wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
نحو بلورة معاصرة للعلاقة بين الإسلام والآخر

نحو بلورة معاصرة للعلاقـة بين الإسلام والآخر 

أ.د جعفر عبد السلام

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية

 

مقدمة:
في الدراسات التي قامت بها رابطة الجامعات الإسلامية عن التحديات التي تواجه الأمة في القرن المقبل، تعرضت للتحديات الحضارية والسياسية والاقتصادية والعلمية والقانونية والإعلامية والتربوية التي ستواجه العالم الإسلامي في القرن الذي نعيش فيه، وقدمت العديد من الدراسات والبحوث من قبل علماء الجامعات، نُشرت في كتاب يحمل نفس الاسم، وصدر إعلان عمان من جامعة آل البيت في الأردن الشقيق بمناسبة انعقاد المؤتمر السادس للرابطة هناك عام 1999م متضمناً فكر الجامعات الأعضاء في مواجهة التحديات، وكان أول ما عبر عنه البيان هو الآتي:
أولاً : أجمعت الدراسات التي أجرتها الرابطة على أن الأمة الإسلامية ستواجه خلال القرن الميلادي المقبل، تحديات كبيرة ومشكلات جمة تحتاج إلى المواجهة الشاملة وبذل أقصى الجهود الممكنة، من الأفراد والحكومات والمؤسسات العلمية وأجهزة الإعلام وأجهزة الخدمات الاجتماعية والجمعيات والمؤسسات دون حصر، حيث تمثل مواجهة هذه التحديات قضية حياة أو موت لأمتنا، وهنا نذكر أبناء أمتنا بضرورة العودة إلى الأخوة الإسلامية بديلاً لواقعهم المتناقض: {{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصل حُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}}(الحجرات:10)، والعودة إلى الاعتصام بحبل الله تعالى: {{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جميعاً وَلا تَفَرَّقُوا ...}}(آل عمران:103)، والعودة إلى جوهر رسالة المسلمين تجاه العالم: {{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}}(البقرة:143).
ثانياً : اتفقت الآراء على أن العوامل الرئيسية للتحدي تقوم على المنافسة الشديدة التي بدأت بين القوى الرئيسية في العالم على كسب مناطق النفوذ والسيطرة على العالم، والاستفادة من كافة المزايا النسبية التي كفلها التقدم العلمى لها، واتخاذ آليات جديدة ووسائل مستحدثة لهذه السيطرة.
وفي إطار هذا الوضع فإن التحديات التي ترتبط به هى: تحدي العولمة، وما تمثله من مرحلة تحاول هذه القوى الرئيسية أن تفرض قيمها وسياساتها وأسلوب حياتها على غيرها، وتحدي التقدم العلمي، وهو الأداة الرئيسية التي مكنت هذه القوى من التفوق، وتحدي فرض الإرادة السياسية على العالم من خلال المنظمات الدولية، وتحدي الهيمنة الاقتصادية من خلال المنظمات الاقتصادية الرئيسية، ومن خلال السيطرة الهائلة على الأسواق والتجارة الدولية بواسطة الشركات متعددة الجنسيات، ومن خلال الاتفاقات الاقتصادية ذات الطابع العالمي، مثل اتفاقية الجات التي تستهدف إزالة القيود على التجارة والتخلص من أدوات ووسائل الحماية، وفرض المنافسة الشديدة واقتضاء ثمن غال ما ينتج فيها من ملكية فكرية، وبوسائل أخرى عديدة، وكذلك تحدي العولمة الفكرية والثقافية والحضارية، وهو تحد يستهدف الإنسان المعاصر ويحاول إعادة تشكيله بإفراغه مما يؤمن به من عقيدة وثوابت ومما أكتسبه من ممارسة حضارات قامت على القيم واحترمت كرامة الإنسان، وابتعت الوحي الإلهي الذي يصل بين الإنسان وخالقه ويربط بين الدنيا والآخرة.
ثالثاً : اتفقت الدراسات على أن الأمة الإسلامية وشعوبها وهى تمثل خمس سكان العالم وتنتشر في كل القارات، لا تفعل ما هو مطلوب منها لمواجهة هذه التحديات، وهى تبدو في مواجهة التفوق العلمي والتكنولوجي والمعلومات للمجتمع الدولي متخلفة، وفي مواجهة العولمة ضعيفة البنية، وفي مواجهة محاولات الهيمنة والتهميش خاضعة مستكينة، ومستهدفة بمعظم ما تقرره المنظمات الدولية.
رابعاً : اتفق العلماء على أن الحلول الرئيسية لهذا الوضع المتدني تتمثل في العودة للإسلام، وفي التمسك بالكتاب والسنة وتطبيق أحكام الشريعة في حياة الأمة، فما كان لهذه الأمة من وجود وما كان لها من مكانة إلا حين تمسكت بإسلامها، وما ضعفت ولا استكانت إلا بنسيان نفسها وأهمال عقيدتها وشريعتها وتقليد غيرها دون تبصر.
وقد أدت الأحداث التي جرت بعد 11 سبتمبر إلى وضع المسلمين بل والإسلام نفسه في دائرة الاتهام، ورأينا الولايات المتحدة والدول الغربية، والصهيونية العالمية تقوم بدور جديد بالنسبة للمسلمين، نتيجة للتنظيرات التي سمعناها، والتي تطرق أسماعنا كل يوم في هذه الأيام بالذات.
اعتبر الغرب أن هناك منابع للفكر الديني المتطرف الذي يتبناه من يتحدى الدولة الكبرى وإرادتها وهيمنتها على العالم. إذن فدعاوى تجفيف المنابع، والقضاء على التطرف من أصوله المتمثلة في كثير من الآيات والأحاديث والإطار الثابت للفكر والفقه الإسلامي الذي اجتهد المسلمون في وضعه على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، هو ما يواجهه المسلمون بحدة الان.
والواقع أن خطة الولايات المتحدة في "أمركة الإسلام" إن صح هذا التعبير لن تفلح، وأعتقد أنها ستفشل فيها؟ ولا يمكن أن يحسب نجاحها في القضاء على الاتحاد السوفيتي سابقاً أن سيفيد في القضاء على منابع الفكر الإسلام، لأن هذه التجربة شكك فيها كثير من كُتّاب الغرب، وقرروا أن الاتحاد السوفيتي كان مفككاً من الداخل، وحجب ظهور هذا التشكك الستار الحديدي الذي كان يفرضه على نفسه، وأن الضربات الأمريكية وجهت إلى جثة هامدة.
والواقع أن الإسلام ليس ضد الغرب، والمسلمون كذلك لا يكنون للغرب كراهية ما، أي أن القضية ليست خلافات حضارية كما روَّج لذلك مفكرون غربيون صهيونيون في الغالب، وإنما القضية خلافات سياسية وخلافات مصالح.
لذلك تحاول هذه الورقة أن تُعطي رؤية علمية لطبيعة الخلاف بين المسلمين والغرب من ناحية، وكيف يمكن استبدال العلاقات المتوترة بين الإسلام والغرب الان بعلاقات جيدة.
إن هذه الرؤية تنطلق من روح الإسلام أولاً، ومن التنظير الجديد للعلاقات الدولية وما يجب أن تكون عليه ثانياً.
لذا قسمنا بحثنا إلى قسمين، نتناول في القسم الأول منها طبيعة الخلاف بين الإسلام والغرب وهل هو خلاف حضاري، أم أنه خلاف مصالح أساساً ؟ ثم نتناول تأصيلاً فكرياً لعلاقة سوية بين الإسلام والغرب في القسم الثاني.

