wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة الدكتور. محمد تركي بني سلامه

المواطنة والدولة المدنية وسؤال الهوية

د. محمد تركي بني سلامه

جامعة اليرموك

كثر الحديث والنقاش مؤخراً حول موضوعات المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان ومسألة الهوية وعلاقتها بالدولة المدنية في ضوء ما يجري في الوطن العربي من ثورات وانتفاضات ومواجهات متنوعة الأشكال والأسلحة والأهداف والنتائج، ويرافق ذلك غياب رؤية واضحة للنخب الحاكمة الجديدة حول كيفية بناء الدولة الوطنية وإدارتها، وسط مخاوف من أن تكون المرحلة المقبلة أصعب على المجتمعات العربية من المراحل السابقة ولاسيما بالنسبة لفئات معينة في المجتمع مثل النساء والاقليات , بالرغم من أن العنف والقهر والتسلط ومصادرة الحرية وهدر الكرامة كانت السمة البارزة للأنظمة الحاكمة في الوطن قبل ثورات الربيع العربي.

إن سقوط أنظمة الطغيان في العالم العربي لن يقدم حلاً سحرياً لواقع الوطن العربي الذي مارس القطيعة مع الديمقراطية لعقود، فالمجتمعات العربية التي ولدت وتكونت في رحم الاستبداد والقمع والخوف من الطبيعي أن تسود فيها أنماط من الثقافة والتربية تقوم على تكريس الانقياد والخضوع والإذعان وترك الحقوق، وعدم قبول الآخر، ورفض التعايش مع المختلف، وتغليب لغة القوة والعنف على لغة العقل والحوار والمصالح الشخصية على المصلحة الوطنية والاعتبارات العامة، وبالتالي فإنه من الصعوبة البالغة، أن تتصالح هذه المجتمعات مع نفسها وتتحول إلى مجتمعات ديمقراطية بين عشية وضحاها.

والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان مباشرة في هذا السياق هو ما العمل؟ وهل هناك ثمة أمل في نجاح المجتمعات العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي في أن تتمكن هذه المجتمعات من إنشاء دول ديمقراطية عصرية تتحقق فيها أعلى درجات المواطنة، ويتم فيها أيضاً حسم الجدل حول مسألة الهوية في ضوء تعدد الأعراق والطوائف والمذاهب في المجتمع الواحد في كافة دول الوطن العربي تقريباً؟

لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر الهين، ولكن بوسعنا القول إنه لا بد من الاستفادة من تجارب الآخرين الذين سبقونا في هذا المضمار, ولا سيما تلك التجارب التي نجحت نجاحاً باهراً في تأمين حرية الإنسان وحقوقه وإزالة صراعات الطوائف والإثنيات والمذاهب، وطيّ صفحات طويلة من العنف والتحيز وعدم الاستقرار، وخلقت أنماطا جديدة من الثقافة التي تكرس المشاركة وتحمل المسؤولية، وتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية والاستبداد، وفتح آفاق رحبة للحوار والتعايش والتفاهم والتعاون مثل: الهند وجنوب أفريقيا وتركيا على سبيل المثال، فيما لا زال الصراع الدموي وحالة التوحش، وسياسة "فرق تسد" واعتبار الأفراد رعايا لا مواطنين, وغياب العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم , وفقر الثقافة السياسية العربية, وضحالة الوعي السياسي هي العناوين الرئيسية للواقع العربي.

قد يمضي زمن طويل دون أن ندرك أن قضايا المواطنة والهوية والدولة المدنية هي حجر الأساس في بناء الدولة الوطنية الحديثة، وأن القائمين على إدارة المرحلة الانتقالية في الدول العربية يجب أن يعتبروا مثل هذه القضايا على قائمة أولوياتهم، وهنا لا بد من التوقف عند المفاهيم الثلاثة السابقة لاستكشاف جوهرها ودورها في تعزيز الحرية وتحقيق التنمية والأمن والاستقرار للدولة والمجتمع على حد سواء.

أولاً: المواطنة:

إن مفهوم المواطنة مفهوم قديم جداً ويعود إلى أيام اليونان, وهو ببساطة يعني العضوية في مجتمع سياسي مع ما يرتبط بتلك العضوية من حقوق وامتيازات وما يترتب عليها من واجبات والتزامات.  فالمواطنة تعني القدرة على أن تحكم وتحكم وتؤكد مسألة المساواة أمام القانون والمشاركة السياسية الفاعلة.

