wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل السيد حسن أبو هنية

 

جدل الدولة الدينية والمدنية

في المجال العربي الإسلامي الحديث  

حسن أبو هنيّة

  يتمتع الجدال والسجال الدائر حول ماهية الدولة الدينية والمدنية[1] في إطار إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي في الإسلام، بحضور كثيف في صفوف النخب الفكرية والرأي العام في العالم العربي الإسلامي قبل "ربيع الثورات" العربية وبعدها، وذلك لما تمثله هذه العلاقة من إشكالية باعتبارها أحد أهم المسائل الشائكة معرفيا في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية, فقد غلب على دراسة ومعالجة هذه الإشكالية جملة من الأطروحات الفكرية المقولبة والجاهزة التي تمت صياغتها في مجال تطور العلوم الاجتماعية في الغرب, حيث شكلت القراءة المركزية الغربية مصدرا للاضطراب والبلبلة الفكرية لدى النخب العربية الإسلامية بسبب هيمنة النموذج الغربي، وواقع السيطرة والهيمنة كنتيجة محققة لفائض الإنتاج المعرفي، ولا يخفى أن الجدلات حول علاقة الديني بالسياسي تأثرت بخلفيات إيديولوجية صريحة، وأجندة سياسية ظاهرة، فقد فرضت صدمة الاحتكاك بالواقع الحداثي الغربي برنامجا حضاريا مستعارا،  وعمل الواقع الاستعماري على استدخال مشكل "المقدس والدنيوي" بشكل نهائي عقب إنهيار السلطة العثمانية.

 وبهذا استقبلت النخب العربية والإسلامية مشكل العلاقة بين الديني والسياسي وطبيعة الدولة الدينية والمدنيةفي إطار إشكالية "التقدم" و"التأخر"، التي طبعت فكر إصلاحيي عصر النهضة، إذ تتجلى  أسس العلاقة بين الدين والسياسة في تأسيس الصلة الاجتماعية، فالإنسان كائن سياسي بقدر ما هو كائن ديني[2]. إلا أن العلوم الاجتماعية "اكتشفت" العلاقة بين الاثنين في الغالب على مستوى "غايات" السياسة التي تنتمي إليها، على خلاف "الأهداف" إلى مجال سياسي كالدين والأخلاق...إلخ، وكذلك على مستوى حاجة الهيمنة السياسية لإيمان الناس بشرعيتها والموافقة على الحقيقة التي تمثلها. وتتمثل مشكلة هذه الرؤية التي عبّر عنها "ماكس فيبر" في نظريته حول الهيمنة الشرعية كما عبّرت عنها مقولة "التبرير" الماركسية  والتي تفترض علاقة "خارجية" بين الظاهرتين السياسية والدينية، وهي نظرة وثيقة الصلة بطغيان النزعة الوضعية في العلوم الاجتماعية المتخصصّة وولعها برسم "الحدود" بين المجالات أو الفصل بينها، متناسية أن البشر طوال تاريخهم لم يقوموا بفصل كهذا، وأنهم أعطوا تعبيرات دينية للوظائف التي تؤديها السلطة ولعلاقات القوة التي تفرزها.

يذهب المفكر "كلود لوفور"، وهو يثير هذه القضية إلى القول: بأن المطلوب ليس البحث عن محل "السياسي" في المجتمع، بما أن فكرة "المجتمع" ذاتها تتضمن الإحالة إلى تعريفه السياسي. وبالمثل فإن الفصل بين ما هو "اجتماعي" وما ليس كذلك، إذا طرحناه كأمر واقعي، يقودنا إلى الاستقالة أمام الفرضية الوضعية؛ فتجربة التعايش بين البشر لا تنفصل عن تجربتهم للعالم المرئي واللامرئي، كما أن التمييز بين الحقيقة والخطأ، وبين الخير والشر، وبين العدل والظلم، لا يهم فقط علاقات البشر في حياتهم الاجتماعية، ولذلك يتضمن تبلور المجتمع السياسي سؤالاً حول الكون والكينونة[3].

 إن التداخل بين الديني والسياسي، صبغ التجربة البشرية لآلاف السنين قبل أن تضعه الحداثة الغربية موضع التساؤل، كما يؤكد جورج بالاندييه في دراسته حول علاقة الدين بالسلطة، فالمقدّس حاضر دوماً في صلب السلطة، "وبواسطة هذا الأخير يدرك المجتمع كوحدة وكنظام وكديمومة". ولئن كان الدين قد اشتغل كأداة للسلطة السياسية التي يحصل أن تسيطر على المقدّس تماما، فإن "المقدّس يمتلك من جهته استراتيجيته الخاصة للحدّ من السلطة. كما أن للدين وسائله المقدّسة لكبح تجاوزات السلطة السياسية وإنتاج التجديد الديني أو المعارضة الجذرية "[4].

 في هذا السياق لا يمكن فهم إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي ومفهوم الدولة الدينية والمنية دون النظر في مبادئ الحداثة وآثارها، إذ فرضت الحداثة الغربية تحديا عميقا على الدين، من خلال قلب المفاهيم والتصورات الدينية بانفصالاتها وقطيعاتها الأساسية الثلاث وهي:

ــ وجوب الاشتغال بالإنسان، وترك الاشتغال بالإله من أجل التَّصدي للوصاية الرّوحيّة الكنسيّة.

ــ وجوب التَّوسل بالعقل، وترك التَّوسل بالوحي، من أجل التَّصدي للوصاية الثقافيّة للكنيسة.

ــ وجوب التَّعلق بالدُّنيا وترك التَّعلق بالآخرة، من أجل التَّصدي للوصاية السِّياسية الكنسيّة.[5].

وبهذا فقد بات في حكم القطع تبيّن الصلة الراسخة بين الدين والسياسة في التجربة التاريخية الإسلامية؛ فبحسب عبد الإله بلقزيز: عَرَفَ المسلمون السياسةَ محايِثَةً للدين في أوّل عهدهم بها مع الدعوة. والسياسةُ هذه التي تعرَّفوا عليها في سياق التجربة النبوية، ليست من جنس التدبير اليومي لشؤون جماعاتهم القبَليَّة الذي نَهَضَ به رؤساءُ القبائل وشيوخُها و"كبارُ القوم" وأهلُ "الملإ"، مِمَّا أَلِفَتْهُ العرب طويلاً قبل عهدها بالإسلام؛ لأن السياسةَ –التي ستتلازم مع الرسالة المحمدية– آذَنَتْ بميلاد نظامِ حُكمٍ تتراتب قواه في تسلسلٍ هرميّ جديد يبدأ من القمة بشخص قائد الجماعة والأمة محمد بن عبد الله (ص) وينتهي بعامّة المؤمنين الداخلين في سلك الدعوة وتحتها، مروراً بجسمٍ سياسي Corps politique تَمَأْسَسَ بالعُرف والعادة –لا بالتشريع الدينيّ أو القانونيّ– يشغله الصحابة، ونواب الرسول على المدينة، والحُجَّاب، والمبعوثون إلى الأمصار، وكُتّاب الوحي، والأمراء على الفتوح والبلدان، ومن ولاَّهم النبي أَمْرَ القضاء في البلاد المفتوحة، وقواد الجيش، وأهل السابقة في الإسلام... إلخ؛ وهو نظام جديد عليهم تماماً حتى مع التسليم – الفَرضيّ – بالروايات التاريخية الذاهبة إلى القول بأن مَمَالِكَ قامت في تاريخ العرب قبل الإسلام، مثل مملكة سَبَإ ومملكة معين ومملكة حَمْيَر وممالك الغساسنة والمناذرة وكندة، وشهدت العربُ في ظلها شكلاً ما من أشكال التنظيم السياسي. ذلك أن ما سيعيشونه مع البعثة أمرٌ مختلف تماماً لأنه يتصل بقيام أول مظهر من مظاهر الدولة التي ما عرفوا لها "نظيراً" إلا عند الساسانيين والبيزنطيين[6].

