wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
هؤلاء صبيانهم
حميد بن خيبش

تطرح العلاقات الأسرية جملة من المشاكل التي تُعرض حياة الأبناء لهزات نفسية تؤثر سلباً على اندماجهم في محيطهم الاجتماعي و تفاعلهم الإيجابي مع مكوناته . ولعل أهمها الصدام الناشيء عن  حرص بعض الآباء على الانفراد بتحديد المسار الذي يتوخونه لأبنائهم ، سواء ما تعلق بالدراسة ، أو الحياة العملية . فالخوف من المستقبل ، و الشعور المتزايد بعدم الثقة تجاه ما تبديه الحكومات من وعود و تطمينات ، يستحث الأسر للمسارعة بضمان مقعد للأبناء في سوق الشغل بشتى الوسائل ، حتى لو تطلب الأمر الوقوع في الحرام، واقتراف المعاصي .

إننا نتابع اليوم ، بالكثير من الحسرة . سعي الآباء الجارف لتمكين أبنائهم من اجتياز امتحان ما أو الحصول على وظيفة ، أو شهادة عليا بأساليب ملتوية قوامها المحسوبية و الرشوة و ردم كل معايير المساواة و الكفاءة و الاستحقاق .

كما تطالعنا وسائل الإعلام بين الفينة و الأخرى بوقائع و أحداث ترخي بظلال قاتمة على مستقبل الأسرة المسلمة ؛ فحين ينفرد الأب بالتخطيط للمستقبل المهني لابنه رغماً عن أنفه ، و حين يسعى آخر لتوريث منصبه أو وظيفته أو حرفته دون أن يولي اعتباراً لما يطمح إليه الابن أو تصبو إليه الأبنة ، فإنما يبذر في الحقيقة أسباب قطيعة محتملة أو عقوق أو جفاء ، إذ المفروض في الوالدين- بحسب منطوق النص القرآني ومفهومه -  أن يأخذا فقط بأسباب التوجيه - و أن يقوما بما أوجب الله عليهما من تنشئة صالحة ، و تربية قويمة ، و تلقين للأحكام ، والعادات السليمة و القيم ، حتى إذا استوى بنيان الابن و اشتد عوده ، و اكتمل نضجه الفكري و السلوكي وجب عليهما أن يُحرراه من سطوتهما ، و يحملاه على تدبير أمر معاشه ،بما يتوافق و رغباته ، وأن يكتفيا بالمشورة التي لا يستغني عنها عاقل .

وقد بيّن الحق سبحانه و تعالى أن مشيئته جرت بما لا يتفق ومراد كثير من الآباء ، فقال تعالى في شأن إبراهيم وإسحاق عليهما السلام :( ومن ذريتهما محسن و ظالم لنفسه مبين ) – الصافات : 113 ، كما و حذر من الحب الذي يبلغ حد الافتتان و يفضي إلى المعصية ،فقال تعالى: ( إنما أموالكم و أولادكم فتنة ) – التغابن : 15 –

وهو ما  تنبه له السلف الصالح ؛ فكان من دعائهم .( ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ) الفرقان : 74 .

قال الفروي : كنا نجلس عند مالك بن أنس و ابنه يحيى يدخل و يخرج و لا يقعد، فيقبل علينا و يقول : إن مما يُهون علي أن هذا الشأن – أي العلم – لا يورث ، و أن أحداً لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم . أما ابنه الثاني محمد فكان يحضر مجلس أبيه يلعب بطائر له ، و قد أرخى سراويله عليه . فيلتفت مالك إلى أصحابه ويقول : إنما الأدب أدب الله ، وهذا ابني وهذه ابنتي . وقد كانت له بنت تحفظ الموطأ ، و تحضر مجلس أبيها من وراء باب ، فإذا غلط قاريء نقرت الباب نقراً خفيفا فيفطن مالك و يصحح له !

أما الحافظ ابن الجوزي فكان مفخرة العراق، الذي قال فيه الحافظ ابن رجب :" إن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير ، و لم يُسمع بمثلها . وكانت عظيمة النفع ، يتذكر بها الغافلون ، و يتعلم منها الجاهلون ، و يتوب فيها المذنبون ، و يسلم فيها المشركون " فقد كان له ابن يقال له أبو القاسم بدر الدين ، سار في مبتدأ صباه على خطى والده حتى أنه اشتغل بالوعظ زمناً ثم تركه ، لكنه سرعان ما مال إلى اللهو والخلاعة ، و مصاحبة المفسدين . فما كان من ابن الجوزي إلا أن ألف رسالة نفيسة سماها " لفتة الكبد إلى نصيحة الولد " وضمنها نصائح بالغة الحدب ، والإشفاق ، و العتاب لفلذة كبده الذي توانى عن طلب العلم ، و اتخذ سبيل المعصية .