لقد ارتبط مفهوم المواطنة تاريخياً بميلاد الديمقراطية, فهناك علاقة أصيلة غير طارئة بين مفهومي المواطنة والديمقراطية، فحيثما قام نظام ديمقراطي حقيقي، تعززت وتجذرت وتبلورت المواطنة كقيمة إنسانية وسلوك وممارسة، وبالتالي فإن مفهوم المواطنة اكتسب زخماً كبيراً في المجتمعات الديمقراطية التي سعت الى إيجاد وتطوير بيئة سياسية وثقافية واجتماعية موائمة لإنشاء مجتمع مدني وديمقراطية تعددية.

 لقد نجحت الديمقراطيات الغربية في تحقيق أهدافها في إقامة مجتمع مدني ومواطن حقيقي حر ومشارك في العملية السياسية بفاعلية وحماس، بينما لا تزال مجتمعاتنا العربية عاجزة عن تأمل تجارب الآخرين , وغير قادرة على تأسيس مفهوم للمواطنة متجذر في الأفراد ومنسجم ومتجانس مع الطبيعة التعددية للمجتمع.

 إن تحقيق الوحدة والاندماج في ظل التنوع هو التحدي الأبرز الذي تواجهه الكثير من الدول العربية، فالانقسامات العرقية والغوية والدموية التي تتسم بها المجتمعات العربية يجب أن لا تقف حاجز منيع أمام هذه المجتمعات في تجذير مفهوم المواطنة ولا سيما في هذه المرحلة التي تمثل لحظة فارقة في المشهد السياسي في الوطن العربي بعد هبوب عواصف الربيع العربي، واذا لم يكن النجاح حليفنا هذه المرة وفي هذا الموضوع بالذات وهو موضوع المواطنة فلسوف تتوالى العثرات وسوف تستمر حالة عدم الاستقرار والعجز والصراع لعقود قادمة.

وفي ختام هذا الجزء، يمكن القول إن الخطاب السياسي العربي حول مفهوم المواطنة هو عبارة عن وعود وردية وكلام معسول، بينما نجد الواقع في كثير من الأحيان مريراً، وبالتالي لا بد من ترجمة الأحلام إلى واقع والكلام المعسول إلى إنجازات، فالشعارات الزائفة هي إحدى مشكلات السياسة العربية، ومن المؤكد أن الوطن لا يمكن بناؤه عبر الشعارات والأقوال.

إن تجذير مفهوم المواطنة في المجتمع العربي والدولة العربية لا يأتي بجهد فرد واحد , بل بعمل جماعي مؤسسي ثقافي سياسي علمي وإعلامي، نظري وتربوي، فكري وأدبي بحيث ننتقل من مرحلة الرعايا إلى مرحلة المواطنين، ومع إيماننا بالمواطنة والديمقراطية وقيمها ومؤسساتها، إلا أنه ليس بالإمكان اعتبارها أدوات تعمل آلياً من أجل التنمية والتحديث والتطوير، إن نجاحها مرتبط باستثمار الأفراد للفرص المتاحة للتعبير والمشاركة وتحمل المسؤولية وكذلك الاستعداد الدائم للتضحية ودفع الثمن.

ثانياً: الدولة المدنية:

ما المقصود بمصطلح الدولة المدنية؟ في الفكر السياسي نجد الكثير من الكتابات والأفكار حول مفاهيم مثل الدولة الحديثة أو الدولة الديمقراطية أو نقيضها الدولة التسلطية أو الدولة العلمانية , ولكن لا نجد أي ذكر لمفهوم الدولة المدنية , وهو بالمناسبة مفهوم معقد ويتسع لتفسيرات متعددة وأحياناً متناقضة.