الجدل الأشهر حول مسألة الدولة في الإسلام وطبيعتها بين محمد عبده (1849-1905م) وفرح أنطون لا يزال مستمرا بطرائق عديدة، فمسألة العلاقة بين الدين والدولة لم تطرح كمسألة منعزلة عن الإطار السياسي العام الذي هيمن على مختلف مجالات الفكر العربي في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن الماضي، وخصوصا موقع السلطة السياسية ووظيفتها داخل المجتمع. فالمسألة طرحت كأحد روافد الإشكال العام الذي طرح على الفكر السياسي العربي الإسلامي والذي تتجلى مفاهيمه بالتقدم والديموقراطية والحرية. إذ أن فكرة فصل الدين عن الدولة بصيغتها العلمانية ظهرت لدي فرح أنطون (1874-1922م)، من خلال تبنيه للمنظور الوضعي أثناء دفاعه على ضرورة استقلال السياسي عن الديني.. متجهاً نحو بناء تصور سياسي يعطي الأولوية لكل ما هو دنيوي، وذلك بالاعتماد على قوانين التاريخ، كما بلورتها الفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر[7]. وإذا كان عبدة يرد على أنطون من خلال "المنار"، فهو في نفس الوقت كان يرد على شخصيات أخرى كموسيو هانوتو ورينان في منابر أخرى[8].

وإذا كان أنطون يربط بين التقدم والفصل بين السلطتين، مستلهما التجربة الأوروبية، فإن عبده لم تكن له نفس الرؤية، فإذا كان هدف الفصل هو إعطاء مفهوم ليبرالي للسلطة السياسية، فإن عبده بهذا الفهم ينظر إلى مفهوم السلطة في الإسلام؛ فالإسلام في نظره لا يعرف سلطة دينية، فللحاكم سلطة مدنية محضة، تتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية للبلاد. أما أمور الدين فهي لأهلها، إن السلطة المدنية هي صاحبة الكلمة الأولى، ويستشهد عبده هنا، بسياسة الدولة العثمانية في تعاملها مع الدول الأوروبية، حيث في نظره أنها سياسة مدنية لم تكن أبدا سياسة دينية، ولا دخل للدين في هذه المعاملة، وإذا كانت السياسة كذلك بالنسبة لعبده، فإن موقع الحاكم بدوره موقع مدني يخضع لإرادة الأمة، لكن ليس بالفهم الليبرالي المطلق، بل لإخضاعه إلى المرجعية الإسلامية، وهو في هذا يحاول أن ينفي أن في الإسلام سلطة دينية، فلا الخليفة ولا القاضي ولا المفتي يملك هذه السلطة.

إن ما يمكن الوقوف عنده كمركز للجدال حول مسألة الفصل والوصل بين السلطتين السياسية والدينية، يتمثل في الدولة كجهاز للسلطة السياسية، ومن خلال هذا الجدال يتضح لنا مركز التفكير السياسي العربي الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث أن السلطة السياسية وموقعها ووظيفتها كانت هي الموجه الأساس للفكر العربي[9]، فالتقدم بالنسبة للمفكرين الأوائل كانت له علاقة مباشرة بوظيفة السلطة السياسية، وإذا كان جدال محمد عبده وفرح أنطون  ركز على وظيفة السلطة السياسية، فقد دفع علي عبد الرازق لاحقا، الجدل ليطال موضوعة السلطة داخل الحقل الإسلامي من خلال البحث في دينية أو عدم دينية مسألة الخلافة. إذ نشهد في ذات السياق ظهور في كتاب "الخلافة وسلطة الأمة 1923م" الذي نقله إلى اللغة العربية عبد الغني سني عن اللغة التركية ومؤلفه مجهول، ويتضمن القسم الأول البحوث الفقهية التي تتصل بالخلافة، بينما يعالج القسم الثاني التفريق بين الخلافة والسلطة، أما المقدمة فقد حاول فيها التدليل على أن مسألة الخلافة مسألة دنيوية سياسية لا تكاد تتصل بالدين.

جاء كتاب رشيد رضا (1865-1935م)  الموسوم بـ"الخلافة أو الإمامة العظمي" 1922م، ممثلاً بوادر الاتجاه الذي يدعو إلى عودة الخلافة،  ويمضي مصطفي صبري  في كتابه الموسوم بـ "النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة" 1924م، على نهج رضا بالانتصار لعودة الخلافة، وقد تبعهم لاحقا الإمام حسن البنا (1906-1949م) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (1928م)، في "رسالة المؤتمر الخامس" 1938م باعتبار أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، فالخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله... و"الإخوان المسلمون" لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لابد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد وأن تسبقها خطوات[10].

كانت أطروحة عبد الرازق حول الديني والسياسي صادمة، فقد ظهرت في سياق ملابسات سياسية  تمثلت بظهور دولة مصطفى كمال أتاتورك العلمانية، وإلغاء منصب الخلافة سنة 1924، وما نتج عن هذا الإلغاء من نقاشات وجدالات حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة في الإسلام. والظروف السياسية الداخلية لمصر، وعلاقة الملك أحمد فؤاد بالأحزاب السياسية من جهة، والاستعمار البريطاني من جهة ثانية، وعلاقة كل هؤلاء بمسألة منصب الخلافة. وقد جائت دولة كمال أتاتورك غداة الحرب العالمية الأولى، والوضع السياسي المتردي، والوضع الاقتصادي المتفكك اللذين أصبحت تعيش عليهما الدولة العثمانية المنهزمة في الحرب بجانب ألمانيا. حيث لم تعد السلطة المركزية قادرة على التحكم في أطراف الإمبراطورية، مما جعل أطماع الاستعمار الغربي عامة والبريطاني خاصة تتقوى للهيمنة على بعض الأقطار العربية وعلى رأسها مصر، وقد تكونت شخصية أتاتورك معرفيا وعسكريا بفرنسا في الأكاديمية العسكرية بتولوز في نهاية القرن التاسع عشر، وتشبعت شخصيته بالثقافة الغربية الحديثة، وتحديدا بالإيديولوجيا الوضعية التي كانت تسود الفكر الفرنسي آنذاك. وبهذا التكوين العسكري الحديث والمعرفي والإيديولوجي عاد مصطفى كمال إلى تركيا حيث استولى على السلطة، وبدأ بتطبيق إيديولوجية الحداثة بنوع من "التطرف" أحيانا كما يصفها محمد أركون[11]، وذلك من أجل وضع أسس للدولة الحديثة في تركيا، كإلغاء السلطنة سنة 1922، وإعلان الجمهورية سنة 1923، وإلغاء منصب الخلافة ومنصب شيخ الإسلام، ووزارة الشريعة، والمدارس الدينية، وإلغاء المحاكم الشرعية، ثم حل الفرق الصوفية وقفل الأضرحة ووضع الألبسة الدينية سنة 1924. كما ألغى الطربوش والزي التقليدي وفرض القبعة الأوروبية والبنطلون سنة 1925، كما أصدر قانونا جديدا للأحوال المدنية مؤسسا على القانون السويسري سنة 1926. ثم منع إرخاء اللحى والشوارب وحذف التقويم الإسلامي والحروف العربية في الكتابة، كما منع التعليم الديني في المدارس سنة 1928 [12].

لقد خلّفت الإجراءات الكمالية ردود فعل متباينة حول وجوب أو عدم وجوب منصب الخليفة، وقد طرح الأمر بإلحاح في مصر حيث كان ملك مصر أحمد فؤاد يطمح إلى شغله من خلال جمعيات كانت تدعو إلى مؤتمر للخلافة، أبرزها "جمعية الخلافة"، بالإضافة إلى سعي بريطانيا إلى أن يكون خليفة المسلمين من نصيب إحدى الأقطار التابعة لها، كما كانت مسألة الخلافة، مسألة سياسية تواجه فيها المناهضون للقصر المصري والاستعمار البريطاني، والمناصرون له وللتواجد الإنجليزي في المنطقة. ويظهر هذا الصراع بوضوح بعد طبع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، وما خلفه من ردود فعل سياسية متباينة واضحة، كصراع الأحزاب التي كانت تدافع عن الكتاب وصاحبه من جهة، كحزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتمي إليه علي عبد الرازق، رغم مشاركته في الحكومة الموالية للقصر، بجانب حزب الاتحاد، وحزب الوفد المعارض، رغم موقف زعيمه السلبي سعد زغلول من الكتاب. ومن جهة أخرى ردود فعل سياسية مغلفة بالدين من بعض الأحزاب والجهات التي وقفت ضد الكتاب وصاحبه، داعية إلى محاكمته، كحزب الاتحاد والقصر الملكي والأزهر.

