wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مدنية الدولة الإسلامية
د.زيد خضر

جرى لغط كبير في هذه الأيام عن مفهوم الدولة الإسلامية ، فبعض الفئات رأت أن الدولة الإسلامية هي دولة دينية كهنوتية تتحكم في أهل الأرض باسم السماء ، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله ، ويدعون أن هذه الدولة الدينية ستكون كدولة الكنيسة الأوروبية في العصور الوسطى ، وهذه الدولة في رأيهم يحكمها رجال الدين ، ويفسرون الدين وفق هواهم ، ويديرون الدولة بما يحقق مصالحهم .

ويدافع الإسلاميون عن دولتهم  بقولهم :إنها دولة مدنية ،لا حكم فيها لرجال الدين؛ وإنما الحكم للأصلح الذي يختاره الشعب ، وهي دولة مؤسسات وقانون تراعي حقوق الإنسان.

وقبل الخوض في هذا الموضوع لا بد لنا من توضيح هذين المفهومين :

أولاً : الدولة : هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لتنظيم معين، على أن الدولة كيان يجب أن يتوافر فيه عدة أركان :

  1. الأرض : بمعنى نطاق جغرافي أو إقليم بحدود ثابتة معروفة.
  2. الشعب : وهو المجموعة البشرية القاطنة على هذه الأرض.
  3. السلطة : وهي مجموعة الأفراد والهيكليات والإجراءات التي تدير الموارد وعلاقات الشعب الداخلية بما يحقق هيمنتها عليهم.  ( 1 )

ثانياً : المدنية : مصطلح منفرد له دلالات مختلفة ، فقد استخدمه الباحثون بالمعنى المقابل للبداوة، أو المقابل للعسكرة، وأحياناً بالمعنى المقابل للحالة الدينية ، أما بالمتداول الشعبي فيعبر هذا المفهوم عن حالة من التسامح وقابلية التفاعل المهذب بين الأفراد. ( 2 )

أنواع الدول

1-الدولة المدنية : دولة يحكمها المدنيون وليس العسكريون أو رجال الدين، ولا تفصل الدين عن الدولة في الحياة المجتمعية .. أو في هوية الحاكم؛ كوضع شرط أن يكون مسلماً، أو مسيحياً؛ لأن هذا دين الأغلبية .

2-الدولة الدينية : هي الدولة التي يحكمها رجال الدين، وتتحكم المؤسسة الدينية في جميع نواحي الحياة، وتعتبر المعارضين كفاراً .

3-الدولة العلمانية : دولة تفصل الدين عن الدولة في هوية الحاكم، وفي الحياة المجتمعية وفي كل شيء، ويكون التعامل فيها على أساس القوانين الإنسانية في المحاكم وغيرها .

الدولة الدينية

الدولة الدينية أو الثيوقراطية هي الدولة على المفهوم الذي ساد في " أوروبا " لقرون طويلة في العصور الوسطى أثناء هيمنة الكنيسة، وسيطرة رجال الدين "الإكليروس" على مقاليد الأمور.

فقد كانت الدولة تمارس الحكم الإلهي؛ ففيها يحكم الحاكم باسم الله، ويكون نائباً عنه في حكم المجتمع ، حيث يكتسب الحاكم وقوانينه وممارساته قداسة مطلقة مستمدة من قداسة الله نفسه، وهنا تجتمع سلطة الحاكم وسلطة التشريع بيد الكنيسة، ممثلة في البابا والقساوسة ومن يرضون عنه ويقرونه من الحكام من الأباطرة والقياصرة والملوك والإقطاعيين. ( 1 )

الدولة المدنية

منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأ مصطلح " الدولة المدنية " يطرح للتداول على مستوى النخب الفكرية والسياسية، وتناولته بعض الدراسات والأبحاث كمحاولة لإيجاد منظومة قيم ومفاهيم تعبر عنه ويعبر عنها، ولا يزال تأصيل هذا المصطلح مستمراً .