  إن القاريء لهذه الرسالة يأسره ما يتردد بين سطورها من معاني الحب الأبوي الخالص ، ومن نبضات قلب يتحرق شوقا لرجوع ابن عن غيه و ضلاله . و يبدو أن الرسالة لم تحقق مرادها إذ بلغ من عقوق هذا الابن لأبيه أنه , في زمن المحنة التي ابتلي بها أيام الخليفة الناصر كان سيفاً عليه ونكبة موجعة ، إذ سطا على كتب أبيه و مصنفاته وباعها بثمن بخس لا يساوي المداد الذي حُبّرت به .

ولما مرض الإمام العز بن عبد السلام وعجز عن مواصلة التدريس بالمدرسة الصالحية ، أرسل له السلطان الظاهر بيبرس قائلا : عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك ، فقال : " ما فيهم من يصلح ، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين " ففُوضت إليه ! وهذا يدل على عدالة الإمام العز ، و إيثاره الحق على مصلحة أبنائه رغم أن أحدهم ؛ وهو عبد اللطيف تتلمذ على يديه ،وتميز في الفقه والأصول.

و بالمقابل نجد من أئمة السلف وعلمائهم من حرص على أن ينال أبناؤه قسطاً وافراً من العلم ، وأن يهتبلوا كل الفرص للاغتراف من معينه ، دون أن يحمله التعلق الزائد بهم على توريثهم مجلسه أومنصبه . فقد كان لأولاد الحافظ الذهبي حظ من العلم ، واشتهر بعضهم حتى طلبه أعيان العلماء،و يعود الفضل في ذلك للأب الذي اعتنى بتعليمهم ، و تدريبهم ،و إحضارهم معه مجالس العلماء ، أو بالقراءة عليهم، والتصنيف لهم ،وإجازتهم .

و عُرف للشافعي ولدان أحدهما محمد أبو عثمان الذي ولي قضاء الجزيرة و حلب ، وكان الإمام  أحمد بن حنبل يقول له : إني لأحبك لثلاث خلال : أنك ابن أبي عبد الله ، و أنك رجل من قريش ، وأنك من أهل السنة .

كما تفرق الطب و الفقه في أولاد ابن رشد الفيلسوف و نبغوا فيهما ؛ حتى ولي بعضهم القضاء في الأندلس ، و صار ابنه الثاني عبد الله طبيبا للخليفة الناصر الموحدي .

إن مما يسترعي الانتباه في علاقة السلف الصالح بالأبناء هو حرصهم على انتظام جهدهم الفردي في عقد المجتمع المسلم ؛ بمعنى الأخذ بأسباب التربية و التهذيب ، و تمتين البناء القيمي و المعرفي دون انفلات عن المفاهيم الإسلامية التي يتوجب على الفرد أن يكون صدى ذاتياً لها على مستوى التصور و الممارسة .

 و قد يقول قائل أن النماذج الواردة أعلاه تبدو مثالية إذا قيست بحجم التردي و أشكال الانحراف التي يضج بها المجتمع المعاصر.و لكن الحقيقة أنها نماذج بشرية واقعية، و قابلة للتحقق، فكما استجابت النفوس لما يسميه الأستاذ محمد قطب رحمه الله ب "هاتف الصعود" ؛ أي تلك المقدرة والطاقة التي أودعها الله في الفطرة البشرية، ووكل بها ترقية الحياة الإنسانية و الصعود بها إلى الأمام ؛ مما يجعل كل مسلم ملزماً ببلوغ حدود الكمال الممكن له بحسب استعداداته ، و طاقاته ،واتجاهاته (1)

وفي كتابهما المفيد و الملهم " كيف يُنشيء الآباء الأكفاء أبناء عظاماً " يستعرض كل من الدكتور آلان و روبرت ديفيدسون ستة قواعد رئيسية تشكل تربية ناجحة للطفل وهي : التواصل ، و التهذيب ،و تشجيع التطور الفكري ، وغرس احترام الذات ، و تعليم القيم , و تنمية المهارات الاجتماعية .

ولذا يؤكدان - بعد استعراض قائمة طويلة من الشهادات و اللقاءات مع خبراء حقيقيين - على أن جوهر التربية الناجحة ليس هو إعداد الأطفال ليصبحوا تلاميذ متفوقين دراسياً فقط ؛ و لكن ليصبحوا أيضاً أبناء ذوي شأن ، يمتلكون الثقة بالنفس، و الحب الحقيقي للحياة ، و يتميزون بكونهم اجتماعيين وودودين، و مستمتعين باكتساب الخبرات وأسوياء بصورة رائعة .

 و هي المقومات ذاتها التي ينهض عليها المنهج التربوي الإسلامي مع الفرق الواضح في المرامي و الغايات،إنها مقومات تحدد الإطار الذي يتحرك بداخله الآباء في علاقتهم بالأبناء حتى لا ينقلب المسعى النبيل إلى كارثة .

   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - محمد قطب : منهج التربية الإسلامية ص 237. ج1 . دار الشروق . القاهرة 1993 . 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.