في ظل هذه الملابسات جاء كتاب علي عبد الرازق كطرف في صراع حول مسألة الخلافة كشكل من أشكال الحكم في العالم العربي والإسلامي. وكوجهة نظر حول مفهوم الدولة والحداثة بصفة عامة، فكتاب "الإسلام وأصول الحكم" عبارة عن جدال حول مسألة السلطة في الإسلام، يناقش فيه علي عبد الرازق مجموع الآراء والمواقف من مسألة الخلافة في الإسلام، انطلاقا من السؤال الرئيسي حول دينية أو عدم دينية منصب الخلافة، فإذا كان البعض يعتبرها منصبا دينيا، وضرورة دينية، فإن علي عبد الرازق في رده على هذا القول ومن أجل تفنيده، يعود إلى المصادر الأساسية للإسلام: الكتاب والسنة والإجماع، يبحث عن شرعية أو عدم شرعية هذا القول، ليخرج بنتيجة مفادها أن لا الكتاب ولا السنة ولا الإجماع يعطيه الشرعية.

وبرجوعه إلى الأصول الإسلامية للاعتماد عليها كسند لموقفه الرافض لدينية منصب الخلافة، يهدف عبد الرازق بالأساس إلى مناقشة مسألة دينية وسياسية في نفس الوقت من داخل الإسلام، نفسه، باعتماده على الأصول من جهة، وعلى التاريخ الإسلامي منذ ظهور الدعوة، من جهة ثانية، وهو في هذين الاعتمادين يستعمل المنقول وفي نفس الوقت التأويل الذي يعتمد على الاستدلال العقلي، وإذا كانت الخلافة بالنسبة لعبد الرازق لا تستند لا على الكتاب ولا على السنة ولا على الإجماع؛ فإنها لا تستند في رأيه إلا على القوة والقهر والعنف بحد السيف من أجل فرض نفسها على المسلمين، وفي هذا الإطار يستعين المؤلف بالتاريخ الإسلامي من خلال بعض اللحظات التاريخية، ومن بعض الذين مارسوا الحكم للاستدلال على القوة والقهر.

وانطلاقا من هذا الموقف العام من مسألة الخلافة، يلجأ علي عبد الرازق إلى البحث عن العلاقة بين الديني والسياسي في النبوة بشكل عام، وفي سلوكات النبي بشكل خاص، من خلال علاقة الملك بالرسالة، إن المؤلف ينطلق للخوض في هذه العلاقة من واقع تاريخي وديني لا يرى فيهما تلازما بين الملك والرسالة، معللا موقفه في أن هناك ملوكا لم يكونوا أنبياء أو رسلا وأنبياء لم يكونوا ملوكا أو حكاما. وعلى ضوء هذا الطرح، يتساءل المؤلف حول وضعية النبي، هل هي دينية (الرسالة) ومدنية (الملك) أم دينية فقط (الرسالة)[13].

يمكن أن نميز داخل الفكر الإسلامي المعاصر بين اتجاهات ثلاثة متمايزة في النظر لمسألة علاقة الدين بالدولة بحسب ولد أباه وهي:

- اتجاه يحصر نموذج الدولة الإسلامية في أشكالها التاريخية، أي دولة الخلافة والدولة السلطانية بالاستناد إلى المرجعية الفقهية الوسيطة.

- اتجاه يسعى إلى أسلمة الدولة الوطنية الحديثة، أي إضفاء الشرعية الدينية على هياكلها المؤسسية البيروقراطية، مع تصويب منظومتها القيمية التشريعية.

- اتجاه يتبنى الدولة الحديثة ونمط العقلنة السياسية التي تقوم عليها من منطلق تصورها الإجرائي الأداتي الذي لا يتناقض جوهريا مع المرجعية الإسلامية، بل يقبل شتى المقاربات القيمية[14].

لقد استلهمت التوجهات الإسلامية الحديثة تراث الأحكام السلطانية في تحديدها لشرعية الدولة التي لا خلاف حول وجوبها باعتبارها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" حسب عبارة الماوردي[15]،  وإذا كان الفقهاء متفقون على أن نصب الإمامة واجبا، إلا أنهم اختلفوا في طبيعة هذا الوجوب هل هو بالشرع أو العقل أو هما معا، كما اتفقوا على أن الإمامة "موضوعة" وليست "توقيفية" وانها ليست من أصول العقيدة(على خلاف الشيعة)، وينم هذا التصور عن وعي ضمني بانفصال السياسي عن الديني في الهوية والمرجعية، والتقائهما في المقصد والوسيلة، على خلاف التصور الذي يجعل السياسة من محددات الدين نفسه.

فيما يتعلق بالكتابات السياسية الموسومة "بالآداب السلطانية" أو "نصائح الملوك"؛ فإن الدولة التي يتناولها الأديب أو الفقيه ، تكشف عن مفارقة تاريخية تتمثل في الحضور الفعلي والواقعي للدولة "الإسلامية" من جهة، وغيابها "الأخلاقي" أو استحالة تحقق "مثالها"، فالحديث عن "إسلام" الدولة السلطانية أو "سلاطين" الإسلام، يقصد به التجربة الواقعية الفعلية، وليس "إسلاما" كان ينبغي أن يكون.

يبدو أن طرح مفهوم "الإسلام" في علاقته بالمجال السياسي بحسب عز الدين العلام يحتاج إلى تدقيق: متى يكون الإسلام سياسة أو تصبح السياسة إسلاما؟ متى يحصل التطابق بين المفهومين؟ وهل حدث تاريخيا هذا التطابق؟ ما سر هذه السلسلة اللامتناهية من المفارقات بين "الخلافة" و"الملك" والشرع والاصطلاح، عند الكثيرين، قديما وحديثا، تكون الدولة "إسلامية" أو تصبح كذلك إن كانت "خلافة"، ولكي يتضح الجواب، يجدر النظر في "موضوع" السياستين الذي لا يبدو متطابقا أو متماثلا، فما يشغل بال مؤلفي "السياسات الشرعية" ليس هو ما يشغل بال مؤلفي "السياسات السلطانية"، إذ قد نجد تقاطعات بين ما يكتبه هذان النوعان من المؤلفين، ومع ذلك يظل الفرق قائما، فأغلب مواضيع النوع الأول تهم الجانب "المدني" من حياة المسلم من حقوق وحدود، وأغلب مواضيع النوع الثاني تهم الجانب "السياسي" للدولة الإسلامية من "وظائف" و"جيش" و"فئات اجتماعية"، فهل هناك انفصام بين "الشرع" و"السياسة؟" ليس هناك على كل حال استبعاد أو تنافر بين المجالين؛ فتطبيقات "الشرع" لا تستبعد الحياة السياسية السلطانية، كما أن الجهاز السياسي السلطاني لا يحول دون هذه التطبيقات.

قد يجمع نفس الكاتب بين التصورين الشرعي والسلطاني، إذ كانت الدولة تجمع بين الحكم السلطاني والأمر الشرعي، فلا أحد يمكنه الادعاء بانمحاء الشرع في مختلف التواريخ الإسلامية، فالسلطان والشرع يتكاملان، وكل واحد يجد في الآخر ضالته. فكما أن إقامة الشرع تتطلب وجود "السلطان"، فإن وجود هذا الأخير واستمراره يستلزم حضور "الشرع"، فقد أصبح جلباب الشرع واسعا جدا، ولكل سلطان مقاسه. أكثر من هذا، لم يفقد الشرع بعده "الديني" ليشتد بعده "الدنيوي" ويصبح مجرد آلة ينتظم بها سير المجتمع، بل غدا "مرادفا" للسياسة حين يؤكد الفقيه السلطاني أن كل ما هو صالح سياسيا ونافع دنيويا يكون "شرعيا"، وهكذا يصبح لكل سلوك سياسي سند شرعي[16].

 هناك إقرار علني عند أغلب الباحثين العرب في إطار إشكالية الدين والدولة، بأن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين والدولة غير مدروسة، وبالتالي غير مضاءة[17]. إذ يقول العروي: "عندما نتكلم اليوم عن الدولة الإسلامية نعني بالضرورة مركّبا من العناصر الثلاثة: العربي والإسلامي والآسيوي، إلا أننا لا نستطيع أن ندرك ذلك المركب وهو محقق في التاريخ لأننا لا نملك شهادة معاصرة عليه. كل ما نستطيع هو أن نتصوره، أو أن نتخيله، اعتماداً على أخبار مؤرخين متأخرين نسبياً"[18].