ويمكن أن نعرف الدولة المدنية بأنها الدولة التي تعبر تماماً عن إرادة المجتمع، وتستند لقيمه،   وتكون وكيلة له، أو هي دولة القانون؛ فهي ليست دولة رئيس الوزراء، ولا دولة الحاكم. وتقوم هذه الدولة على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث. فالفصل هو المكون الرئيس لطبيعتها المادية، وثقافتها المجتمعية .

أركان الدولة المدنية

- بشرية الحاكم وعدم قداسته.

- الشعب مصدر السلطات.

- حرية إبداء الرأي (الشورى أو الديمقراطية بدرجاتها).

- الفصل بين السلطات.

- التمثيل النيابي للشعب.

- حق المواطنة للجميع. ( 2 )

هل أنشأ الإسلام دولة ؟

تاريخياً : إن هجرة رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ إلى المدينة المنورة أنشأت كياناً سياسياً فيها، ولكن هل حقق هذا الكيان  السياسي أركان الدولة التي أشرنا لها سابقاً، والتي هي الأرض والشعب والسلطة ؟ فالأرض والشعب هي المدينة المنورة وساكنيها ،أما السلطة فقد تم التأسيس لها منذ بيعتي العقبة الأولى والثانية وصولاً إلى ما عُرف بدستور المدينة .

لذلك يمكن أن نطلق على هذا الكيان السياسي صفة دولة، وهذه الدولة لم تنشأ كمطلب ديني إنما أُنشأت كحاجة موضوعية فرضتها الظروف المرافقة للدعوة الإسلامية .

الدولة الإسلامية دولة مدنية

الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وعرفها تاريخ المسلمين دولة مدنية، تقوم السلطة فيها على البيعة والشورى، حيث يختار الحاكم أهل الحل العقد على أساس القوة والأمانة، والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير عندها، ومن حق الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد أن تحاسبه وتراقبه؛ بل وتعزله إذا اقتضى الأمر ذلك، وليس في الإسلام من يحكم بالحق الإلهي المقدس .

ثم تقوم الدولة بعد ذلك على وجوب الشورى، ونزول الحاكم على رأي الأمة أو مجلس شوراها،كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح له ويشير عليه، بل إن الإسلام يعتبر ذلك فرض كفاية على الأمة، وقد يصبح فرض عين على المسلم إذا قدر عليه وتقاعس عنه غيره .

إن الإمام أو الحاكم في الإسلام مجرد فرد عادي من الناس، ليس له عصمة ولا قداسة ، وكما قال الخليفة الأول أبو بكر الصديق _رضي الله عنه_ : " إني وليت عليكم، ولست بخيركم ". وكما قال الخليفة عمر بن عبد العزيز : "إنما أنا واحد منكم، غير أن الله تعالى جعلني أثقلكم حملاً " .

والحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق؛ فهناك شريعة تحكمه؛ وهي أحكام لم يضعها هو، ولا حزبه أو حاشيته؛ بل وضعها له ولغيره رب الناس، ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغي هذه الأحكام أو أن يجمدها .

وهناك أمة تحاسبه وتقومه إذا اعوج، وتعزله إذا أصر على عوجه، ومن حق أي فرد فيها أن يرفض طاعته إذا أمر بأمر فيه معصية بينة لله تعالى. وفي الحديث الصحيح " السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

ولم نر أحداً من الخلفاء في تاريخ الإسلام أضفى على نفسه، أو أضفى عليه المسلمون نوعاً من القداسة، بحيث لا يُنتقد ولا يقوم، ولا يؤمر أو يُنهى .

بل نرى أن الخلفاء شجعوا الناس على نصحهم وتقويمهم، كما قال الخليفة أبو بكر الصديق في أول خطبة : "إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم؛ فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " .

