
تمر البلاد العربية والإسلامية بمرحلة المواجهة المباشرة بين عوامل التغريب والتفكيك من جهة، وعوامل استعادة المرجعية الإسلامية والوحدة الإسلامية من جهة أخرى.
فالواقع يؤكد على قوة وفاعلية عوامل التفكك والتحلل، والتي تتأكد في وقائع تفكيك الدول القومية العلمانية، ورغم ذلك تظهر قوة عوامل استعادة المرجعية الإسلامية في مواجهة عملية التفكيك والتغريب والعلمنة، ممثلة في الحركات الإسلامية، والتيار الإسلامي الواسع، وأيضا في تزايد وعي الأمة بوحدتها ومرجعيتها الحضارية، والتي تظهر بوضوح في الخروج الحاشد لجماهير الأمة دفاعا عن قضاياها الرئيسة، والخروج الحاشد لجماهير الثورات العربية، في مواجهة النخب الحاكمة المستبدة، والتي أظهرت حجم التضامن والتوحد الاجتماعي الواسع.
عمق التدافع
هي عملية تدافع إذن، بين عوامل متعارضة وتتحرك في اتجاه متعارض، وتتصادم في معظم الأوقات. ولكن مآل تلك المواجهة لم يحسم بعد، ولم تظهر علامات نهاية تلك المواجهة. فهي مواجهة حضارية في مضمونها، ولكنها في الوقت نفسه تمثل مواجهة دولية، لها تأثيراتها على أوضاع العالم كله. فما بين قوى العلمنة والقوى الإسلامية من مواجهة، لا يعد أمرا محليا، بل هو أمر دولي، له العديد من التأثيرات على النظام الدولي كله.
لذا فالمعركة ليست هينة، لأن كل الأطراف الفاعلة في السياق الدولي، تتدخل في تلك المواجهة بصورة أو أخرى. والمواجهة أيضا لا تتعلق فقط بالأوضاع السياسية الداخلية للدول العربية والإسلامية، بل ترتبط أيضا بما يحدث في البلاد التي تشهد مواجهات عسكرية. فالمواجهة الحضارية الحادثة بين الأمة الإسلامية والدول الغربية، ترتبط مباشرة بما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان، وكل بلد يشهد استعمارا عسكريا غربيا، أو مدعوم من الدول الغربية.
ونتائج تلك المواجهة لن تؤثر فقط على البلاد العربية والإسلامية، بل سوف تؤثر على المكانة الدولية للدول الغربية، وعلى دورها العالمي، كما سوف تؤثر مباشرة على كل المناطق التي تشهد استعمارا خارجيا. ويمكن اعتبار فلسطين هي المنطقة المركزية، التي سوف تشهد التحولات الكبرى في المواجهة الحضارية بين الأمة الإسلامية والغرب. ومعنى هذا أن مصير الاحتلال الإسرائيلي مرتبط بما يحدث من مواجهة بين الفكرة الإسلامية والفكرة العلمانية، وبين الفكرة الإسلامية والفكرة القومية. لذا فكل تلك المعارك متشابكة، ومصيرها مرتبط.
هذا ما يجعل شدة المواجهات تتزايد، فالتدخل الغربي في البلاد العربية والإسلامية يتزايد، والغرب يفتح العديد من الجبهات القتالية، بصورة تجعله يتورط أكثر فأكثر. ومهما كانت المبررات المعلنة، فالتورط الغربي في البلاد العربية والإسلامية، جعله طرفا في كل الصراعات والنزاعات السياسية والمذهبية والقومية.
وفي مواجهة هذا التورط الغربي، تتعدد الاستجابات الحركية الإسلامية، ما بين الاستجابة الإصلاحية الحضارية، والاستجابة الحركية المسلحة. وتتزايد فرق وتيارات الحركات الإسلامية، لتعبر عن مختلف المواقف من الهجمة التغريبية التي تتعرض لها المنطقة. وكلما تزايدت شدة الهجمات على المنطقة، تزايدت الاستجابات الأكثر تشددا للرد عليها. حتى باتت المواجهات تدور في دائرة مغلقة، ولا يستطيع طرف حسم القضية لصالحه.
ولكن شروط الجولة الأخيرة لم تتضح بعد، حتى باتت المعارك وكأنها بلا نهاية. ولكن كل المعارك الكبرى التي تنهي مرحلة تاريخية في تاريخ البشر، وتبدأ مرحلة جديدة، يكون لها نفس الخصائص. فمرحلة التحول التاريخي لا تعرف أحداثها إلا بعد أن تتحقق، والمخاض العسير قبل مراحل التحولات الكبرى، ينبئ بقدوم تحول كبير في المستقبل، ولكنه لا يحدد لحظة التحول وزمانها.
تحول مجرى التاريخ
عبر العديد من الفترات التاريخية حدثت تحولات تاريخية كبرى فصلت بين مرحلة تاريخية ومرحلة تاريخية تالية لها. وتلك هي مشكلة المواجهة الحالية بين عالم الإسلام والعالم الغربي، فهذه المواجهة هي جزء من مسار تحول تاريخي في حياة البشر، وليست فقط مجرد مواجهة بين حضارتين، أو بين عالمين. فلو كانت القضية محصورة في استعمار يحتل البلاد الإسلامية، ثم تقاومه الأمة حتى يخرج، لكانت تلك المرحلة قد تحققت بالفعل. وعندما أرادت نخب التحرر الوطني التخلص من الاستعمار العسكري المباشر، استطاعت تحقيق ذلك الهدف، ولكنها بقيت تحت الحماية والدعم والتبعية الغربية.