وكما بيّن رضوان السيد فقد ورثت السياسة الشرعية الأحكام السلطانية[19] بعد انتصار القوة والشوكة في الدولة فقد جرى الانتقال من "الأحكام السلطانية" إلى "السياسة الشرعية" بمعنى أن المصلحة صارت مصدرا شرعيا، كان على الفقهاء الانصراف إلى تقنينه وضبطه بالقدر الذي تسمح به السلطة والظروف. وما كانت سلطات الأمر الواقع تستطيع الاستغناء عن الفقهاء، كما لم تستغن كليا عن "الخلفاء". وكان الخلفاء مفيدين من الناحية الرمزية؛ أما الشأن الواقعي والشعبي، فكان لابد من اللجوء فيه إلى الفقهاء؛ وبخاصة أن هؤلاء السلاطين والأمراء كانوا من المسلمين الجدد في الغالب، ولا يعرفون الكثير عن أحكام الشريعة، ولا عن مواضعات الجمهور. ولذلك فكما أبقوا على الخليفة، عمدوا للاعتراف بالمذاهب السنية الأربعة، وعينوا لها قضاة في سائر المدن والأمصار[20].

إن غياب الشهادة المعاصرة للدولة الإسلامية في بداية العصرين الأموي والعباسي، هو الذي فسح المجال للتأويلات العديدة والتضييقية التي تنتهي إلى القول بأن الإسلام دين ودولة، المقولة التي رفع راياتها في أربعينيات القرن الماضي الشيخ والإمام حسن البنا، والتي استلهمتها الحركات الإسلامية الراديكالية في سعيها، وفي تجييشها لإيديولوجيا الكفاح ضد الاستعمار التي ساهمت في طمس كل المحاولات الرامية إلى الفصل بين الذروتين الدينية والسياسية، أو تلك التي تصر على أن الدولة شأن تدبيري سياسي وليس شأناً عقيدياً كما تراها الكثير من الحركات الراديكالية المعاصرة أو الإيديولوجيات الجاهزة التي ما تزال رائجة في "ثقافة العامة" والتعبير للشيخ علي عبد الرزاق، وتحول دون الوصول إلى أصول جديدة للحكم، تستمد قوتها من أحدث ما أنتجته العقول البشرية وما أبدعته الأمم الحديثة.

كان الشيخ عبد الرازق على وعي بإشكالية العلاقة بين الدين والدولة، وعلى وعي بالآفاق الحديثة للدولة المعاصرة التي من شأنها أن تقطع مع إرث الدولة المملوكية، وأن تؤسس لأصول جديدة في الحكم. من هنا، فقد كان كتابه، وعلى ما جاء به من أفكار أصيلة وطريفة وجدية وجديدة، قد مثل إعلاناً عن تفجير المعركة الفكرية السياسية داخل الاجتماع الإسلامي التقليدي[21] فهو يعيب على "المسلم العامي" وعلى "رأي جمهور العلماء من الإسلام" اعتقادهم بأن الإسلام يمثل وحدة سياسية ودولة أسسها الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المسلم العامي هو من يعتقد أنه عليه السلام كان رسولاً وملكاً، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية، كان هو ملكها وسيدها. لعل ذلك هو الرأي الذي يتلاءم مع ذوق المسلمين العام. ولعله أيضاً هو رأي جمهور العلماء من المسلمين. فإنك تراهم إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع، يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة سياسية، ودولة أسسها النبي"[22].

يقر عبد الرازق في سعيه للتأكيد على أن السياسة شأن تدبيري وليست شأناً عقيدياً "أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه ما يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة والملك"[23] وأن "هناك الكثير مما يمكن اعتباره أثراً من آثار الدولة"[24] ولكنه يفند الرأي الذي يرى أن الإسلام دين ودولة، وأن "الخلافة تنوب عن الشرع في حفظ الدين والسياسة شاملة للملك والملك فدرج تحتها"، كما كان يرى ابن خلدون، الذي لم يكن يستند، كما يرى عبد الرازق إلى حجة أو دعامة أو سند[25].

يؤكد الشيخ عبد الرزاق على أن السياسة شأن تدبيري، وهذا ما يجب عليها أن تدركه ما يسميها بـ"الزعامة الجديدة" التي يلح عليها عبد الرازق، والتي هي في جوهرها زعامة سياسية "زعامة الحكومة والسلطان، لا بل زعامة الدين"[26]. وهو بذلك إنما يفتح باباً للمسلمين إلى ولوج عالم أصول الحكم، كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه. يقول في خاتمة كتابه: "أن لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم"[27]. ولكن أصول الحكم هذه كانت موضع استنكار الشيوخ الأزهريين الذين هاجموه وجردوه من ألقابه العلمية ومن وظيفته وكذلك الراديكاليين الإسلاميين الذين لم يغفروا للشيخ علي عبد الرازق هذا التطاول فراحوا يصفونه بأنه دعوة للانفكاك عن النص الديني لصالح تبعية الغرب والاندماج به[28]، وذلك لا ينفي إعجاب شيوخ آخرين به، أمثال الشيخ ابن باديس الذي أبدى إعجابه بالشيخ عبد الرازق وبتجربة كمال أتاتورك في بناء الدولة الحديثة، واصفا إياه "بأنه أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث وعبقري من أعظم عباقرة الشرق"، وكذلك مرافعات الشيخ خالد محمد خالد في دفاعه عن عبد الرازق وذلك في كتابيه"من هنا نبدأ، 1951" و"الديمقراطية أبدا، 1953" اللذان هاجم فيهما الدولة الدينية وراح يشيد بديمقراطية الإسلام[29].

يذهب هشام جعيط إلى القول: إن رأينا هو أنه يجب على الإسلام البقاء كدين للدولة، بمعنى أن الدولة تعترف به تاريخياً، وتهبه حمايتها وضمانها "ويضيف" ليس للدولة أن تكون علمانية بمعنى أنها لا تهتم بمصير الدين معتبرة إياه مسألة خاصة"[30]. من هنا نفسر رفضه لأن يكون الدين أداة تتلاعب بها الدولة وذلك لغايات سياسية أو إدخال إصلاحات داخلية عليه من لدنها، يقول جعيط "ينبغي تجنيبها ذلك لأن الدين قضية تهم الأمة الإسلامية قاطبة، أمة الأمس واليوم، وغداً"[31].

لم يكتف جعيط بذلك، فراح يؤكد في بحثه عن "بناء الدولة الإسلامية: الدولة النبوية" من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك وراءه دينًا ودولة، يقول جعيط: ترك النبي عند وفاته ديناً مكتملاً ودولة مهيمنة على الجزيرة العربية كلها، مترابطين بشكل لا يقبل الانفكاك. فمن خلال اعتناق الإسلام وممارسته، لا سيما الصلاة والزكاة، تم انصياع الأفراد والجماعات للدولة الجديدة، وقد دخل مسلموا الساعة الأولى، المتأثرون بدعوة كانت تخاطب الأفراد أولاً، دخولاً طبيعياً في نظام الدولة. فالوظيفة النبوية تؤلف بين الدنيوي والقدسي، بين العالم المرئي والعالم اللامرئي. ويقوم سلطانها على كلام الله مثلما يرتكز على التوجيه الفعلي للأمة. ولا شك أن العرب ما كان يمكنهم، لولا الحركة النبوية، أن يتوحدوا ولا أن ينتظموا ويرتفعوا إلى درجة أخلاقية أرفع. وبالتالي ما كان يمكنهم الدخول في التاريخ. وعلى هذا النحو، كانت النبوة تطرح نفسها كأمر يمد بأخلاقية وبوحدة وبمصير"[32].

لا يتصور جعيط إمكاناً لنهضة عربية بعيدة عن الإسلام، فالدولة العلمانية العربية المعادية أو الداعية إلى فصل الدين عن الدولة، تخالف التاريخ، - لأن وظيفة الدولة كما رأى ابن خلدون هي حفظ الدين وسياسة الدنيا- وتخون جوهر الحضارة العربية الإسلامية. ولكن على ما يبدو فقد جعيط إيمانه بروح الأجداد التي غذاها حيناً في كتاباته المؤدلجة، فراح يتحدث لاحقاً ومع مطلع الألفية الجديدة عن نهضة جديدة يمكن لها أن تمثل عودة باتجاه الحداثة الغربية التي من شأنها أن " تمج الإسلام جملة "، وذلك في معرض حديثه عن "أزمة الثقافة الإسلامية"[33].

في محاولة من العروي، للقطيعة مع الطوباويات السائدة عن الدولة طوبى الخلافة والطوباويات الماركسية والليبرالية يدعونا العروي إلى نظرية في الدولة "تقطع مع الدولة الاستبدادية التي ما تزال سائدة، وتؤسس بنفس الوقت لما يسميها بـ"الدولة الحق" التي هي اجتماع وأخلاق، قوة وإقناع، هنا يركّز العروي كثيراً على أن الدولة التي لا إيديولوجيا لها تضمن درجة مناسبة من ولاء وإجماع مواطنيها لا محالة مهزومة"[34] وهذه الدولة تقوم على القواعد التالية:

ـ لا نظرية حقيقية بدون تفكير جدي في أخلاقية الدولة.

