wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة د.عزمي طه السيد أحمد في مؤتمر نواكشوط: بين مقاصد الدين ومباديء الثقافة الغسلامية

مقدمة: 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين وعلى خاتمهم محمد ابن عبد الله، وعلى آله وصحابته ومن اتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد؛
فهذه الورقة التي أتشرف بتقديمها في هذا المؤتمر الكريم، ستتعرض لقضايا فكرية دينية رئيسة، إذ ستتعرض لمقاصد الدين (أي الإسلام)، وعلاقتها بمنهج الوسطية الذي تميز به هذا الدين الخاتم، وستبين كيف أن الثقافة الإسلامية هي التعبير العملي لهذه المقاصد وهذا المنهج.
سيبدأ البحث بتوضيح أهم وظيفة للدين وتاكيد ذلك من خلال بيان مقاصده، لينتقل بعد ذلك إلى توضيح مفهوم الوسطية الذي هو خير المناهج لتحقيق هذه المقاصد، وبعد البيان النظري لهذه المفاهيم ستنتقل الورقة إلى بيان الجانب العملي، وهو ما نقصده هنا بالثقافة الإسلامية، فنبين مفهومها وصلتها بالدين ومقاصده ووسطيته، لنؤكد في الختام أن الوعي بحقيقة هذه الأمور وما بينها من علاقات يجعلنا أقرب إلى تطبيق الإسلام تطبيقاً يجعل منا أمة قوية عزيزة، ويقربنا من وصف القرآن الكريم لأمة الإسلام المؤمنة بأنها خير أمة أخرجت للناس.
حقيقة الدين ومقاصده
الدين الذي سنقصر الحديث عنه هنا هو الإسلام، وتوضيح حقيقته بصورة مختصرة يكون ببيان عناصره ومكوناته الأساسية، وبيان وظيفته الرئيسية والتعرف على أهم خصائصه الذاتية، وعليه نقول: 
الدين في جوهره علم ومعرفة، وهو يتكون من جانبين متكاملين: 
جانب نظري، يبين حقيقة القضايا الوجودية الكبرى، وهي قضايا الإنسان وحياته، والكون، والله سبحانه وتعالى، خالق الإنسان والكون والحياة.
والجانب الآخر هو الجانب العملي ويشمل الأمور التي يطلب الدين من الإنسان القيام بها أو مراعاتها في حياته ومختلف جوانب سلوكه على مستوى الفرد والجماعة.
أما وظيفة الدين الأساسية فهي بكلمة واحدة جامعة، الهداية، والقرآن الكريم، كتاب الإسلام، وصف نفسه بأنه كتاب هداية للناس جميعاً في أكثر من آية كريمة، من ذلك قوله تعالى: الم{1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2}[البقرة: 1-2]، وقوله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[الإسراء: 9]، وقوله أيضاً: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[سبأ: 6]، وغير ذلك من الآيات الكريمة.
والهداية معناها اللغوي البيان والإرشاد، والمعنى المقصود هنا، يشمل بياناً وإرشاداً إلى أمرين رئيسين: الأول: البيان والإرشاد إلى الغاية التي خلق من أجلها الإنسان والتي ينبغي أن يكون سلوك الإنسان كله في هذه الحياة موجهاً نحو تحقيقها؛ والأمر الثاني: البيان والإرشاد إلى أقصر الطرق وأصوبها وأيسرها لتحقيق هذه الغاية، ويشمل هذا الأمر أيضاً البيان والإرشاد إلى العوائق التي يمكن أن تعترض الإنسان في سلوكه المتجه نحو هذه الغاية وكيفية تجنبها والتغلب عليها.