القسم الأول : أساس الخلاف بين المسلمين والغرب
يعتقد بعض المفكرين في الغرب أن أساس الصراع بين الإسلام والغرب هو في الأساس صراع حضاري بسبب تعاليم الكتاب والسنة لدى المسلمين، فالإسلام يفرض على المسلمين جهاد غير المسلمين، ورفع السيف لقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ويأخذ هذا الفكر من آيات عديدة وأحاديث كثيرة، ومن واقع المسلمين وحروبهم. بل يتمادى مفكرون غربيون في الانسياق وراء هذه الفكرة ليأكدّوا أن بعض ما ذكر في القرآن الكريم من آيات تقرر حرية العقيدة مثل قوله تعالى: {{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ}}(البقرة:256) قد نسخت بآيات تحضّ على الحرب مثل قوله تعالى: {{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ}}(التوبة:36).
والواقع أن الردّ على هذه المزاعم سهل، وتعاليم الإسلام الصحيحة ليست على هذا الطرح على الإطلاق، بل العكس صحيح، فالسلام هو الأصل  في العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وتنظير أفكارهم تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، إنما كان تقسيماً واقعياً يصف ما كان من قريش تجاه الإسلام ونبيه ومحاولاتهم العديدة ليخرجوه أو يقتلوه، ثم كانت مؤامرة التخلص منه والتي أنجاه الله تعالى  منها بالهجرة إلى المدينة، لذا فإن الفقه التقليدي حول تقسيم الديار يأخذ في اعتباره هذه الحالة ويقرر أن العدو إن كف عن عدوانه، وتمّ الصلح بينه وبين المسلمين، انقلبت دياره إلى دار عهد أو صلح. 
إما موقف الغرب من الإسلام فقد قام على الكراهية والتعصب، ولا نريد أن نتعمق في التاريخ لكي نظهر هذه الحقيقة التي لا ينكرها المنصفون من مفكري الغرب أنفسهم، وقد جاءت هذه الكراهية بسبب تفوق المسلمين عندما قاموا ينشرون تعاليم الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ولإحساس الغرب دائماً أنه أفضل من غيره وأنه المتميز "فكرة الجنس الآري"، وأن غيره غير متمدينين.
غذت هذه الأفكار روح الأوروبيين الذين قادوا الحروب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين في العصور الوسطى، كما دفعتهم دفعاً إلى استعمار العالم تحت دعاوى غريبة كدعوى تمسيح البرابرة، وإحلال بركات التمدن الأوروبى على العالم. بل في تصور "مونتسكييه" فيلسوف الثورة الفرنسية والداعى إلى تحقيق الحريات لكل الناس "إن هذه الأجسام –يقصد الزنوج– شديدة السواد من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ولا شك أن روح الله تعالى  –وهي روح خيرة تكره الشر– لا يمكن أن تحل بأجسام بهذا السواد".
ولا شك أنه مما دحض فكرة صراع الحضارات، تلك الحروب الدامية التي جرت في داخل أوروبا "الحربين العالميتين الأولى والثانية"، والتي قامت بسبب التنافس الاقتصادي بين دول أوروبا القوية والصراع على التقدم والأولوية والصدارة على العالم، وهي حروب وصراعات جرت بين من ينتمون إلى حضارة واحدة هي الحضارة الغربية.
كما أن الإختلاف الأيديولوجي الحاد بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وما أعقبته من صراعات في فترة الحرب الباردة، قد قام أساساً بين دول تنتمي إلى الحضارة الغربية، مما يوضح أن الصراعات تتصل بالخلاف حول المصالح، وليس لها صلة بالخلاف الحضاري.

