعالىﭐﱡﭐ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢﳣ ﳤ ﳥ ﳦ ﳧ ﳨ ﳩ ﳪ ﱠ[البقرة: ٢٣٠]الوطء.
وأبو حنيفة يرى إطلاقه على العقد حقيقة وعلى الوطء مجازاً؛ لقوله تعالى ﭐﱡﭐ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆ ﲇ ﲈ ﲉﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﱠ [النساء: ٢٥] وليس من المعقول أن زوجها كلما أراد مقاربتها يستأذن سيدها بل المراد العقد فقط؛ وشرط الدخول في المبتوتة هو بحديث العسيلة.
هل النص منسوخ أو مخصَّصَّ مثل: قوله تعالى ﱡﭐ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﱠ [البقرة: ١٨٠] الجمهور يرون هذه الوصية نسخت بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث) فمنوعوا الوصية للوارثين، أي من به صفة الوراثة ولو كان محجوباً.
وابن حزم الظاهري يرى أن الحديث خصص الآية أي لا وصية لوارث فِعْلاً، وتبقى الآية شاملة للمحجوب من الإرث كابن الابن مع الابن، والأخ مع الابن وسماها الوصية الواجبة.
عموم في النوع والقدر؛ فأوجب أبو حنيفة الزكاة في كل الثمار والمزروعات على إختلاف أنواعها وكمياتها .
أما الجمهور فقالوا: عموم الآية خص بقوله صلى الله عليه وسلم (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وهو حديث ظني؛ لأنه أحادي فعبارة النص خص عموم الآية في قدر النصاب، وإشارة النص خصصت النوع، وهو ما يمكن أن يوضع في الوسق مدّة طويلة ولا يفسد فأوجبوا الزكاة في الحبوب والتمر والعنب؛ لأن الزبيب يوسق.
مثل: عدد الرضعات، فأبو حنيفة يحرم بالمصّة مشبعة أو غير مشبعة لقوله تعالى (وأخواتكم من الرضاعة، وأمهاتكم التي أرضعنكم) والمصة الواحدة تسمى رضاعة.
والجمهور قالوا: قيد إطلاق الآية قوله صلى الله عليه وسلم (لا تحرم المصة ولا المصتان) فمالك يحرم إذا زاد على المصتين ولا يحرم بالواحدة أو الاثنين.
والشافعي وأحمد لا تحرم المرأة إلا بخمس رضعات مشبعات؛ لأن إطلاق الرضاع في الآية قيده بقوله صلى الله عليه وسلم (خمس رضعات يحرمن) وهذان الحديثان ظنيان لا تقيدان الآية القطعية الورود والدلالة عند أبي حنيفة.
وهذا غيض من فيض من الأسباب التي حصل فيها الخلاف بين المجتهدين وكله مقبول تقره لغة العرب، ولم يؤدِ ذلك إلى نزاع أو عداء أو تكفير أو تضليل من بعضهم للبعض الآخر بل حصل بنا احترام ومودة لأقوالهم سواء كان صاحب القول حياً أم ميتاً.
ابحث
أضف تعليقاً