أما الأمر الأول في الهداية، أي الغاية التي خلق الإنسان من أجلها، فهي أمر لا يستطيع الإنسان أن يحدده تحديداً دقيقاً يتفق الناس عليه مستعيناً بوسائله الإنسانية فحسب دون تلقي معونة خارجية، وذلك لأسباب عديدة كالأهواء والمصالح وغيرها، لكن أهم هذه الأسباب التي تجعل الإنسان غير قادر على معرفة الغاية التي خُلق من أجلها بنفسه، هي أنه لم يَخلُق نفسه، لأن الذي يعرف الغاية التي من أجلها خُلق الإنسان هو الذي خلقه، وهو الله سبحانه وتعالى، ويؤكد ما نقوله هنا ما حدث في تاريخ الفكر والفلسفة حين كان المفكرون والفلاسفة يحاولون بأنفسهم معرفة الغاية من خلق الإنسان ووجوده، فانتهوا إلى الشكوك والقول بالعبث( )، وهو رأي لا ينسجم ألبتة مع وجود الإنسان والكون وما فيهما من دقة وإتقان وإحكام واتساق، كما لا ينسجم أيضاً مع قدرة الخالق سبحانه وتعالى وحكمته، الخالق الذي حذر وبيّن أن خلق الإنسان وخلق الكون بما فيه من سموات وأرضين ليس عبثاً بلا غاية، وذلك في قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ[المؤمنون: 115]، وقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: 38].
أما هذه الغاية التي خلق الإنسان من أجلها فقد حددها الخالق سبحانه وتعالى وبينها في أكثر من آية، منها قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[الذاريات: 56]، ومعلوم أن العبادة تعني الطاعة والخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى، وهي نتيجة منطقية وضرورية مترتبة على خلق الله للإنسان، فالأمر الطبيعي أن يطيع المخلوق خالقه الذي أوجده بعد أن لم يكن موجوداً، وليس أمراً طبيعياً أن يطيع المخلوق غير خالقه، وغير الخالق هو مخلوق مثل الإنسان، فعبادة مخلوقات كالشيطان أو الكواكب أو بعض البشر أو الأصنام أو غير ذلك مما عُرف في تاريخ البشرية، كلها عبادة لغير مستحقها، ولذلك وصفت بأنها شرك، بينما إفراد الخالق وحده بالعبادة هو التوحيد، وهو الذي تقبله العقول السليمة. ويقول الحق سبحانه وتعالى في هذه المعاني: 
ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ[الأنعام: 102]( ).
أما الأمر الثاني في معنى الهداية- التي هي وظيفة الدين الكبرى- فهو معرفة أقصر الطرق وأصوبها وأيسرها لتحقيق غاية العبادة؛ ومرة أخرى نؤكد أن هذا الطريق لا يستطيع الإنسان أن يحدده لنفسه ويبينه بمفرده دون معونة من خالقه، فإن الذي خلق الإنسان هو الذي حدد الغاية من خلقه، وهو الذي يعلم كيف يمكن للإنسان الذي خلقه أن يصل إلى تحقيق هذه الغاية. وقد حاول الإنسان أن يحدد لنفسه طريقاً وسلوكاً يوصله إلى تحقيق خيره وكماله، فكانت هناك آراء متعددة وطرق مختلفة، لم يقل أحد إن واحدة منها كاملة والسبب في ذلك أن الذي يريد أن يبين للإنسان أفضل الطرق وأصوبها في تحقيق كماله وخيره وسعادته، ينبغي أن يكون لديه علم كامل بحقيقة الإنسان من كل جوانبه، المادية وغير المادية، وعلم كامل بحقيقة الوجود الذي يحيط به، ما كان منه مدرك بالحواس وما كان غيباً لا تدركه الحواس، وأنّى للإنسان أن يحقق هذا الشرط العلمي الذي لا يتحقق إلا في خالق الإنسان وخالق كل شيء، الله سبحانه وتعالى، "عالم الغيب والشهادة" الذي "يعلم من خلق".
وأيضاً؛ إن الإنسان حين يضع لنفسه طريقاً يسير عليه زاعماً أنه يحقق خير الإنسان وسعادته وكماله فإنه سيتأثر بعدد من العوامل الذاتية، كمصلحته الشخصية، أو مصالح فئته التي ينتمي إليها أو مصالح قومه، أو بأهوائه الشخصية وأفكاره المسبقة وآماله المستقبلية... إلخ، وهذه كلها أمور لن يعرى عنها إنسان مهما اجتهد في التخلص منها؛ فنقص علمه من جهة، ومصالحه وهواه من جهة أخرى يجعلان ما يقترحه من طرق ووسائل لتحقيق خير الإنسان ناقصاً، فضلاً عن الاختلافات العديدة في هذه الاقتراحات. وهذه العيوب الإنسانية ليس يبرأ منها مخلوق على الإطلاق، بل الله سبحانه وتعالى وحده خالق الإنسان وخالق كل شيء وهو البريء من كل هذه النقائض.