التنظير الغربي للصراع الحضاري:
رغم قناعتي التامة بأن ما بين الإسلام والغرب ليس صراعاً حضارياً، إلا أن مناقشة الأطروحات الغربية بهذا الخصوص ضرورية لفهم ما يدور حولنا الآن من اتهامات، ومن محاولات للاحتواء بل للتغيير كما ذكرنا تحت مسمى تجفيف المنابع، تلك المحاولات التي بدأت تتجه إلى أصول الدين الإسلامي، ومناهج الدراسة، لاستبعاد كل ما يراه الغرب مكوناً لشخصية إسلامية معادية له، ولمصالحه ولفكره وهيمنته، وقد بدأت أوروبا عمليات التنظير الأولى في مدارس فكرية عديدة، بعضها لم يكن معادياً للإسلام، مثل توينبي، ولكن الكتابات الأمريكية الفكرية والسياسية وظفت هذه الأفكار في أطروحات نظرية عديدة، حيث كلفت الحكومة الأمريكية بعض المفكرين فيها بتنظير طبيعة العلاقات الأمريكية مع القوى السياسية القائمة، ووضع لها أكثر من مفكر رؤيته في هذا الصدد.
وتوالت الكتابات الأمريكية فبعض الكُتّاب يتساءلون عما إذا كان يمكن التعامل مع أشخاص في هذا القرن الحادي والعشرين لديهم الاقتناع بأن كتابهم المقدس الذي نزل من السماء من أربعة عشر قرناً يمكن أن يحكم كل تصرفاتهم؟ والبعض الآخر يقول: إن المسلمين جيش عاطفي وغير عقلاني ومعاد للغرب، يتحدثون بصوت واحد ويتحركون كجسد واحد.

نظرية توينبي في الصراع :
الواقع أن الفيلسوف الانجليزي توينبي لا يعدّ معادياً للإسلام، ولكنه من أوائل الذين أبرزوا طابع الصراع في العلاقات الدولية، وكان له نظرية مشهورة عن تعاقب الحضارات، وقد أنصف الحضارة الإسلامية في كتاباته فهو يقول: "إن الصراع موجود في العالم وفي العلاقات الدولية منذ زمن طويل، وإن العالم الغربي هو الذي كان يقود هذا الصراع ويخلقه، على الأقل طوال الخمسة قرون الماضية، وإن أحداً لم يكن يبدأ بالعدوان عليه ولكن العكس هو الصحيح"( ).
وعن العلاقة بين الإسلام والغرب يحدد توينبي العناصر الآتية:
1- إن الإسلام في العصور الحديثة يقف في موقف الضعف من الحضارة الغربية لسبب رئيسي، هو أنه لا يحوز القوة الاقتصادية ولا العلمية التي تمكنه من اللحاق بالغرب أو مواجهته.
2- إن الغرب يشن هجوماً على كل القوى في هذه العصور الحديثة، لكى يخضع العالم كله، وليس العالم الإسلامي فقط لهيمنته.
3- إن الغرب أخضع معظم أجزاء العالم الإسلامي لسيطرته بأساليب وطرق عديدة.
4- إن المسلمين واجهوا هذه الهيمنة بأسلوبين مختلفين، أولهما سلبي: وهو رفض الغرب وأنظمته وهيمنته رفضاً كاملاً، وعدم الإعتراف بأي شيء جديد، والانطواء على الذات، والثاني إيجابي: ويتمثل في الاستجابة الفعالة والاعتماد على مواصلة الهجوم بنفس أسلحته وأدواته، لذا أسرعت بعض القوى الإسلامية إلى الأخذ بالتحديث، والأخذ بالانظمة الغربية والنقل عنها "تجربة محمد علي في مصر" ، "تجربة كمال أتاتورك في تركيا".
والواقع أن توينبي قد انتقد التجربتين، لسبب رئيسي واحد، وهو أن أغلبية الشعب لم يحصل على ثمار التجربة، وإنما استفادت منها فئة قليلة، وعلى حد قوله فإن الغالبية ليس لديها مجرد أمل في أن تصبح عضواً في الطبقة الجديدة.
وأريد فقط التركيز في دراسات توينبي على أمرين: الأول هو فكرة الصراع، والثانى هو فكرة تعاقب الحضارات والتي تقوم على وحدة البشرية، وتأكيد قيمة التاريخ وحضارات العالم كله، ومشاركتها جميعاً في التفاعل والأخذ والعطاء. وهنا ينتقد الفكر الغربي الذي يركز على التراث ويعتبر نفسه أسمى وأذكى من الآخرين، وأن الحضارة الأوروبية لم تكن هي الحضارة الفاعلة الوحيدة على المسرح الدولي، وإنما شاركتها الحضارات الأخرى في القوة والنبوغ والتأثير.
هذا فيلسوف منصف للحضارة الإسلامية بالذات، لكن الأفكار الأمريكية التي أخذت منه فكرة الصراع، وجعلت منها أساس العلاقات الدولية، لم تنصف الحضارة الإسلامية، بل أتت بأفكار غربية جعلت المسلمين الآن يمرون بمنحة.

نظرية برنارد لويس والأصولية الإسلامية :
لعلني أبدأ بالحديث عن (برنارد لويس) الذي أقام لنا تنظيراً صعباً، وغير علمي للعلاقة بين الإسلام والغرب، وقد حصل على جائزة هامة في الدراسات الاجتماعية عن دراسته التي قدمها ونشرها بعد ذلك في كتاب تحت عنوان "الأصولية الإسلامية"، ونستطيع أن نلخص الرؤية الأساسية لهذا الكتاب في النقاط الآتية:
1- إن الصراع بين الإسلام والغرب قديم، وقد استمر على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، وقد تضمن سلسلة طويلة من الضربات والضربات المضادة بين الجانبين.
2- إن الإسلام والمسلمين كانوا هم المحرضين والدعاة دائماً للحرب والجهاد، فالإسلام عدواني بطبيعته على حين وصف الغرب بأنه دفاعي، يردّ بهجمات مضادة على نحو ما تجلى في الحروب الصليبية.
3- إن المسلمين يمثلون الآن تهديداً ثلاثياً للحضارة الغربية، سياسياً وحضارياً وسكانياً، وقد ركز برنارد على الصراع الحضاري بوجه خاص.
4- إن المسلمين يعتبرون أمريكا الآن العدو الأكبر لهم، وأن هناك نزاعاً وشيكاً سيقوم بين الغرب وبين المسلمين، ويقول برنارد لويس إن معظم العالم المسلم يسيطر عليه الآن حالة كراهية عامة للغرب وأن أمريكا عندهم هي العدو الأكبر، والخصم الشيطاني للإسلام والمسلمين.
5- إن المسلمين بزيهم ولحاهم وعمائمهم يعيشون في العصور الوسطى، ويهدون الغرب، لذا تمّ تصوير القنبلة الباكستانية على أنها قنبلة إسلامية، بما يعنيه ذلك من أن هناك علماً مسلماً متحجراً يهدد إسرائيل والغرب. وتحدث كذلك عن أن المسلمين الآن يمثلون ثورة باعتبارهم أقلية مهمشة، ويتسمون بالعنف ويحاربون الحداثة والمعاصرة، وهو يعبر عن خطورة الأصولية الإسلامية بقوله: "إن ما يصعب علينا رؤيته هو كيف ستتمكن ديموقراطيات القرن الحادي والعشرين من العيش في سلام مع قوى عقدت العزم على أن تبرهن أن الألف سنة الأخيرة لم تحدث".
والغريب أن هذا الكاتب يعتبر المسلمين اليوم فئة مهمشة ومغلوبة، ولا بدّ من تغييرها ولو باستخدام القوة، بل أن استخدام القوة يُعد عملاً أساسياً لتمكين الحضارة الغربية في هذه البلاد، وتجفيف منابع التخلف والعداء للغرب من جذوره.