تاريخياً، تعود جذور موضوع الدولة المدنية في الفكر السياسي العربي إلى كتابات محمد عبده، وعلي عبد الرازق، وأديب إسحاق، وغيرهم من المفكرين العرب، ولكن المفهوم ظهر لاحقاً في أدبيات الإخوان المسلمين في مصر في صراعهم مع عبد الناصر أو الحكم العسكري لعبد الناصر، وفي التسعينات طور الإسلاميون في مصر مفهوم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وبعد نجاح ثورات تونس ومصر توقف الإسلاميون عن طرح شعار الإسلام هو الحل والدولة الإسلامية والخلافة الراشدة، وأصبحوا يطرحون شعار الدولة المدنية. والسؤال المطروح الآن هو:  ما الدولة المدنية، وهل تحول الإسلاميون إلى ليبراليين وأزالوا تحفظاتهم على الديمقراطية؟ حقيقة أن مفهوم الدولة المدنية هو مفهوم غامض ومعقد، حيث لا يوجد تعريف واضح للدولة المدنية إلا إذا كانت هي العكس تماماً للدولة العسكرية، فالدولة التي يحكمها العسكر والأجهزة الأمنية هي قطعاً ليست دولة مدنية، والإسلاميون تماماً مثل العلمانيين، يرفضون بشدة إقامة دولة عسكرية، ويرفضون الدور المحوري الذي لا تزال المؤسسة العسكرية تمارسه في الحياة السياسية في معظم البلاد العربية، ويمكن التوسع في الحديث عن مفهوم الدولة المدنية بالقول: إنها أيضاً ليست الدولة التسلطية أو الاستبدادية, والإسلاميون يرفضون الدولة التسلطية حيث ينادون دوماً بحق الأمة في اختيار حكامها وممثليها، وبذلك تصبح الدولة المدنية المقصودة هي الدولة الديمقراطية التي تقوم على أسس ومبادئ ديمقراطية، مثل التعددية والانتخابات والدستور والتداول السلمي للسلطة، هذه الدولة هي في الحقيقة دولة علمانية تقوم على الدستور والقوانين الوضعية وليس على فتاوى رجال الدين، وهي دولة تفصل بين الدين والسياسة وليس بين الدين والمجتمع، وهي دولة المواطنة حيث يتساوى فيها الناس أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين فلا تمييز بين الرجل والمرأة أو المسلم والمسيحي، وبالتالي فهي دولة علمانية ديمقراطية دستورية لا يمارس فيها العسكر دوراً سياسياً، كما لا يمارس رجال الدين نفوذاً سياسياً، والدين يقبل ويحترم ما توفره الديمقراطية من امتيازات مثل حرية المواطنين واستقلالهم وحقهم في سن التشريعات التي تناسبهم , وفي المقابل فإن الدولة تحترم امتيازات الدين ودوره في الحياة العامة، أي إن هناك توافقا وأرضية مشتركة تنظم العلاقة بين الدين والدولة، إذ إن الخلط بينهما يحدث ارتباطا شديدا في مسار الدولة، فالدولة يجب أن لا تنحاز لدين معين لأن ذلك يهدد التعايش السلمي بين المواطنين وبالتالي يعرض أمن ووحدة الدولة والمجتمع للأخطار.

 وبالمجمل يمكن القول فك الارتباط بين السياسة وما عداها، أما فيما يخص الشق الثاني من السؤال المتعلق برفع الإسلاميين تحفظاتهم على الديمقراطية وطرحهم مفهوم الدولة المدنية , فالحقيقة أنه أولاً فيما يخص رؤية الإسلاميين لمفهوم الدولة المدنية فهي غير واضحة تماماً وخصوصاً في قضايا الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والعلاقات الخارجية وقد لا نلومهم على ذلك نظراً لغموض المفهوم أصلاً، وثانياً لأن هذا المفهوم هو أقرب وسيلة لإحداث التوازن المطلوب بين القوى المتنافسة في هذه المرحلة من التحولات السياسية التي تعيشها المنطقة، وعليه فإن مفهوم الدولة المدنية هو أقرب إلى أنه تصور مفروض على الإسلاميين من قبل بعض النخب السياسية والثقافية وجعله الخيار الوحيد أمام الإسلاميين إذا ما أرادوا المشاركة في اللعبة السياسية، وكل حركة إسلامية ترفض قبول مبدأ الدولة المدنية يتم استبعادها من المشاركة في اللعبة السياسية وتصنف على أنها أصولية أو حركة متطرفة أو سلفية أو ربما إرهابية. وهذه جماعات معظمها نشأ داخل السجون لديها خطاب أصولي يعتمد النقل دون العقل ويستحيل معها الحوار , وهي تقصي المخالفين وتعادي الدولة الوطنية وتشعر بضرورة الانتقام , مثل جماعات الجهاد والتكفير والهجرة وداعش والنصرة هذه الأيام.