هذه المعاني يؤكدها لنا الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في عدد من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً[طه: 98]، وقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: 22]، وقوله: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[الملك: 14]، وقوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء: 82] وغيرها.
لقد بيّن لنا الله سبحانه وتعالى في الدين– الإسلام، أقصر الطرق وأصوبها وأيسرها التي تحقق الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها، وهذان الأمران– الغاية والطريق- عبرت عنهما آيات سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ[الفاتحة: 5]، واهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ[الفاتحة: 6].
بعد بيان عناصر الدين الرئيسية، ووظيفته الكبرى، ننتقل إلى بيان العناصر المكملة لمفهوم الدين( )، والتي لا يكمل أمر الدين بدونها بالرغم من كونها ليست عناصر ذاتية فيه، وهذه العناصر هي:
أ- المبلِّغ الأول للدين، وهو هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ الناس هداية الله سبحانه وتعالى، دين الإسلام، وكان الواسطة– الرسول البشري في تبليغ الدين وتعليمه للناس، بعد الواسطة– الرسول الملك جبريل عليه السلام.
ب- أتباع الدين الذين صدقوا به واتبعوا ما فيه من أوامر وتوجيهات، ووجود أتباع الدين ليس هو الدين في ذاته، ولكن تجسد الدين في الواقع يكون بهم، ومما يؤكد أن الأمرين بالرغم من اتصالهما الوثيق مختلفان ما نردده كثيراً من قولنا إن الإسلام ليس هو المسلمين، وإن الإسلام لا يؤخذ من سلوك أتباعه الذين ينسبون إليه، وفي كثير من الأحيان لا يطبقون تعاليمه. ولكن يبقى أن الدين الذي لا أتباع له لا يؤبه له، ويخرج من تصنيف الأديان.
أما مقاصد الدين فيمكن اختصارها في مقصد رئيس واحد تتفرع منه جميع المقاصد التي تحدث عنها العلماء، هذا المقصد هو الإنسان، وهذا المقصد مرتبط ارتباطاً وثيقاً وعضوياً بوظيفة الدين المتقدم بيانها آنفاً، أقصد الهداية، لأن الهداية هي هداية الإنسان إلى ما يحقق له خيره وسعادته وكماله في الدارين، وكل هذا يتحقق بتحقق الغاية التي خلق من أجلها الإنسان، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وحده. ونوجز فنقول: إن مقاصد الدين مرتبطة بوظيفة (الهداية)، ومرتبطة بالغاية التي خلق الإنسان من أجلها (العبادة)، ومرتبطة بخير الإنسان وسعادته وتحقيق كماله اللائق به كإنسان.
إن نظرة الإسلام إلى الإنسان هي أنه غاية في ذاته، وأنه ليس وسيلة لغاية أخرى، وتأكيد ذلك نجده عند النظر فيما قرره العلماء من مقاصد الشريعة الكلية، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، على اختلاف ما بينهم في ترتيبها( )، فالدين أنزله الله سبحانه من أجل الإنسان، والله الكامل هو الغني غير المحتاج، لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، وإنما المنتفع بالطاعة والمتضرر بالمعصية هو الإنسان، وعلى الأمة وولي الأمر والأفراد المحافظة على الدين وسلامته من التغيير أو التحريف أو اتخاذه تجارة أو غير ذلك من أشكال إفساد الدين، كل ذلك ضروري من أجل الإنسان، أي من أجل أن يحقق الغاية التي خلق من أجلها في أكمل صورها وأسماها وأصوبها وأيسرها؛ وقد يظن الظان أن الحفاظ على الدين من أجل مصلحة لله الخالق الغني الحميد، وليس الأمر كذلك، فالله ليس محتاجاً أو عاجزاً حتى نحقق له مصلحة سبحانه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما الحفاظ على الدين من أجل أن تظل كلمته- وهي الدين- هي العليا، وتظل هدايته هي الهداية التي يسير عليها الناس، والمقصد من ذلك– مرة أخرى- هو الإنسان والمصلحة هي للإنسان.