نظرية هنتنجتون عن الصدام بين الحضارات :
ويلتطق (هنتنجتون) الخيط ويقرر أن الصدام بين الحضارات الذي سيحكم الشؤون السياسية في العالم، وأن الخطوط الفارقة بين الحضارات خطوط القتال في المستقبل، وأن الحرب العالمية الثالثة إن حدثت ستكون حرباً بين الحضارات، وقد أكمل الكثير من دراساته في كتابات أخرى لم يعبتر فيها المسلمين مصدر التوتر في العالم، واعتبرهم مجنياً عليهم في كثير من المراحل، وأن لم يعدل عن فكرة الصراع الحضاري.

نظرية (فوكوياما) في نهاية التاريخ :
ويستمر (فوكوياما) في نفس الخط ليعلن أن الحضارة الأوروبية بفكرها ومؤسساتها هى نهاية التاريخ، وأنها متفوقة على كل الحضارات الأخرى، وأن المسلمين الآن يقودون حملة للهجوم على هذه الحضارة، وأنهم الأعداء للتقدم وللفكر الغربي، ولا مانع من استخدام القوة لتغير الانظمة الإسلامية.
والواقع أن هذه الأفكار مغلوطة وليس لها أي أساس علمي لكنها تجابهنا كعالم إسلامي، وتفرض علينا أن نواجهها، وأن نواجه كذلك المخططات التي قامت عليها، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.
ويرى هذان الكاتبان أن المسلمين يمثلون خطراً سياسياً وحضارياً وسكانياً، لانهم يتزايدون بكثرة ويتواجدون في كل مكان في العالم، وتنادي هذه الأفكار بأن تعلن أوروبا الحرب ضد الإسلام. وأبرزت كتابات أخرى أن المسلمين متحجرون ويزعمون أن كتابهم المقدس يمكن أن يحكم تصرفات البشر في القرن الواحد والعشرين !!، كما أنهم لا يقبلون فكرة الديموقراطية، كما ترى هذه الكتابات أن الإسلام بطبيعته خطر على الحضارة الغربية، ولا يتسامح مع مخالفيه في الرأي، وهكذا ..
ولقد أبرزت الأفكار المتداولة بعد أحداث 11 سبتمبر مشكلة طاغية ليست جديدة بالقطع، ولكن تم التركيز عليها بعد الأحداث الأخيرة، وهى مشكلة الحضارة المرجعية للمجتمعات المختلفة، وبرزت للأسف الاتجاهات التعصبية الغربية، والتي تعتبر الحضارة الغربية هي الحضارة المرجعية للعالم رغم أن الذي أفرز خصائصها الرئيسية، صراعات وأحداث مرت بأوروبا ولا شأن للعالم الآخر بها، كما وضحنا.
إن الذي أوجد فكرة الفصل بين الدين والدولة، هو الصراع المرير بين الكنيسة الغربية والدولة، هذا الصراع ربما تسببت فيه هذه الكنيسة بتدخلها التعسفي في كل أمور الحياة ومحاكمتها للمفكرين والمدعين الذين ظهروا في أوروبا خلال العصور الوسطى وما بعدها وحتى بداية عصر النهضة، فلماذا يفرض هذا النموذج على عالم شجع الدين فيه العلماء، ونادى بطلب العلم أياً كان مكانه "أطلبوا العلم ولو في الصين"، وكان تنظيمه –كما هو الحال في الإسلام– متكاملاً لدائرة الإنسان في علاقته بربه ومجتمعه القريب والداني؟
كذلك فإن الأفكار السياسية الغربية عن السيادة والفصل بين السلطات أفرزتها صراعات مريرة بين ملوك الحق الإلهي المقدس والقوى البرجوازية ثمّ الشعبية، فمن الضروري لكل مجتمع يريد أن ينظم شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أن يأخذ بهذه الأفكار الغربية؟
إن حقيقة الأزمنة التي نمر بها اليوم كشعوب عربية وإسلامية ترجع إلى فكرة غربية هي أن كل ما يخالف الغرب في رؤاه وأساليبه ونظامه القيمي والأخلاقي متخلف وخطير بالضرورة، لذا شنت قوى فكرية وثقافية وسياسية هجوماً شرساً ضد الإسلام والمسلمين باعتبارهم "الغول" الجديد الذي يهدد بأن يلتهم الديموقراطية والتمدن والحضارة الغربية.
إن الذي أوجد الأزمة التي يمرّ بها العالم اليوم، هو "الأصولية الغربية" بهذا المعنى، ونجد إدانة هذه الأصولية واضحاً عند العديد من المفكرين الغربيين لعل من أهمهم جارودي، والكاتب الأمريكي جون أسبوزيتو.
ونخلص من هذا القسم إلى أن الخلاف بين الإسلام والغرب حديثاً هو حملة يهودية صليبية تبنتها الصهيونية العالمية في صراعها القديم الحديث ضد الإسلام والمسلمين، وقد نجحت في بث آراء ونظريات ومواقف فردية لتستعدي القوى الكبرى في العالم ضد الإسلام والمسلمين، وقد نجحت في بث آراء ونظريات ومواقف فردية لتستعدي القوى الكبرى في العالم ضد الإسلام والمسلمين، على أساس أن المسلمين قادمون لحكم وقيادة العالم بتعصبهم وعدم تسامحهم وحقدهم على الغرب، وبالتالي يجب على العالم والقوى الغربية أن تدافع عن نفسها في مواجهتهم، وأن تقضى عليهم باعتبارهم قوى إرهابية معادية للتقدم.

