
عرف بعض العلماء التربية بأنها الحياة، أو الإعداد لهذه الحياة. وينظر إلى التربية بأنها : عملية تشكيل وإعداد أفراد في مجتمع ما ، في زمان ومكان معينين ، بهدف إكسابهم المهارات والقيم والاتجاهات وأنماط السلوك المختلفة التي تيسر عملية التعامل مع البيئة الاجتماعية التي ينشأون فيها، ومع البيئة المادية (1).
والتربية الإسلامية هي : إطاراً فكرياً ونظاماً متكاملاً يتناول التربية في أسسها النظرية وطرائقها العملية من وجهة نظر الإسلام ، فهي عملية تنمية المواهب بشكل متزن وبصورة تنسجم مع إعداد الشخصية المسلمة العابدة التي تتجه بكل علمها وعملها وخلقها نحو الله سبحانه وتعالى (2) .
فالتربية في الإسلام تهتم بالفرد منذ طفولته المبكرة وذلك بالحفاظ على فطرته السليمة التي خلقه الله تعالى عليها، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } الروم ( آية 30 ) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ ، فأبواه يُهَوِّدانِه ، أو يُنَصِّرانِه ، أو يُمَجِّسانِه"(3) .
بالاضافة الى تنمية مواهبه واستعداداته بصقلها ، واكسابه المهارات والخبرات المختلفة التي تزخر بها الحياة وتوجيه ذلك كله بشكل تدريجي لصياغة كيان الإنسان وفق منهج القرآن والسنة النبوية الشريفة حتى يتمكن من القيام بالتكاليف الشرعية وتحمل مسؤولية عمارة الأرض وحمايتها من الفساد لتحقيق خلافته عن الله فيها . قال تعالى : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } البقرة: (آية30 )
والغاية من ذلك كله عبادة الله سبحانه وتعالى ،والحصول على رضاه قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات (آية 56 ).
فالتربية في الإسلام تقوم على استثمار للفطرة السليمة التي فطر الله الإنسان عليها ، وغرس للقيم الإسلامية العليا ، والأخلاق الكريمة التي تنمي الفطرة السليمة في النفس الإنسانية ، فهي تدعو إلى العدل وإزالة الظلم ، والمساواة ، وإطلاق الحريات ، والإخاء ، والتعاون ، وعدم الاستغلال، وتحريم الربا ، وعدم الغش، والابتعاد عن الفتنة والنميمة ، وتأمر بالصدق والأمانة ، وتنهى عن الكذب ، والابتعاد عن شهادة الزور ، وتدعو إلى التماسك والوحدة ، وتنهى عن الاختلاف والفرقة ، وتأمر بالإخلاص وإتقان العمل ، وتعمل على إكساب الفرد خبرات ومهارات تنمي شخصيته ، وتصقل مواهبه بما يعود عليه وعلى المجتمع بالنفع.
وتعد التربية الإسلامية الوسيلة المثلى في توضيح وإرساء دعائم العقيدة والمثل والقيم في نفوس أبناء المجتمع وفق الإطار الفكري العام للنهج الإسلامي ، وما يرافق ذلك من إعداد جميع أبناء المجتمع أفراداً وجماعات ، لحشد طاقاتهم التربوية والعلمية وفق قدراتهم الفردية والجماعية ، بما يتناسب مع معطيات العصر الحضارية الذي يعيشونه ، لتحقيق الأهداف الفردية و الجماعية التي ينشدها أفراد المجتمع الإسلامي وفق تعاليم الإسلام السمحة (4).
والتأصيل الإسلامي للعلوم التربوية يعني عودة المسلمين إلى المنابع الإسلامية الأصيلة في تلك العلوم ، وهذه المنابع الأصيلة هي :القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ؛ أي تأسيس هذه العلوم على ما يلائمها في الشريعة الإسلامية من أدلة بعينها أو قواعد كلية أو اجتهادات مبنية عليها ، وبذلك تستمد العلوم التربوية أسسها ومنطقاتها من الشريعة السمحاء ، ولا تتعارض في تحليلاتها ونتائجها و تطبيقاتها مع الأحكام الشرعية ، فمن المسلم به أن كثيراً من هذه العلوم المعاصرة من نتائج الغرب الذي يختلف في الكثير من مبادئه وأفكاره وعقائده مع المبادئ والأفكار والعقيدة الإسلامية ، وبناءً على ذلك تقوم فكرة التأصيل أساساً على أن للمسلمين نظرتهم الخاصة إلى الإنسان وحياته وآفاقه وأهداف وجوده ، وهذه النظرة مخالفة لما تراها النظريات الغربية للإنسان ، مع أن هذا لا يمنع من الاستفادة مما توصل إليه العلماء غير المسلمين من نتائج و نظريات وآراء لا تتعارض مع الأسس الإسلامية فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها .
وعليه فلا بد من وضع تصور إسلامي متكامل عن الإنسان والمجتمع والثقافة ، بحيث يمثل ذلك التصور الإطار الفكري العام لدراسة القضايا والموضوعات المطروحة ، في مجال العلوم التربوية سواءً استندت إلى أصول شرعية أم كانت قضايا تقريرية حضارية مستخدمة تتعلق بسلوك الإنسان ومجتمعه وثقافته وتحتاج إلى تقويمها في ضوء المنهج الإسلامي.
الهوامش
1-الاسس الاجتماعية ،محمد لبيب ،1987،ص18
2-التربية الاسلامية ،سليمان الحقيل،1991 ،ص5-6
3-صحيح البخاري ،حديث رقم(1385)
4-معالم في الفكر التربوي للمجتمع الإسلامي ،حسن الحياري،2000،ص370-371
ابحث
أضف تعليقاً