أما باقي المقاصد (النفس والعقل والنسل والمال)، وحتى المقاصد ذات البعد الاجتماعي التي يرى عدد من العلماء المحدثين إضافتها إلى الضرورات الخمس التقليدية( )، فإنها متصلة بالإنسان، وإن مقصدها هو الإنسان، وهذا من الواضحات التي لا تحتاج إلى بيان.
والآن نقول: إذا كان المقصد الأسنى والأعلى للدين هو الإنسان ليصل إلى خيره وسعادته وكماله الذي حدده له خالقه سبحانه وتعالى، وكان الدين جملة من الآراء الوجودية (العقيدة)، وجملة من الأوامر والنواهي والتوجيهات والضوابط التي على الإنسان تنفيذها ومراعاتها في كل أنواع سلوكه (الشريعة)، وكان ذلك كله مصدره الله الخالق سبحانه وتعالى، الكامل في علمه وقدرته وحكمته وربوبيته للناس ولكل المخلوقات، كانت النتيجة الضرورية لكل هذه الأوصاف والأحوال أن يكون دينه (الإسلام) أكمل الأديان، وهدايته فيه أكمل هداية، ولهذا ما وجد العلماء أن الدين– الإسلام يتصف بعدد من المزايا التي ما كان يمكن أن تكون لولا أن واضع هذا الدين هو الله سبحانه وتعالى، خالق كل شيء ورب كل شيء، فجاء هذا الدين (الإسلام) شاملاً بكل ما تحمله الكلمة من معاني؛ ومتوازناً لا يطغى فيه جانب على آخر، ومتسقاً لا تعارض بين أجزائه، ومتكاملاً تشكل أجزاؤه كلاً ونسقاً لا قصور فيه ولا نقص؛ كما جاء متصفاً بالإيجابية لتحقيق الغاية من خلق الإنسان وليقوم الإنسان بالمهمة التي أنيطت به وهي الخلافة في الأرض؛ وجاء منسجماً مع سنن الله الكونية والاجتماعية والفردية، وجمع الثبات والمرونة في صفة واحدة؛ وجمع المثالية (أي أمثل ما يكون وأكمل ما يكون) مع الواقعية (أي مراعاة الواقع وإمكان تطبيق تعاليمه على أرضه) في صفة واحدة؛ وجاء عقلانياً فيه كل معاني العقلانية النظرية والعلمية؛ وجاء إنسانياً فيه كل معاني الإنسانية من ملاءمة فطرته إلى مراعاة الجانبين الفردي والجماعي إلى ملاءمته ومخاطبته للناس جميعاً وإلى إنسانيته في النظر إلى الإنسان على أنه غاية في ذاته.
   كل هذه المزايا جعلت من دين الإسلام خير الأديان، وهدايته خير هداية، فكان أن امتاز بكل هذه الخصائص بميزة جامعة هي الوسط، التي تعني في مجمل معانيها خير الأمور وخير الأحوال والأوضاع، أي إن خاصية الوسط في معناها العام أكمل ما يمكن أن يكون عليه الدين، في جانبه النظري (العقيدة) وفي جانبه العملي (الشريعة) ( ).
  وما كان الإسلام ليوصف بصفة الوسط – أي خير الأمور- لولا وجود أديان وهدايات وآراء وأحوال وأوضاع مختلفة كلها ليست خير الأمور، وليست هي الأكمل والأمثل إن لم تكن فاسدة أو باطلة، فجاء الإسلام بالهداية الحق التي ستكون أي هداية غيرها ومخالفة لها واقعة في دائرة الباطل.