القسم الثاني : تأصيل فكري لعلاقة سوية بين الإسلام والغرب

الإسلام والتعاون مع الآخر :
أوضحت الدراسات التي قامت بها رابطة الجامعات الإسلامية بشأن العلاقة التي يجب أن تقوم بين المسلمين والغرب عن ضرورة أن تكون علاقة سوية تقوم على الفهم الكامل له والتعاون الكبير بينه.
وأنقل هنا ما جاء بإعلان عمان عن هذه العلاقة: "اتفقت الدراسات على أن التحديات الحضارية التي تواجه المسلمين في الحاضر والمستقبل تتمثل في ضرورة التعامل مع الآخرين من منطلق القدرة والفهم العميق لما لديهم، والأخذ والعطاء في مختلف المجالات وعدم الانغلاق على الذات، كما اتفقت على أهمية التواصل  الحضاري بين شعوب العالم مع مراعاة الذاتية الإسلامية، وعدم التفريط في المسائل المرتبطة بعقدية الإسلام أو شريعته، كما اتفقت الآراء على أن القوى غير الإسلامية المسيطرة على العالم تحاول التأثير على المسلمين وجعلهم ينسلخون من ذاتيتهم وينسون أنفسهم، ويفرطون في اتباع تعاليم دينهم. لذا تتطلع الجامعات الإسلامية والحكومات والمجتمعات الإسلامية إلى اتخاذ الوسائل الآتية:
1. الاهتمام بدراسة الحضارة الغربية والحضارات غير الإسلامية دراسة نقدية للاستفادة من إيجابياتها وتجنب سلبياتها، وبالطبع فإن هذه الدراسة يجب أن تأخذ مكانها في دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية.
2. إجادة اكتساب مهارات التعامل مع هذه الحضارة بالاحتكاك المتواصل بها دون التفريط في المكونات الرئيسية للذات، وعدم الاتجاه إلى تقليد غير المسلمين في العادات والطباع، أو الاقتراب من المحرمات.
3. إجراء دراسات حول المهمة الأساسية للمرأة في الإسلام، وإظهار الحقوق التي كفلها الإسلام لها والواجبات التي قررها عليها، وإعطاء هذه المسائل أهمية في الدراسات الاجتماعية والإنسانية وفي مرحلة التعليم الأساسي كذلك.
4. إعداد أجيال قادرة على فهم مقومات الحضارات المختلفة وتعويد الأجيال على التعامل معها بمنطق القوة، ولن يتسنى ذلك إلا إذا فهمت ووعت طبيعة الحضارة الإسلامية والخصائص التي تقوم عليها.
5. تشجيع الدراسات والبحوث المتصلة بأعلام المسلمين من العلماء أساس للقيم والتربية الإسلامية.
والواقع أن هذه الرؤية هي الأساس الذي ننطلق منه في هذا القسم، وندعمه بالفكر القانوني الدولي، وبفكر الشريعة الإسلامية بشأن العلاقة مع الآخر.