وكان الخليفة عمر بن الخطاب يقول : "مرحباً بالناصح غدواً وعشياً "، وقد قال قولته المشهورة :"من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومني " . ( 1 )

أسس الدولة الإسلامية المدنية

وعندما نسقط مفهوم الدولة المدنية الحديثة بأسسها الستة على الرؤية الإسلامية للدولة نستطيع أن نثبت أن الدولة في الفكر الإسلامي دولة مدنية تماماً وفق المعايير التالية :

1- لا قداسة للحاكم، فهو لا يمثل خليفة لله تعالى على شعبه، وهو العنصر الأبرز والأخطر في تعريف دولة "الإكليروس " في عصور أوروبا الوسطى ، إن أعظم حكام المسلمين قداسة وتعظيماً هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت الله بشريته في أكثر من موضع، وقد صدح بذلك الرسول نفسه في أكثر من موقف .

2- الشعب مصدر السلطات، فهو الذي يختار الحاكم، وهو الذي يعزله، وهذا واضح في قصة اختيار الخليفة أبي بكر الصديق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

3- حرية إبداء الرأي : وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من مناسبة أنه دعا الناس إلى الشورى فقال :"أشيروا علي أيها الناس .. " . 

4- الفصل بين السلطات أو استقلال السلطات ، وأبرزه في الإسلام استقلال القضاء

5- التمثيل النيابي للشعب :لقد وضع النبي صلى الله عليه سلم نظاماً للتمثيل النيابي؛ فلما أتته هوازن فسألوه أن يرد عليهم السبي والغنائم، فقال : "ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم، وما كان للناس فدعوني حتى أسألهم، فكثر عليه اللغط، فقال أخرجوا إليّ عرفاءكم.

وفي بيعة العقبة عندما طلب من الأنصار إخراج اثني عشر نقيباً .

6- حق المواطنة :ولقد ضمن القرآن الكريم لغير المسلمين حرية العقيدة، كما كفل لهم حرية العبادة، وحماية دور عبادتهم، ووضع لهم قاعدة المواطنة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وقد ثبت ذلك في صحيفة المدينة بين الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود : " من آذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني كنت خصمه يوم القيامة "

ومنها ما في البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال : "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما " . ( 1 )

المراجع

  1. أبو فارس ،محمد عبد القادر ،النظام السياسي في الإسلام ، صويلح ، 1980 ، ص 257-277 .
  2. حجاج ،أدهم ، مبادئ المعرفة السياسية ، شبكة رصد ، 6/5/2014م .
  3.     خليل ، صبري محمد ، المدنية ، موقع سودانايل ،28/2/2011
  4. زايد ،  أحمد ،  ماذا تعني الدولة المدنية ،جريدة الشروق الجديد ،26/2/2011.
  5. عليان ، إبراهيم خليل ،الدولة الدينية والدولة المدنية ، القاهرة ، 1995 ، ص 14
  6. عليوة ، محمد عبد الفتاح ، الدولة الإسلامية دولة مدنية ، مجلة الحوار المتمدن ،9/7/2009  

 

( 1 ) أدهم حجاج ، مبادئ المعرفة السياسية ، شبكة رصد ، 6/5/2014م .

( 2 ) أحمد زايد ، ماذا تعني الدولة المدنية ،جريدة الشروق الجديد ،26/2/2011.

( 1 ) إبراهيم خليل عليان ،الدولة الدينية والدولة المدنية ، ص 14

(2 ) أدهم حجاج ، مبادئ المعرفة السياسية ، شبكة رصد ، 6/5/2014م .

 

( 1 ) محمد عبد القادر أبو فارس ،النظام السياسي في الإسلام ، ص 257-277

( 1 ) محمد عبد الفتاح عليوة ، الدولة الإسلامية دولة مدنية ، مجلة الحوار المتمدن ،9/7/2009   

    صبري محمد خليل ، المدنية ، موقع سودانايل ،28/2/2011

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.