إن المناداة بدولة مدنية أمر مقبول وإن كانت في جوهرها دولة علمانية ولكن كلمة علمانية لها دلالات سلبية في المجتمعات العربية نظراً لتعرض مفهوم العلمانية إلى تحريف وتشويه , لدرجة أن البعض يعتقد أن كلمة علماني معناها ضد الدين أو حتى الإلحاد، وبالتالي أصبحت العلمانية شبهة في الفكر العربي,  فما زال الفكر العربي رافضا لمفهوم العلمانية، لأن الدين جزء أساسي من هوية هذا المجتمع , ويلعب دورا كبيرا في حياة الأفراد، علماً أنه حتى غلاة العلمانيين في الوطن العربي مثل أديب إسحاق لم يكونوا ضد الدين في ذاته وإنما ضد رجال الدين، ويدعون إلى تحكيم العقل ومناقشة الأفكار السائدة في المجتمع وتنقيتها، وبخاصة الأفكار التي لم تكن تتفق في كثير من الأحيان مع جوهر الدين.

الحقيقة أن الإسلاميين بالرغم من تبنيهم لمقولة الدولة المدنية إلا أنهم ما زالوا يرفضون فكرة المساواة بين الرجل والمرأة والحرية المطلقة للاعتقاد، والتسليم باختيارات الشعب , وبالتالي يرون أن المرجعية في قضايا الدولة والأمة هي للدين وليس لخيارات الشعب.

وبالمجمل فإن مفاهيم الدولة المدنية والدولة العلمانية تبقى مجالات رحبة للسجال والنقاش والتوتر بين الإسلاميين والعلمانيين في ظل غياب ثقافة التوافق والبحث عن أرضية مشتركة، فخطوط الصدع بين المعاني المختلفة للدولة المدنية تشير إلى التصدعات والانشقاقات والاستقطابات بين القوى والرؤى المتصارعة والمتنافسة لقيادة الدولة والجتمع، فالإجماع الوطني بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة أمر لا يمكن أن يتحقق نتيجة عجز الفاعلين عن تسيير الخلافات وفض النزاعات وتجسير الهوة، إن الخروج من هذا المأزق يستلزم أن يكون هناك توافقات الحد الأدنى على ثوابت محددة مثل الدستور والبرلمان والأحزاب السياسية , واستبعاد العسكر من التدخل في السياسة وعدم تحييد الدين بشكل سافر, وهذا يستلزم حوارا جادا وصريحا بين كل أطراف اللعبة السياسية من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة بعيداً عن المفاهيم الغامضة مثل الدولة المدنية التي لا وجود لها إلا في عقول البعض.

أما الدولة التي ننشدها فهي الدولة الديمقراطية ومجتمعها المدني، هذه الدولة لا تقوم ولا تكون إلا إذا اتسعت لجميع التيارات والأحزاب والفئات.  أما هوية مجتمعها فهي الوحدة والاختلاف والتعدد والتعارض، فالمجتمعات العربية لا يحكمها التجانس ولا توحدها عقيدة ايديولوجية شمولية أو الدولة الوطنية الحديثة أو كما قال رفاعة الطهطاوي: "فليكن هذا الوطن مكاناً لسعادتنا أجمعين نبنيه بالحرية والفكر والمصنع"، فهي دولة حديثة تقوم على حرية الفكر والنظام البرلماني والدستور والتعددية  الحزبية، والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين والتنمية في شتى مجالات الحياة، إنها دولة المؤسسات القانونية والتنظيمات الحرة والمواطنة الكريمة.

ثالثاً: سؤال الهوية:

في البداية، لا بدَّ من تحديد مفهوم الهوية الوطنية وذلك من أجل طرح موضوعي بعيد عن المؤثرات الأيدولوجية، لا سيما أن مفهوم الهوية الوطنية، مفهوم حساس، ومُثير للجدل والاختلاف في ظل سياقات معرفية، ومفاهيمية متعددة، ويزداد حساسية وتعقيداً في ظل الحالة العربية، حيث الصراع بين الهوية ومشاعر الانتماء، وتعدد الولاءات أو غياب الولاء السياسي الموحد، وهو ما يعكس أزمة الهوية، فإذا فقدت الهوية فلا وجود للانتماء أو الولاء أو الهدف أو الرؤية.