القانون الدولي للتعايش
يميز فقهاء القانون الدولي المعاصر بين فرعين حديثين من فروع هذا القانون: الفرع الأول هو القانون الدولي للتعايش، والفرع الثاني هو القانون الدولي للتعاون.
أولاً : القانون الدولي للتعايش
ويشمل قواعد القانون الدولي التقليدي المعروفة، والتي تنظم العلاقات الدولية على طريقة ضرورة إبعاد الدول عن بعضها البعض حتى لا تتقاتل، وهو قانون يتبنى مفهوم الصراع والحرب كعام مؤسس ومحرك لهذه العلاقات، فإذا كانت الحروب ضرورية، ونتيجة طبيعية للتواجد البشري، وللأطماع التي جُبل عليها الإنسان، فإن أفضل وضع للعلاقات الدولية هو أن تنظم كيف نبعد الدول عن بعضها البعض حتى لا تتقاتل.
كانت فكرة التعايش التي تُعنى بوضع الحدّ الأدنى من القواعد التي تكفل تنظيم العلاقات الدولية وتسيرها على أساس أن تعيش كل دولة داخل حدودها، ولا تعتدي على غيرها من الدول الأخرى. لذا فإنّ قواعد القانون الدولي التقليدي تهتم بدراسة الدولة كشخص قانوني له حق التمتع بالسيادة، وله حقوق تتفرع عنها كالحق في التفاوض، والحق في الإيفاد أي إرسال مبعوثين منها للدول الأخرى، ثم الحق في الحرب. ويُنظم هذا القانون الحرب على أساس أنها حالة ضرورية تعيشها الدول ويجب أن تكون أضرارها في أقل الحدود، لذا يُراعي فيها قواعد يجب أن يلتزمها المحاربون في الأماكن التي يجوز ضربها (التمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية)، وفي الأشخاص الذين يمكن توجيه الضرب لهم (التمييز بين من يحاربون ومن لا يحاربون)، وكذلك التقيد في استخدام السلاح، فلا يجوز استخدام كل الأسلحة، فالتزام قواعد الإنسانية في الحرب تلزم المقاتل بأن يكتفي بإضعاف خصمه وإبعاده عن ساحة القتال بكافة الطرق دون أي إمعان في تعذيب الخصم باستخدام أسلحة فتاكة لا تتوقف عند القتل، وإنما تتجاوزه إلى التعذيب، لذا حرم رصاص "دمدم" الذي يتجاوز القتل إلى تهتيك جسم الإنسان، وإنزال العذاب به، وحرم "النابالم" الذي يحرق الإنسان ومظاهر الحياة وهكذا. 
تبنى القانون الدولي فكرة أن الذي له حق التصرف في الشؤون الدولية هم قادة المجتمع الأوروبي الخمسة في ذلك الوقت وهم: (النمسا، روسيا، بروسيا، إنجلترا، وفرنسا) وأنهم وحدهم أشخاص القانون الدولي، وأن باقي وحدات هذا المجتمع هم موضوعات لهذا القانون، فهم يتصرفون في شؤونه كما يحلو لهم، وأوجدوا من النظريات والقواعد ما يعطى الشريعة لأفعالهم. 
أجاز القانون الدولي التقليدي إجبار الدول على التوقيع على معاهدات الحماية التي فرضتها عليها القوى الكبرى، وهي المعاهدات (غير المتكافئة)، وقالوا أن الدول تتفادى بذلك خطراً أكبر هو خطر الحرب. ووضع القانون الدولي التقليدي قواعد المسؤولية الدولية والتي تحمي الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية لصالح الدول الكبرى، ووضع كذلك قواعد الحد الأدنى من الحقوق للأجانب في الدول الأخرى، كذلك حمى نظام الامتيازات الأجنبية في الدول التابعة للإمبراطورية العثمانية وغير ذلك كثير. 
واليوم تعود بعض هذه الأفكار لابسة ثوباً جديداً ومبنية على أسس أخرى. لقد نادى الرئيس بوش بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتصار التحالف الأمريكى على العراق بأفكار جديدة لقيام العلاقات الدولية على مبادئ أخرى، تحت تسمية النظام العالمي الجديد والذي أعلن فيها التفوق القيادة الأمريكية للعالم واستمر الرؤساء اللاحقين عليه يرددون نفس التسميات. (لا تراجع عن قيادة العالم) هذا شعار تبناه الرئيس كلينتون، وأعلن في نفس الوقت أن معاملة الدول الأخرى حسناً أو كرهاً ستقوم على مدى تمسكها بأسس النظام الجديد، الذي يقوم أولاً على الحرية: الحرية السياسية والحرية الاقتصادية المتمثلة في اقتصاديات السوق، والتمسك بالتعددية الحزبية والديمقراطية بالمفهوم الغربي، واحترام حقوق الإنسان وحرياته. 
وبصرف النظر عن عدم تنفيذ هذه المبادئ الآن بدليل ما تقوم به الولايات المتحدة ضد الدول الإسلامية وشنها حروباً ضروساً ضد أفغانستان والعراق، وتوقيعها عقوبات اقتصادية ضد دول إسلامية أخرى كإيران والسودان وليبيا، وسياسة الكيل بمكيالين، إذ هي تترك لإسرائيل كذلك الحبل على الغارب لتفعل ما تشاء بالمسلمين الفلسطينيين، إلا أننا كدول إسلامية يجب أن نُسير دفة العالم بشكل آخر يتفق مع مبادئنا وإسلامنا، ويتفق مع أفكار النظام العالمي الجديد أو ما اصطلحنا على تسميته بالقانون الدولي للتعاون، وهذا الطرح الذي نراه مناسباً الآن.

ثانياً : القانون الدولي للتعاون 
لقد تغيرت طبيعة العلاقات الدولية وزاد الارتباط بين الدول إلى الحد الذي جعل من التعاون المشترك بين الدول حاجة موضوعية، ومبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي، وهذا هو موضوع القانون الدولي للتعاون. ويقوم القانون الدولي للتعاون على فكرة الجماعية، ويحاول أن يدعم الحاجات المشتركة بين الدول، ويبحث عن أفضل الأساليب الكفيلة بإشباعها. 
ويستعين القانون الدولي للتعاون بالعديد من الوسائل التي ينظم بها هذا الإشباع. ففضلاً عن الاتفاقيات الثنائية التي تسهل التبادل التجاري بين الدول كالاتفاقات التي تحتوي على شرط الدولة الأولى بالرعاية، وهي أهم صور إشباع الحاجات الجماعية. وقد رأينا بداية هذا الإشباع في فكرة الاتحادات الدولية، والتي تطورت في ظل عهد العصبة، ثم في ظلّ الأمم المتحدة حتى اتخذت شكل الوكالات المتخصصة في الوقت الحاضر.

طبيعة القانون الدولي للتعاون : 
ثار خلاف في الفقه الدولي حول ما إذا كان قانون التعاون الدولي يتمتع بالخصائص القانونية للقواعد الملزمة. واتجه البعض إلى أنه من الصعب أن نخرج من ميثاق الأمم المتحدة بالتزاما ت محددة في حقول التعاون الدولي، ويصعب على ذلك القول باعتباره قانوناً. في حين اتجه البعض الآخر إلى أن المادتين (55 ، 56) من الميثاق تسمحان بالقول بوجود التزام دولي يلزم الدول بأن تتعاون مع بعضها البعض لإشباع الحاجات الاقتصادية والاجتماعية التي وردت بالميثاق. وقد عُرضت الفكرة على اللجنة التي كلفتها الأمم المتحدة بصياغة مبادئ القانون الدولي الخاصة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول الأعضاء، وانتهت اللجنة إلى أن (على الدول واجب أن تتعاون مع بعضها البعض بصرف النظر عن الإختلافات في الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينها).