ـ إذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة.

ـ إضفاء الأخلاق على دولة القهر والاستغلال غبن.

ـ تحرير الدولة من ثقل الأخلاق حكم عليها بالانقراض[35].

في كتابه "الدولة الإسلامية: بين العلمانية والسلطة الدينية، " والذي يحيلنا عنوانه الفرعي إلى ذلك الاستقطاب الحاد بين العلمانيين الذين يؤكدون على أن الإسلام دين وليس دولة وبين القائلين وهم هنا رواد الحركات الإسلامية الراديكالية ـ بأن الإسلام دين ودولة. بين هذا وذاك، راح محمد عمارة يسوق أمامه مجموعة من التعريفات والمفاهيم ليذكي في الختام رؤيته التوفيقية ونتائجه التي طبعت الخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة كما يرى الجابري في تحليله للخطاب الإسلامي، فمع إقراره بأن قضية السلطة الدينية هي قضية " قديمة جديدة " فعمارة يرى أن السلطة الدينية التي تعني " أن يدَّعي إنسان يتولى منصباً دينياً أو سياسياً أو مؤسسة فكرية أو سياسية ما لنفسه صفة الحديث باسم الله وحق الانفراد بمعرفة رأي السماء وتفسيره، وذلك فيما يتعلق بشؤون الدين أو بأمور الدنيا.."[36] هو رأي غريب على الفكر الإسلامي الذي لا يقره وذلك باستثناء الشيعة، فكل تيارات الفكر الإسلامي ومذاهبه تنكر وجود السلطة الدينية[37].

إن عمارة يتخذ موقفاً وسطاً، مثله مثل كثيرين من قادة الرأي في التيار الإسلامي السني، وذلك في إطار جوابه على التساؤل: هل الإٍسلام دين أم دولة؟ فمن وجهة نظره إن الوسطية التي تجمع "شيئاً من هذا الطرف وشيئاً من ذلك الطرف " هي التعبير الحي عن خاصية الحضارة العربية الإسلامية في الموازنة والتوازن، وهذا الموقف الوسط هو ما يسميه عمارة بموقف " الدين " و" الدولة " والذي ينطوي كما لمَّح العروي على شيء من التساكن. والذي فيه كما يرى عمارة:

أ- "أن يكون الحاكم الأعلى في المجتمع نائباً عن الأمة ووكيلاً لها فيما تفوضه إليه من سلطات.

ب- "أن يكون منفذاً للقانون، الذي وضعه مجتهدو الأمة، بالشورى والرأي والنظر، في إطار كليات الدين ومثله العليا ووصاياه العامة.. أي أن الأمة هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايات الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة، طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها".

جـ- إن " للدين " مدخلا في " الدولة "، لكنه لا يرقى إلى مستوى " الوحدة "، كما أن علاقتهما لا تنزل إلى مستوى " الفصل " بينهما، وإنما هو" التمييز " بين " الدين " و"الدولة "."فالتمييز" هو المصطلح الأصح والأدق للتعبير عن نوع هذه العلاقة بينهما"[38]

في كتابه "الدولة والدين: نقد السياسة،" لاحظ برهان غليون أنه مع بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، أخذت الضغوط والطلبات تزداد على الفكرة الإسلامية من قبل الشارع، ومن قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان، في حين شهدت الفكرة القومية والعلمانية التي ارتبطت بها شيئاً فشيئاً، تراجعاً كبيراً على المستوى النفسي والعقدي والسياسي. بل لقد أصبحت الوطنية، بما هي تأكيد على الاستقلال الذاتي، ورفض للتبعية وعداء لهيمنة الغرب الحضاري، تبحث عن مصدر نموها وإلهامها في الفكرة الدينية نفسها. وما كان يظهر كصراع بين الجامعة الإسلامية والدولة القطرية، أو بين السلطة الخلافية والسلطة القومية، أصبح يتخذ اليوم صورة الصراع بين السلطة العلمانية والسلطة الدينية. فقد حل مفهوم الدولة الإسلامية محل مفهوم الخلافة أو الإمامة، في حين أصبحت العلمانية رديفة للحداثة القومية.وهكذا أعيدت صياغة التعارض البدئي في النظر السياسي العربي المعاصر على أسس جديدة أكثر قوة في التمايز والانغلاق مما كانت عليه في أي حقبة ماضية، بقدر تطورها في المنحى المعرفي والفلسفي ذاته. وتأكدت بذلك من جديد القطيعة التقليدية المتزايدة بين فريقين، يعتقد الأول أن بناء الدولة لن يستقيم إلا إذا أخذ بما يظن أنه نظرية الدولة الحديثة بامتياز، أي فلسفة العلمانية كدين للدولة. ويؤمن الثاني بأن العرب والمسلمين لن يتمكنوا من الخلاص وتحقيق الأمن والاستقرار والسعادة الأرضية والأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة العربية على الأسس ذاتها التي قامت عليها دولة الرسول الكريم، والتي كانت وراء تحول العرب من قبائل وعشائر مقسمة ومتخلفة إلى أمة عظيمة وإمبراطورية عالمية"[39]

وسعياً منه إلى تعميق إشكالية الدين والدولة في الخطاب العربي المعاصر وبالتالي تأسيس المجال السياسي من جديد، وتجاوز حالة الاستقطاب السائدة والتي تحكم على السجالات العربية بالعقم والاستحالة راح غليون يحف مشروعه بمزيد من الأسئلة التي تتعلق بماهية الدين وبماهية السياسة، وعلاقة الدين بالسياسة، وبماهية الدولة ومفهومها..الخ:هل الدولة هوية جماعية تجسد نفسها في كيان سياسي متميز يعكس روح الجماعة وإرادتها المستقلة، أم نقصد بها جهازاً إدارياً وتقنياً، وبالتالي نربط مفهومها بنوعية الوظائف الإدارية والقسرية والدفاعية التي تقوم بها؟ وهل نقصد بالدولة النظام السياسي، أو بنية السلطة ومصدرها وطبيعة تنظيمها وما يطرأ عليها من صفات وخصائص، وطرق ممارستها في المجتمع وفي الدولة، أم نعني بها المبدأ الأخلاقي العام المقوم للمجتمع والناظم له، الذي يجعل منه اجتماعاً مدنياً، ونطابق مفهومها ومفهوم السياسة بما هي تحديد لأهداف الممارسة، وتوظيف للسلطة وتوجيه لها...الخ؟[40].

وهذا الحل يجده غليون في الدولة الديمقراطية التي تمهد للمصالحة بين الدين والدولة، يقول غليون: يعتقد الإسلاميون أن قضية الشرعية مرتبطة بتطبيق القيم الدينية، باعتبار أن الحكم في النهاية لله وحده، ويعتقد العلمانيون أن الشرعية مستمدة من القيم الوطنية الحديثة وفي الحالتين ترتبط الشرعية بالعقيدة، باعتبارها التعبير عن الأهداف والقيم الاجتماعية السائدة.لكن ما يجمع النظرتين ويوجههما معاً الواحدة ضد الأخرى هو كونهما تنطلقان في الواقع من فرضية الدولة الاستبدادية، فلو انطلقنا من فرضية الدولة الديمقراطية لأدركنا أن مبدأ السيادة الشعبية قادر بنفسه على حل هذا التناقض الحقيقي في القيم، ذلك لأنه لا يهتم مسبقاً بالقيم والمعايير والأفكار التي ينبغي على هذه السيادة أن تلتزم بها، وإنما يحدد فقط الطريقة الإجرائية التي يمكنها أن تساعد الجماعة على الوصول إلى إجماع في موضوع هذه القيم والأفكار"[41].