الهوية الوطنية هي ببساطة "شعور الفرد بالخصوصية أو التميّز نتيجة الانتماء إلى دولة واحدة أو أمة واحدة"، أو مجتمع واحد أو وطن واحد، هذه الخصوصية أو التميّز تشكل جوهر وجود الفرد وشخصيته المتميّزة، ولا شك أنَّ انتماء الفرد إلى دولة واحدة يعني وجود دول أخرى، مثلما انتماؤه إلى جماعة، أو أمة يعني ضمنياً وجود جماعات، أو أمم أخرى، والهوية الوطنية ليست سمة فطرية، وإنما مكتسبة، فالفرد يوجد في مجتمع ما، ثم يكتسب هويته بحرية تامة، وذلك بوجود عناصر مشتركة في الحياة اليومية لذلك المجتمع، ذات أبعاد حضارية وفكرية وسياسية، مثل: اللغة، والتاريخ، والثقافة، والمصير الواحد، وروابط الدم، والرموز الوطنية، والإعلام، والأناشيد، والزي الوطني، والتراث الشعبي... إلخ.  وبالتالي فهي نتاج ثقافي اجتماعي تاريخي عام. واعتماداً على الأبعاد السابقة، فإن الهوية الوطنية تبقى في حالة حركة مستمرة، وعادة ما تتفاعل وتقوّى عندما يتعرض أفرادها إلى خطر داخلي أو خارجي، مثل: تهديد عسكري، أو أزمة اقتصادية أو كارثة طبيعية، حيث يسعى الأفراد إلى التوحّد من أجل تحقيق الحماية المتبادلة في مواجهة الخطر، أو التهديد المشترك.

ولذلك تلعب الهوية الوطنية دوراً بارزاً في تعزيز الوحدة الوطنية، وإرساء دعائمها على أسس متينة وراسخة، فتمنح أبناءها الشعور بالأمن والطمأنينة والاستقرار، فالهوية الوطنية عامل توحيد توفّر فرصة حقيقية للمجتمع لتحقيق التكامل والاندماج الوطني، مما يعزّز فرص المجتمع في التقدم والازدهار، وتحقيق العيش المشترك، من أجل حياة إنسانية حرّة كريمة لأبناء الهوية الواحدة، وتحقيق التكامل والاستقرار في المجتمع، وزيادة حجم مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، وأساس راسخ لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة.

وعلى النقيض تماماً، فإن انقسام وصراع الهويات، يُلحق أفدح الأضرار بالدولة والمجتمع على حد سواء، ويقف عائقاً أمام الاستقرار والتقدم، ويعيق بناء الدولة وقيامها بوظائفها في التنمية، وتحقيق الأمن وضمان القانون، والنظام، وبفشل الدولة تفقد مبررات وجودها.

إن مسألة الهوية الوطنية تحظى باهتمام كبير في العالم اليوم، ففي مختلف أنحاء العالم يتساءل الناس عن خصائصهم المشتركة، وما الذي يميزهم عن غيرهم، وبشكل عام يتساءلوا: من نحن؟ ولمن ننتمي ؟ حتى أن أستاذ العلوم السياسية الأمريكي الاشهر صموئيل هنتنجتون أشار إلى وجود أزمة هوية عالمية.

وفي العالم العربي، فشلت الدولة في تحقيق الاندماج، وتوحيد مشاعر انتماء المواطنين لها كهوية وطنية جامعة لهم، وضامنة لمصالحهم، فأزمة الهوية الواحدة من أبرز الأزمات التي تعاني منها معظم الدول العربية، بحيث أصبحت الهوية الوطنية في ظل صراع الهويات القبلية والمذهبية والطائفية والقطرية، وسيلة للصراع والانقسام، وربما الحرب الأهلية.

لقد فشلت الدول العربية في  خلق هوية وطنية جامعة لمواطنيها، فالهوية الوطنية مأزق

 حقيقي واجه كافة الدول العربية منذ الاستقلال حتى اليوم، لدرجة يمكن القول أنه تقريباً

ليس هناك هوية وطنية بالمعنى الحقيقي المتعارف عليه، الأمر الذي يستدعي إعادة بناء

الهوية الوطنية  لكافة الدول العربية على أسس ثابتة وواضحة لمنع تفككها، ولتسهيل

 عملية الاندماج الاجتماعي وبناء هوية وطنية نهائية، والتي بدونها يسود الانقسام

والصراع في المجتمع، فلا مستقبل للدول العربية ما لم يتم التأسيس لهوية وطنية مقبولة

ومرغوبة من قبل الجميع، بما يضمن وحدة الدولة وأمن المجتمع.

لا شك أن أزمة الهوية الوطنية هو تعبير عن معضلات أخرى في كيان الدولة، فأزمة الهوية دليل على ضعف مستويات الاندماج الوطني، وضعف مستوى المشاركة السياسية، وضعف الشعور الوطني، وغياب التعاون، واستجلاب الصراع، وفي ظروف كهذه يصبح الحديث عن الهوية الوطنية الجامعة لغواً، وذلك لضعف وهشاشة مكوناتها.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.