عالمية القانون الدولي للتعاون : 
من المشاكل التي أثيرت أمام اللجنة الخاصة بتقنين مبادئ التعاون والصداقة، مشكلة ما إذا كان الالتزام بالتعاون الدولي ملزماً لكل الدول أم أنه التزام بين أعضاء الأمم المتحدة فقط؟ رغم الانقسام الذي جرى في اللجنة بين مؤيد ومعارض، أكدّ النص الذي جاءت به اللجنة أن هذا التعاون واجب على كل دولة تجاه الأخرى بصرف النظر عما إذا كانت عضواً أم غير عضو في الأمم المتحدة، على أساس أن هذا المبدأ من المبادئ العرفية، وليس مجرد مبدأ اتفاقي. ولقد نصّ الميثاق على إقامة العلاقات الدولية على أسس معينة، تقضي باحترام المبادئ التي جاء بها. واحترام هذه المبادئ يُعد شرطاً مسبقاً لقيام النظام الذي أتى به، وانصراف أي دولة عن اتباع هذه المبادئ من شأنه هدم النظام الدولي. 
ميادين التعاون : 
يمكن القول بأن ميادين التعاون تتسع لكي تشمل (ليس فقط النطاق السياسي بالمعنى الضيق لهذه العبارة) وإنما عدة أنشطة تتضمن جزءاً من المسائل التي كانت تعتبر في النطاق الخاص للدولة. لذا ذكرت اللجنة أن على الدول واجب التعاون في مختلف ميادين العلاقات الدولية، من أجل المحافظة على السلم والأمن، ودعم الاستقرار والتقدم الاقتصادي الدولي، والرفاهية العامة للدول. 
ويتفق هذا التفسير مع ما أقره ميثاق الأمم المتحدة، من أنّ الحفاظ على السلم الدولي يتطلب ليس فقط السلم الشكلي المتمثل في منع استخدام القوة، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وإنما أيضاً السلم الإيجابي المتمثل في إنشاء (الظروف المادية لقيام السلم)، وفي بذل الجهود المستمرة من أجل التحسين المستمر للظروف الاقتصادية والاجتماعية، أي أن الهدف المبتغى ليس إلا التجنب المستمر لأسباب التمييز والمرتبط بعدم التكافؤ الاقتصادي والاجتماعي. 
واتفقت الدول بعد ذلك على ضرورة أن تعطي التعاون الدولي في نطاق حماية حقوق الإنسان أولوية خاصة، لذا نصت على أن الدول سوف تتعاون (من أجل دعم الاحترام العالمي وتنفيذ الحقوق الإنسانية للمجتمع وإزالة كل صور التفرقة العنصرية، وكل صور التعصب الديني). 
ومع ذلك أولت الدول التعاون الاقتصادي والاجتماعي أهمية كبيرة، باعتباره مشكلة عصرنا، لذا نرى أن هذه الفكرة كانت مسيطرة على أذهان ممثلي الدول في كل الاجتماعات. ولكن الدول اختلفت في الطريقة التي يمكن التعبير بها عن ضرورة هذا التعاون، فمثلاً: ركزت الدول النامية على ضرورة أن يُعطى الاهتمام لفكرة أن التعاون الدولي ينبغي أن يستهدف القضاء على التخلف الاقتصادي، مع التمسك بمبادئ الاستقلال الاقتصادي بعدم التدخل، والمنفعة المتبادلة، بينما وجدنا الدول الغربية تتجه إلى أن تعطي للتعاون مفهوماً آخر يفرض على كل دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تصيغ سياستها الاقتصادية وسياستها تجاه أية مساعدة اقتصادية تقدمها أو تأخذها، بما تجعلها تساهم في تسهيل النمو الاقتصادي والتقدم المتوازن في مستوى الدخول على نظاق العالم، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأخرى، وبما يؤكد الاستخدام الفعّال للوسائل الاقتصادية المتاحة وضمان حقوق الدول المتقدمة. 
وكان من اللازم أن يقوم نوع من التوفيق بين الفريقين، ولقد أحس العديد من ممثلي الدول المتخلفة اقتصادياً بضرورة المساعدات التي تقدم لدولهم، وعبروا عن ذلك أمام اللجنة. وعلى هذا الأساس تمّ التوصل إلى صيغة تؤكد من ناحية أن الدول سوف تسير في علاقاتها الدولية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والفنية والثقافية والتجارية على أساس مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل، ومن ناحية أخرى تضمّن النص على الحاجة إلى التعاون في كل هذه المجالات، مع إشارة خاصة إلى الحاجة للتعاون من أجل التنمية الاقتصادية للدول النامية. وعلى هذا جاء نص الفقرة الثالثة يقول: (أن الدول سوف تسير في علاقاتها الدولية في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والفنية والتجارية وفقاً لمبدأ المساواة في السيادة، وعدم التدخل). 
كما نصت الفقرة الثالثة على إلتزام الدول بالتعاون في هذه الحقول، لتحقيق التقدم الثقافي والتعليمى الدولي، ولتحقيق النمو الاقتصادي على مدى العالم كله، وعلى الخصوص في نطاق الدول المتخلفة. 
وألزمت الفقرة الثانية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بأن تتخذ التدابير المنفردة أو المشتركة لتحقيق هذه الأهداف. ولا شك في أنه من أهم التدابير المشتركة التي يمكن أن تتخذ بهذا الشان هو إنشاء الوكالات المتخصصة. وتتفق هذه الأفكار مع مبادئ الشريعة الإسلامية على ما نوضحه الان .