إذا كان غليون قد بيّن مأزق الدولة العلمانية، فإن الشيخ راشد الغنوشي يرفضها نهائيا ويصفها بـ"دولة التجزئة العلمانية الدكتاتورية" وينعت نخبتها السياسية بـ"الكهنوت الجديد"[42] الذي يسعى إلى فرض دينه الجديد على المجتمع العربي الإسلامي عنوة، وهذا ما يثير مخاوف وقلق الشيخ راشد، الذي يبدي في الحقيقة قلقاً مضاعفاً من واقع عربي، ينوس بين بين، بين الدكتاتورية العلمانية التي تزعم الحداثة والتقدم وبين الدكتاتورية الدينية والتعبير له التي تجعل من الدولة الإسلامية أصلاً من أصول الدين، وتنتهي بالتالي إلى ممارسة مزيد من الغلو والتطرف. وفي محاولة منه للانعتاق من هيمنة الاستبداد الفكري الذي تمارسه الحركات الإحيائية الإسلامية التي ترى في الدولة شأناً عقيدياً، ومن هيمنة استبداد الدولة العلمانية التي صادرت المجتمع العربي والحياة العربية، راح الشيخ الغنوشي يصيغ بيانه الجديد عن "الحريات العامة في الدولة الإسلامية ".

فمن وجهة نظر الشيخ راشد، أن السلطة في الإسلام ضرورية، لأن سنن الاجتماع تقتضي ضرورة قيام السلطة من وجهة نظره هي قيامة الدين. فللسلطة كما يقول " وظيفة اجتماعية لحراسة الدين والدنيا، وأن القائمين عليها ليسوا إلا موظفين وخداماً عند الأمة"[43]، فالدين أسٌّ والسلطان حارس. ويضيف الغنوشي "السلطة بهذا الاعتبار، سلطة مدنية من كل وجه، لا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة إلا من حيث علوية سيادة الشريعة أو التقنين الإلهي"[44].

في بحثه عن إشكالية الدين والدولة والدنيا، يتوقف محمد أركون عند نقاط عدة:

أولاً ـ إن الجذور الكلاسيكية للنقاش الدائر حول الروابط بين الدين والدولة والدنيا غير مدروسة، وغير مضاءة، وذلك فيما يخص الإسلام بشكل جيد حتى الآن.

ثانياً ـ إن الصورة قد أصبحت ذات أبعاد اشتداد الدعوة إلى الربط بين الدين والدولة في الإسلام.

ثالثاً ـ إنه ينبغي علينا تبيان المبالغات التي يقع فيها الكتاب الإسلاميون المعاصرون عندما يتحدثون عن هذه المسألة. وينبغي أن نفعل ذلك عن طريق التذكير بالآراء الذكية والتحليلات المرنة والأفضل توثيقاً للكتاب المسلمين الكلاسيكين والتي هي أكثر جدية بكثير من الخطابات الإيديولوجية التي تنهمر علينا من كل حدب وصوب[45].

ثمة شكوى عند أغلب المثقفين العرب، من أن الغرب هو الحاضر الغائب في خطاباتهم، فقد أصبح الغرب نموذجاً للقياس وليس للاستئناس كما يرى الجابري[46]. وقد انتبه غليون إلى ذلك في بحثه عن مأزق الدولة العلمانية التي تقيس على الغرب في سعيها إلى علمنة الدولة والمجتمع، والتي تهمل دور الدين في بناء الدولة والجماعة وهذا ما فعله على أكمل وجه الدين الإسلامي، وهذا ما حذَّر منه هشام جعيط كما مر معنا، ولكن أركون وعلى الرغم من حصافته الفكرية وسعة اطلاعه على إحداثيات الفكر الإسلامي، يظل أسير هذا النموذج، فلا مخرج إلا بالعلمنة التي يراها ممكنة في الإسلام[47]

لم يقتنع محمد أركون بمأزق الدولة العلمانية الذي وضَّحه برهان غليون ولم يلتفت إليه، وبنفس السياق لم تفلح مطارحات عزيز العظمة في بحثه عن "العلمانية في منظور مختلف،1992" في تجاوز الأزمة، لنقل أزمة الدولة العلمانية، ولم يأت مختلفه بالجديد وذلك على الرغم من مساعيه لتجاوز النموذج الأوروبي العلماني والقياس عليه[48]. فقد تاه في البحث عن وجوه العلمانية المتعددة (وجهها المعرفي والمؤسسي والسياسي والأخلاقي) وكذلك قواها التاريخية الفاعلة ولكنه لم ينجح في إعادة الاعتبار للعلمانية ولا لما سمَّاه بـ"التاريخ الفعلي " في بحثه عن الدلائل القاطعة على علمنة السياسة في الفكر الإسلامي والتي من شأنها أن تدعم ما سماها أيضاً بـ"الدلائل القاطعة" عند علي عبد الرازق، هذا الذي سيبقى بمثابة الحاضر الغائب والمضمر في معظم خطابات التقدميين العرب في بحثهم عن الدين والدولة والدنيا، والموجه لمعظم دراساتهم الانتقائية في التراث والتاريخ معاً.

سعى رضوان السيد وعبر منهجية جادة ومن داخل التقليد الإسلامي إلى رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي وأضاف عبر مؤلفاته في الدولة والسلطة والحضارة رؤية جديدة لا يمكن إغفالها في مجال إعادة تأسيس النظرة الإسلامية الجديدة للذات والآخر". وفي بحثه عن الدين والدولة وإشكالية الوعي التاريخي يقر رضوان السيد بأن ماهية العلاقة بين الدين والدولة تعود لتحتل الصدارة في وعي الجماعات الإسلامية المعاصرة" [49] وأنها تمثل عودة لإشكالية قديمة وليست بالجديدة.

كسابقيه، وفي محاولة منه لتجاوز المأثور الإيديولوجي السائد حول الدين والدولة، يسعى رضوان السيد إلى إثارة المزيد من الأسئلة حول إشكالية الدين والدولة، وذلك بهدف الرد عل القائلين من الإحيائيين الإسلاميين بأن الإسلام دين ودولة، والذين يعتقدون بأن وظيفة الدولة هي حراسة الدين كما جاء في المأثور الفكري للماوردي. فمن وجهة نظر رضوان السيد، أن كون الدين الإسلامي يتضمن ديناً وسياسة، فهذا شأن سائر الأديان، وهذا ما ركز عليه محمد أركون أيضاً ولكن السؤال المهم كما يرى هو: هل الدين والدنيا أو الدعوة والدولة تتضمنهما مؤسسة واحدة أو مؤسستان؟وما مدى صحة الاعتقاد و" الصورة " السائدة بين الباحثين العرب المعاصرين من أن عصر النبي والراشدين شهد توحد الدعوة والدولة في مؤسسة واحدة؟ والأهم من كل هذه الأسئلة: هل صحيح أن الشريعة كانت تحتاج للدولة من أجل تطبيقها، ثم: هل صحيح أن الدولة أو الإمامة حرست الشرع أو الدين؟[50].

ما يطمح إليه رضوان السيد، هو فك الاشتباك بين الدين والدولة، فعلى مسار تاريخي طويل كان لكل منهما مؤسسته الخاصة، عل أن الأهم من ذلك أن الدولة الإسلامية لم تكن حارسة للدين كما نذرها الماوردي، وكما ينذرها الإحيائيون الإسلاميون. وهنا يلفت نظرنا السيد إلى أن مقولة الماوردي عن الإمامة كحارسة للدين وسائسة للدنيا، مستعارة بالجملة من التراث الساساني، فقد كانت الزراداشتية كديانة تدين بوجودها للدولة الساسانية، وما أن انهارت الساسانية حتى انهارت الزرادشتية، أما واقع الإسلام فمختلف عن ذلك، فعلى مسار تاريخي طويل ظلت الدولة الإسلامية تدين للدين بوجودها. ثم إن السلطة السياسية في الإسلام لم تحرس الدين بل إن الدين هو الذي حرسها، وضاعت الدولة ولم يضيع الدين.