ولكن المسألة تحولت إلى جوهرها، فالقضية في جوهرها تتعلق بالتحرر الحضاري، وعندما رفعت الحركات الإسلامية شعار التحرر الحضاري واستعادة المرجعية الإسلامية، كانت بذلك تركز على جوهر المشكلة ومركز الصراع. ولذا تحولت الأنظار بعد ذلك إلى المعركة الأساسية، والمتمثلة في فرض الغرب لنموذجه الحضاري، المتمثل في الحضارة الغربية والنموذج السياسي القومي العلماني.
ولما باتت القضية ظاهرة على سطح الأحداث، تجلت حقيقتها أمام كل الأطراف، فالمشكلة تتعلق برغبة الأمة في التحرر من النموذج الغربي سواء الحضاري أو السياسي، والنخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب، تحاول فرض النموذج الغربي بالوكالة عن الدول الغربية. فأصبحت كل الدول العربية والإسلامية محتلة بدرجة أو أخرى، سواء من خلال الاحتلال العسكري الغربي المباشر، أو من خلال النخب المستبدة المهيمنة على السلطة والمتحالفة مع الغرب.
هنا باتت المواجهة مرتبطة بدور الحضارة الغربية العالمي، وبدور الدول الغربية في النظام الدولي. وهو ما يعني أن المواجهة بين الحركات الإسلامية وبين السياسات الغربية والنخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب، ليست مواجهة محلية وليست مواجهة إقليمية، بل هي مواجهة عالمية، تشهد صراعا سياسيا بين القوى المختلفة، والتي تختلف في رؤيتها وجدول أعمالها.
لذا فإن ما تحققه الحركات الإسلامية يجب أن يقاس على حجم الأهداف التي تريد تحقيقها، وحجم تأثير تلك الأهداف على العالم كله. لن يتغير العالم بين يوم وليلة، ولن تستسلم القوى صاحبة النفوذ الأقوى في العالم، وتتنازل عن قدر من هيمنتها وقوتها الدولية، إلا مضطرة.
استنزاف متبادل
عملية التفكيك التي تتعرض لها الأمة تستنزفها، وعملية مقاومة التغريب والعلمنة والاحتلال الغربي العسكري، والتدخل السياسي الغربي، تستنزف الغرب. فهي عملية استنزاف متبادل، ونتيجتها تحسمها قدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف لوقت أطول. فالغرب يستنزف اقتصاديا، لأنه يدفع فاتورة مرتفعة لهيمنته على العالم، والحركة الإسلامية بل والأمة الإسلامية تستنزف بشريا، بسبب ما تتعرض له من حروب ونزاعات داخلية ومواجهات مسلحة مع الخارج، وحصار أمني على الحركات الإسلامية.
هي معادلة الاستنزاف الاقتصادي في مواجهة الاستنزاف البشري. ولأن الطاقة البشرية للأجيال لا تنفد، والطاقة أو القدرة الاقتصادية تتعرض للنفاد أو التراجع، لذا أصبحت المعركة في حقيقتها لصالح الأمة الإسلامية. ولكن قدرة الدول الغربية، خاصة الحلف الأمريكي الإسرائيلي، في الاستمرار وتحمل الاستنزاف الاقتصادي، وربما الاجتماعي أيضا، يمكن أن تستمر لسنوات أو عقود.
هي إذن معركة بين ما ينضب وما لا ينضب، وبين ما يستنزف وما لا يستنزف. وهي أيضا معركة تتعلق بمصير أمة، لها تاريخ طويل، وهي لهذا معركة لا يمكن أن تنتهي بموت أمة، فالأمم لا تموت، مهما وصلت لحالة من التراجع والتردي، ومهما حدث لها من تفكك.
ما بين الحياة والموت
الناظر إلى ما يحدث في الأمة الإسلامية، يجد أنها كلما تفككت، أدركت خطر التفكك، وكلما قدمت الشهداء آمنت أكثر بقضيتها. فالأمة تبدو كمن يستيقظ مع شدة الخطر، وتزداد مقاومته كلما زادت المخاطر. وهو ما يحدث منذ بداية القرن الحادي والعشرين، فهو القرن الذي قد يشهد تغير مسار التاريخ، لأنه القرن الذي تعرضت له الأمة الإسلامية لأشد المخاطر، فكانت صحوتها وردها فاعلين.
والتغيرات الحادثة على الساحة العربية والإسلامية منذ بداية القرن الحادي والعشرين، تدل على تسارع وتيرة المواجهات والتغيرات والثورات الشعبية. وقدرة الأمة على المقاومة والصمود، وتحقيق النصر في معاركها يزداد. ولكن الخطر الذي تتعرض له الأمة يزداد أيضا، وكأن الخطر نفسه، هو الذي يرفع من قدرات الأمة الدفاعية، ويزيد من قدراتها الهجومية، ويحفزها للمواجهة.
هي اللحظة التي تفصل بين الحياة والموت، وهي اللحظة التي تدرك فيها الأمة أن المواجهة حتمية والجهاد حتمي. هي اللحظة التي تمر بها مجتمعات الأمة بأخطار تهدد بقاءها، فتدرك أنها يجب أن تستيقظ وتدافع عن نفسها. وهي اللحظة التي تدرك فيها كل مكونات الأمة، أن أمنها يرتبط بارتباطها بأمتها. فكلما اقتربت الأمة من الموت الإكلينيكي، ودخلت في الغيبوبة الحضارية، تحركت لتحمي نفسها من لحظة الموت الحضاري. حتى بات التفكك العميق الذي تواجهه الأمة، هو العلامة الرئيسة على بداية مرحلة الخروج من التراجع الحضاري، واستعادة الوحدة والمرجعية الإسلامية
اسلام اون لاين 21/10/2011
د.رفيق حبيب
ابحث
أضف تعليقاً