التعاون الإنساني في مفهوم الفقه الإسلامي 
التعاون في الإسلام مبدأ عام في كل الجماعات الإنسانية كما قرره القرآن الكريم، فقد جاء في سورة المائدة الحث على التعاون المطلق على البر، ومنع التعاون على الإثم والعدوان، وأن التعاون قوام الأسرة، وقوام الأمة. وقد جاءت النصوص الدينية الإسلامية لتعميم التعاون في داخل الإقليم الواحد وفي نطاق الإنسانية. كما وردت العديد من الأحاديث النبوية التي تحث المسلمين على التعاون مع بعضهم البعض، ومع كل من يعيش معهم في المدينة. 
ولقد نفذ النبي عليه الصلاة والسلام مبدأ التعاون الدولي، عندما جاء إلى المدينة فعقد مع اليهود حلفاً أساسه التعاون على البر، وحماية الفضيلة ومنع الأذى، وأكدّ ذلك بالمواثيق، ولكن اليهود نقضوا حلف التعاون بأن يتضافروا على دفع الاعتداء وإقامة الحق، أو بعبارة عامة ما يسمى في هذا العصر (بالتعايش السلمي). 
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد المعاهدات مع القبائل العربية لإيجاد تعاون إنساني لإعلاء المعاني الإنسانية، وكان يحثّ على كل تعاون على الخير ويؤيده، ويردّ على كل تعاون على الشرّ ويحاربه. ولقد ذهب إلى مكة حاجاً فعلم أن قريشاً تريد منعه فمدّ يد المسالمة إليهم وهو يقول: (لو دعتني قريش إلى أمر فيه رفعة البيت الحرام لأجبتهم)، وقد كان من مبادئه صلى الله عليه وسلم التعاون على نُصرة الضعيف، وقد حضر وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره حلفاً لبعض أشراف قريش عُقد في دار عبد الله بن جدعان تعاقدوا فيه لينصرن الضعيف على القوى، فسُرّ صلى الله عليه وسلم لذلك سروراً ظهرت آثاره من بعد، فقد قال الهادي الأمين: (لقد حضرت بدار عبد الله جدعان حلفاً ما يسرني به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت). 
والنبي صلى الله عليه وسلم يعلن أن الله يمد بالقوة كل من يعاون أخاه الإنسان في أي إقليم وفي أي موطن، فيقول صلى الله عليه وسلم: (الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه). ولو يُعيّن ذلك الأخ بل عممه، فيعم الأخوة الإنسانية ولا يقتصر على الأخوة الدينية أو الإقليمية. 
وفي الوقت الذي يشعر فيه الإنسان بالأخوة الإنسانية، وأن التعاون مطلوب بكل صوره وأحواله سيذهب النزاع ويختفي ما يذكره بعض العلماء من مبدأ التناحر على البقاء الذي جر على العالم كله الويلات، وحسب كل قوم أن بقاءهم لا يكون إلا في الاعتداء على غيرهم، وحيث ساد ذلك الزعم كان قانون الغابة هو الذي يحكم أو يتحكم. 
وقد عدد أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة المبادئ الأساسية للتعاون الدولي، ولموقف الإسلام من الآخر، ونوجزها فيما يلي: الكرامة الإنسانية، اعتبار الناس جميعاً  أمة واحدة، التسامح، الحرية، الوفاء بالعهد، العدالة، الفضيلة، المعاملة بالمثل، المودة ومنع الفساد. 
كما أن الباحثين الثقات من الغربيين بعد دراسة مبادئ الشريعة الإسلامية قد وصلوا إلى قول بأن أحكام الشريعة الإسلامية في المسائل الدولية يمكن الاستفادة منها وخاصة في مجالين رئيسيين : 
الأول : تطوير أحكام القانون الدولي في شان مركز الفرد فيه والإعتراف به كشخص من أشخاص القانون الدولي.
الثاني: ادخال المبادئ الأخلاقية في القانون الدولي، إذ أن الشريعة الإسلامية غنية بالمسائل التي تتصل بهذين الأساسين. 
والواقع أن إسهام الشريعة الإسلامية في هذه المجالات كان واضحاً وخاصة في قانون الحرب، فلقد عرف المسلمون التمييز في المعاملة بين المحاربين وغير المحاربين، ووضعوا نظاماً عادلاً لمعاملة الأسرى والرهائن والمدنيين والنساء والشيوخ والأطفال. 
كما أن إسهام الشريعة الإسلامية في وضع أسس العلاقات الدولية في وقت السلم كان واضحاً، فقد أقاموا صرح العلاقات التجارية والاقتصادية بينهم وبين الغرب على قواعد سليمة، وعرفوا حُرمة الرسل، والمعاهدات ووسائل تسوية المنازعات بالتحكيم والصلح .... الخ. 
لذا فإن الشريعة الإسلامية مع القانون الدولي للتعاون يمكن أن يسهما في بناء نظام دولي جيد يقرب الدول من بعضها البعض حتى تتعاون. ولا شك أن الوقت الذي نحياه الان يفرض علينا أن نتمسك بمبادئ الأمم المتحدة، وأن نُحي دورها في العلاقات الدولية، وأن نسعى لتعديل نظامها بما يكفل عدم تسيير دولة بعينها أو خمس دول بالأحرى على مجريات الأمور فيها.

الخاتمــة
تعرضنا في هذا البحث إلى إحدى المشكلات القائمة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي في الوقت الحاضر وهى مشكلة العداء، ومحاولة الغرب إلصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين، والمساواة بين الإرهاب والإسلام. وقلنا أن وراء ذلك حملة صهيونية مغرضة تتخذ أصولها من بعض الكتابات القديمة والحديثة والتي صورت الإسلام بأنه عدواني، وأنه يحأول أن يهدم الحضارة الغربية. 
وتعرضنا للأساس الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة بين الإسلام والحضارة الغربية في الوقت الراهن، وهو أساس يأخذ من مبادئ الشريعة في الإعتراف بالآخر والتعاون معه، والعيش معه في سلام، واحترام العهد معه، واحترام الكرامة الإنسانية بشكل عام منهجاً له. وكذلك ينبني هذا الأساس على القانون الدولي للتعاون الذي يؤمن بضرورة تقريب الدول من بعضها البعض حتى تتعاون في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن أجل كفالة التقدم والتنمية لكل البشر وفي كافة المجالات. إن قيام العلاقات الدولية على التعاون القوي بين البشر هو انتصار الحق، وإقرار المساواة بين الناس، وكفالة حقوق الإنسان وحرياته. ولا شك أن هذا التعاون هو الكفيل وحده بتحسين العلاقات وبنمو التعاون بين الدول، مع مراعاة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم استخدام القوة أو التهديد به في العلاقات الدولية، وحسن الجوار، واحترام حق الشعوب في وحدة وتكامل أراضيها وفي تقرير مصيرها، وهى المبادئ التي قررها الإسلام أولاً، وميثاق الأمم المتحدة بعد ذلك.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.