ما يخلص إليه رضوان السيد في حفرياته الدقيقة في تراث الدين والخلافة وعبر تحقيقاته العديدة لأهم الكتب،" أن تاريخ السلطة الإسلامية مع الشريعة وممثليها (وليس مع الدين) هو تاريخ صراعي أو نزاعي أفضى إلى انفصال السياسة عن الفقه وأحياناً عن الشريعة، وقيام مجالين أحدهما سياسي والآخر شرعي. وقد سلم كل من الطرفين للآخر بمجاله، واستمر التجاذب على أطراف المجالين حسب توازن القوى والظروف. فالصورة التاريخية السائدة عن أن الانفصال حديث مع الدخول الغربي إلى العالم الإسلامي، وظهور القوانين المدنية، والدول القومية، هذه الصورة تحتاج إلى تعديل كبير. على أن ظهور حركات " الصحوة الإسلامية " الداعية ـ بأساليب مختلفة ـ لقيام الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، يدل على أن مسألة علاقة الدين بالدولة في مجالنا الثقافي والسياسي ما تزال تبحث عن مستقر لها، مستقر ما مكنتنا تجارب القرون الماضية من الوصول إليه". ويضيف بكثير من الحصافة: الأخطر من ذلك كله اهتزاز فكرة الدولة أو السلطة في وعينا الثقافي وليس في تاريخنا. فالصورة السائدة لدى الفقهاء والمؤرخين، وكتاب نصائح الملوك، أن السلطة كانت دائماً منقوصة الشرعية، إما لخروجها على مقتضيات الدين أو مقتضيات العرف أو هما معاً، لكنها كانت ضرورية لمنع الفوضى وسقوط المجتمع (حاكم غشوم خير من فتنة تدوم). وقد أدى ذلك إلى تعمق " طوبى " الخلافة الراشدة أو أفكار المهدية، وأدى في الحقبة المعاصرة إلى ظهور فكرة تطبيق الشريعة أو الدولة الإسلامية. فلابد من الالتفات إلى تيارات هامشية في القديم والحديث، كانت وما تزال ترى إمكان الدولة العقلانية، دولة الحزم والسياسة،أو الدولة المدنية[51].

 

إن مسار تطور الدين في المجتمعات العربية لا يتطابق عن مساراته في المجتمعات الغربية، كما أن مسارات تشكل الدولة مختلفة تماما، فالظاهرة الدينية  في الغرب المسيحي تنطوي على ما أطلق عليه مارسيل غوشيه "دين الخروج من الدين"، إذ لم يعد مكونا بنيويا في الدولة والمجتمع، وهو في أحسن حالاته متخيلا إسقاطيا كما تناوله فيورباخ، أو هو محاولة استيهامية للخروج من دائرة الحياة عبر خلق "وهم ميتافيزيقي"، بحسب فريدريك نيتشه ثم فرويد، أو هو مكون إيديولوجي ذا بعد تخديري أو احتجاجي أو تعبيرا عن حالة استلابية إنسانية عامة، كما قال كارل ماركس.

لا شك أن موقع الدين في الحالة الغربية الحديثة حددتهة فلسفة الأنوار التي قامت على أساس تحرير العقل الإنساني من هيمنة التقليد وسيطرة رجال الدين، إذ تطور الدين في المجتمعات الغربية جاء عقب صراعات عنيفة، أدت إلى حدوث قطائع نظرية وعملية عميقة أفضت إلى تحجيم دور الدين وحضوره في المجال العام، وتنحيته عن توجيه الحياة السياسية، وفقدانه لتأسيس المشروعية السياسية، أما في المجتمعات العربية الإسلامية فقد كان الدين منسجما ومندمجا، على الرغم من بعض الصراعات المحدودة، والتي كانت تدور داخل التصور الديني السائد حسب تأويلاته وقواه وتوجهاته  المختلفة، دون حدوث قطائع وفظائع، إذ لم تحدث القطيعة إلا بسبب عنف "الصدمة الاستعمارية"، التي عمدت إلى فرض منظوماتها وتصوراتها بالقوة المسلحة، فالبني الاجتماعية والسياسية والثقافية للمجتمعات العربية بقيت منسجمة مع التصورات الدينية الإسلامية المتوارثة والسائدة، ولم تسفر التطورات التاريخية الذاتية والموضوعية عن ضرورات داخلية للفصل بين المجالين الديني والسياسي، بل حافظ الدين على كونه مصدرا للمشروعية السياسية وأساسا للبنية الثقافية ومؤسسا للهوية الجمعية، كما شكل الدين الإسلامي النواة الصلبة  لكل مشاريع المقاومة والتصدي للحملة الكولينيالية، الأمر الذي دفع الأنظمة ما بعد الكولينيالية العربية الانقلابية التي تبنت الأساس الإيديولوجي الحداثي السياسي إلى استدخال الدين في منظوماتها الحاكمة.

على الرغم من صدمة "العنف الاستعماري"، الذي عمل على خلخلة موقع الدين وحضوره في أبنية الدولة والمجتمع في العالم العربي، إلا أن الدين لم يفقد حضوره في المجال العام بل كان الإيديولوجية الأساس في مقاومة الاستعمار وتحقيق الاستقلال والتحرير، الأمر الذي جعل من مقولة "دين الدولة" نصا دستوريا ثابتا في العالم العربي منذ بداية الحقبة الاستعمارية، الأمر الذي أقرته  الدولة الوطنية العربية الناشئة، بحيث خصص للدين مادة دستورية مستقلة تنص على الدين الرسمي للدولة بصيغة "دين الدولة الإسلام" أو بصيغة مخففة مقاربة، الأمر الذي يشير إلى الإقرار بتلازم السلطة/الدين في العالم العربي، على نقيض التجربة الأوروبية التي شهدت قطع العلاقة بين المجالين تحت وقع وتأثير ثلاث عوامل حداثية رئيسة متزامنة؛ وهي: نشوء الرأسمالية، وبدء الإصلاح الديني، وتبلور فكر النهضة.

إن وتيرة تطور موقع الدين في المجتمعات العربية يختلف عن وتائر تطوره في المجتمعات الأوروبية، الأمر الذي دفع جملة من السوسيولوجيين والفلاسفة إلى مراجعة فرضيتهم الكبرى حول تطور الظاهرة الدينية في العصر الحديث، والتي تستند إلى القول بأن آلية العقلنة الشاملة التي تعتبر الآلية الأساسية للتحديث في المجتمعات الغربية تقود حتما إلى تفتيت المقدس وافتقاده لدوره وإشعاعه بشكل تدريجي، الأمر الذي ينقض مفهوم "عودة المكبوت الديني"، وخصوصا في الحالة العربية ، إذ أن الدين في المجتمعات العربية لم يدخل في حيز الغياب حتى يسجل حضورا، فقد كان فاعلا في تحديد دوافع الفاعلين أحيانا، وكامنا أحيانا أخرى.

الأزمة التي يعاني منها "الإسلام الرسمي" اليوم هي نتيجة تراكمية لأزمة الدولة العربية المابعد كولينيالية السلطوية الحديثة، التي قامت إيديولوجية علمانية ملتبسة وغير ناجزة ومفروضة، ففي حين يميز علم اجتماع الأديان بين "اللائكية" كسياسة رسمية لجهاز الدولة، كالحالة الفرنسية، وبين "سيكولاريزيم" باعتباره سيرورة اجتماعية يفقد من خلالها الدين فاعليته الاجتماعية وطابعه الكلياني كما في التقاليد الأنجلوسكسونية، لم تحسم الدولة الوطنية وإسلامها الرسمي خياراتها الإيديولوجية، فقد أدى نشوء ظاهرة "الإسلام الرسمي"، الذي بات "دين الدولة"، إلى بروز نتائج سلبية وخيمة على الإسلام نفسه، حيث نشأ معه "الإسلام السياسي" المعارض لإسلام الدولة،  والذي أسفرت تحولاته عن تقليد مسارات الدولة الحديثة وبات برنامجه يقتصر على موضوعة الحكم والسلطة، الأمر الذي أفقد الدين تكامليته وشموله،
في سياق التنافس مع على تمثيل الدين، الذي  عملت الدولة العربية الحديثة على استغلاله لتحقيق أهدافها السياسية، وحوّلته إلى أداة طيعة بيد أجهزة الحكم لأضفاء المشروعية السياسية، وسلاحا لمحاربة المعارضين لها باسم الدين نفسه.

لم تكن الأزمة التي يعاني منها الإسلام الرسمي والسياسي اليوم وليدة اللحظة الثورية الراهنة، وإنما كانت كامنة منذ تأسيس الدولة العربية الما بعد كولينالية، والتي كلما انحدرت في الزمان زاد تناقضها وتفاقمت إشكالياتها مع تنامي نزعتها السلطوية الشمولية، فقد عملت على احتكار السلطتين السياسية والدينية على نسق الإيديولوجيات التوتاليتارية الحديثة، وخلافا للنسق التاريخي الإسلامي الذي كان يميّز بين سلطة سياسية مرجعيتها دينية يمثل العلماء فيها سلطة مرجعية مستقلة حاكمة للدولة والمجتمع، أما حالة الإسلام الرسمي كمؤسسة إيديولوجية للدولة العربية عبر مسميات "وزارات الدين" فهي تقوم بدور "الكنيسة" التي تحتكر حق الاجتهاد والتفسير والتأويل، وتفرض على المجتمع تصورا دينيا محددا تعتبر مخالفته جرما يعاقب عليه قانون الدولة وستوجب العقاب باعتباره تمردا وخروجا عن الدولة ذاتها، وذلك ترسيخا لفعالية المؤسسات الإيديولوجية للنظام كأداة للهيمنة، بحسب تعبير ميشيل فوكو.

لا جدال بأن الأزمة التي يعانيها الإسلام الرسمي والسياسي في العالم العربي لها أبعاد تاريخية وفلسفية عميقة تتعلق بمسألة الديني والسياسي، إلا أن الجدل المعاصر بحسب طه عبد الرحمن كان يدور بين فريقين أساسيين، الفريق الداعي إلى الربط بين المجالين وهم الإسلاميون، والفريق الداعي إلى الفصل وهم العلمانيون، وهو جدل سياسي في أصل المسألة، فالفريق الأول يريد استثمار الدين في السياسة، والثاني يريد استثمار السياسة بغير دين، الأمر الذي جعل الإسلاميين يضيقون الدين في حدود السلطة والحكم، وجعل العلمانيين ينظرون إليه باعتباره أداة للسلطة والحكم، فبحسب مقاربة طه عبد الرحمن فإن "روح الدين" يأتي كــ"ذكر لما نسيه "العلماني" وعروج إلى ما قعد عنه "الدياني"، فدعاة الربط بين الدين والسياسة قصروا الدين على السلطة والحكم، ما استدعى نوعا من العروج أي الارتفاع إلى أبعد من هذا الجانب نحو شمولية الدين، وأن دعاة الفصل بينهما أنكروا الدين نفسه علاوة على أنهم رأوا فيه أداة للحكم والسلطة فقط، ما استدعى تذكيرهم بأن الدين موجود في كل شيء، وأن الإنكار في حد ذاته دين.

 

 

 

[1]  الدولة المدنية (أو دولة الحكم المدني كما يقول فلاسفة العقد الاجتماعي) هي الدولة كما تمثل في الفكر السياسي الحديث من جانب أول وهي الدولة على النحو الذي يشرع لها الفقه الدستوري المعاصر من جانب ثان. وإذا كان من الطبيعي أن تصرف جهود الباحثين في حقل العلوم السياسية إلى شرح الآليات التي تعمل الدولة الحديثة بموجبها وإلى الكشف عن الضوابط القانونية التي تحكم تلك الدولة وتحدد مسارها, فإن من المنطقي كذلك أن يتجه عمل مؤرخ الفكر إلى إلقاء الأضواء الكاشفة على جملة الشروط الاجتماعية والسياسة والمعرفية -وبالتالي التاريخية- التي جعلت انبثاق هذه الدولة أمرا ممكنا. وتاريخ الفكر يعلمنا أن ولوج أزمنة الحداثة تحقق عبر مسيرة طويلة نسبية حدث بموجبها القطع مع العصور الوسطى في مستويات عدة من المعرفة والوجود والفكر السياسي الحديث، على النحو الذي تجليه فلسفة التعاقد الاجتماعي، ويعبر عنه ظهور مفاهيم جديدة غير مألوفة (أو أنها النقيض المطلق لما كان موجودا في دولة العصور الوسطى) مثل المواطنة، والمساواة في الحقوق والواجبات، والتحالف على أسس منفعية مصلحية واضحة، والقول بآدمية السلطة السياسية، والنضال بكل سبيل ضد السلطة السياسية المطلقة والمقدسة وإقرار مبدأ دوران السلطة، واعتبار الديمقراطية مثلا أعلى في الوجود السياسي. يمكن القول بكيفية إجمالية: إن ميلاد الدولة المدنية أو الدولة -في التصور السياسي الحديث- هو أحد تجليات الحداثة وتعبير عن سيرورة التحديث. انظر: سعيد بنسعيد العلوي، الدولة المدنية وخطاب الحركات الإسلامية، على الرابط: http://www.asharqalarabi.org.uk/markaz/m_abhath-24-05-09.htm

 

[2] جوليان فروند، ما هي السياسة، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ص34.

[3] عبداللطيف الهرماسي ، السلطة والقضايا والمسؤولية في المجال الإسلامي، مجلة التسامح، العدد التاسع، ص87.

[4] جورج بالانديه، لأنتروبولوجيا السياسية، ترجمة جورج أبي صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1986م، ص37-38، 95-96.

[5] طه عبد الرحمن: «روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية» مرجع سابق، ص 188- 190.

[6]  عبد الإله بلقزيز، دور الجماعـة والسلطـة السياسيـة في تَكَوُّن فكرٍ سياسيّ إسلامي، مجلة التسامح، العدد التاسع، ص 65.

[7]  كمال عبد اللطيف، علمانية فرح أنطون، منبر الحوار، بيروت، العدد 38، ربيع 1999م، ص115.

[8] انظر: الإسلام دين العلم والمدنية، محمد عبده، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1989.

[9] علي أومليل: الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985، ص94.

[10] حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس، مجموعة رسائل الإمام الشهيد، الإسكندرية، دار الدعوة، 1992م، ص144.

[11] محمد أركون، العلمنة والدين – الإسلام، المسيحية، الغرب، ت.هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى، 1990.

[12] كمال عبد اللطيف، التأويل والمفارقة نحو تأصيل فلسفي للنظر السياسي العربي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1987، ص94.

 

[13]  الحداثة السياسية في فكر النهضة: علاقة الدين بالدولة، مراد زوين، ص 7.

 

[14]  المسألة الدينية-السياسية بين الدولة الدينية والدولة الدين، عبد الله السيد ولد أباه، مجلة التسامح، على الرابط: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=329

[15] الماوردي، الأحكام السلطانية، المكتبة العصرية 2001، ص13.

[16]  عز الدين العلام، السياسة الإسلامية بين الدين والدولة: ملاحظات أولية، على الرابط: http://www.aljabriabed.net/n15_02allam.htm

[17]محمد أركون: الإسلام، الأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990.

[18] عبد الله العروي: مفهوم الدولة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1980.

 [19] رضوان السيد، الفكر الإسلامي السياسي من السياسة الشرعية إلى الأحكام السلطانية، مجلة التسامح، العدد التاسع، ص 45.

[20] أنظر: عن وسائل وأدوات الشرعية في العصر المملوكي رضوان السيد: "صراع الفقهاء على السلطة والسلطان في العصر المملوكي"، في مقدمة تحقيقه لكتاب: تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في المُلك للطرسوسي. بيروت، دار الطليعة 1992، ص13- 18.

[21] برهان غليون، الدولة والدين، نقد السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1993، ص 6

[22] علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، دراسات ووثائق محمد عمارة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000، ص 145.

[23] علي عبد الرزاق، المصدر نفسه، ص146.

[24] المصدر نفسه، ص146.

[25] المصدر نفسه، ص150.

[26] المصدر نفسه، ص174.

[27] المصدر نفسه، ص182.

[28] عبد المجيد الشرفي، مشكلة الحكم في الفكر الإسلامي الحديث، مجلة الاجتهاد، ص87 العدد14، السنة الرابعة، شتاء 1992، 1412 هجرية، ص87.

[29] عبد المجيد الشرفي: المصدر نفسه، ص91.

[30] هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، ترجمة المنجي الصيادي، بيروت،دار الطليعة،1984، ص 118.

[31] هشام جعيط، المصدر نفسه،ص 118.

[32] هشام جعيط، الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، ترجمة خليل أحمد خليل، بيروت، دار الطليعة،1991، ص 13.

[33] هشام جعيط، أزمة الثقافة الإسلامية، بيروت،دار الطليعة، 2000، ص 11.

[34] عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ص148.

[35] المصدر نفسه، ص157.

[36] ـ محمد عمارة، الدولة الإسلامية، ص14

[37] المصدر نفسه، ص14.

[38] المصدر نفسه، ص176، 177.

[39] برهان غليون، الدين والدولة، ص11، 12.

[40] برهان غليون، الدولة والدين، ص12، 13.

[41] المصدر نفسه، ص458.

[42] راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ، 1993، ص 94.

[43] راشد الغنوشي، المصدر نفسه،ص 93.

[44] الغنوشي، المصدر نفسه، ص93.

[45] محمد أركون، الإسلام، الأخلاق والسياسة، ص45.

[46] محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ص16.

[47] محمد أركون، المصدر السابق، ص60.

[48] عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992، ص 11.

 

[49] رضوان السيد: الجماعة والمجتمع والدولة، ص359

[50] رضوان السيد: المصدر نفسه، ص278، 279.

[51] رضوان السيد، المصدر نفسه، ص412.

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.