   لقد رأى الحكماء قديماً ومعهم عامة الناس أن طريق الحق والعدل واحد، وأن طرق الباطل والظلم عديدة يصعب حصرها، ومصداق ذلك الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله والذي قدّم فيه رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم تمثيلاً حسياً واضحاً للهداية الحق، التي هي الصراط المستقيم، الطريق الذي أراده الله ليسير عليه عباده، والطرق الأخرى التي لا تحقق الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وذلك حين خط خطاً، وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط وقال: "هذا سبيل الله ثم تلا قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ[الأنعام: 153].
  لقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم "سبيل الله" وطريقه وهدايته في مكان وسط بين السبل الأخرى، بعضها عن يمينه وبعضها عن شماله، بمعنى أنها خير السبل والطرق وأكملها، وإن كان يمكن أن يفهم من هذا التمثيل دلالات أخرى كالإفراط والتفريط.
 هذا التمثيل النبوي الشريف يشير بوضوح إلى مفهوم الوسط، الذي هو خير الأمور وأفضلها. لقد جرى العديد من العلماء قديماً وحديثاً على توضيح الوسط بأنه يقع في حالة أو وضع بين طرفين مذمومين، الإفراط والتفريط، وهذا المعنى صحيح بشكل عام، لكن تمثيل رسولنا صلى الله عليه وسلم يشير إلى معنى أكثر دقة من هذا، وهو أن الوسط هو خير الأمور وأفضل الأحوال والأوضاع من بين أمور وأحوال وأوضاع متعددة، وليس فقط هو الأفضل بين حالتين فحسب.
  وقد نقول في جعل الر أي القائل بأن الوسط يكون بين طرفين قريباً من الرأي المستنبط من تمثيل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هو أن في كل من الطرفين الذميمين عدة أوضاع وأحوال، فالطرف المذموم ليس حالة واحدة أو وضعاً بعينه، في حين أن الوسط هو حال واحد ووضع واحد هو الأفضل والأمثل، وهو خير الأوضاع والأحوال والأمور.
نريد أن نصل من هذه التحليلات إلى القول بأنه إذا كانت مقاصد الدين تريد أن تجعل الإنسان هو الغاية في ذاته ليصل إلى خيره وسعادته وكماله، فإن تحقيق هذه المقاصد لا يمكن أن يتم على أكمل صورة إلا إذا كانت وسائل تحقيق هذه المقاصد ومضامينها هي أكمل الوسائل والمضامين وأفضلها من كل ناحية، وهذه الوسائل والمضامين هي الدين وما جاء فيه من اعتقادات وأمر ونهي، فصار لا بدّ أن يكون مضمون الدين هذا هو الوسط، أي الأفضل والأكمل. وصار اتِّباع هذا المضمون وتجسيده في سلوك الإنسان هو الوسطية، وعليه يمكن القول إن الوسطية (أي اتباع وتطبيق الوسط) هي المنهج الأفضل والأكمل الذي بالسير عليه يتحقق خير الإنسان وسعادته وكماله، وتتحقق الغاية التي خلق من أجلها؛ ولهذا رأينا عالماً بارزاً من علماء الأمـة، وهو الإمام الشاطبي، يقرر هذا المعنى بقوله: "الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع"( ).
  أي إن السير على منهج الوسطية (الحمل على التوسط) ليس مقصد الشارع من الدين، وإنما هو المنهج الموافق والمناسب لتحقيق مقاصد الدين ومقاصد الشارع منه.
وإذا كان منهج الوسطية هو المنهج المحقق لمقاصد الدين، وكان ما في الدين هو الأفضل والأكمل (أي الوسط)، وكان ما في الدين بعضه صريح في وضوحه وقطعيته، وبعضه غير قطعي في دلالته ووضوح معانيه، صار لا بدّ من مزيد توضيح لمنهج الوسطية، فنقول: 
ما جاء في الدين واضحاً صريحاً قطعياً لا مجال للاختلاف في أنه هو الوسط، أي هو الأفضل والأصوب والأكمل، والوسطية هي في اتباعه وتطبيقه في حياتنا وسلوكنا. وهذا الجانب لا خلاف بين علماء الأمة حوله. 
   أما ما جاء في الدين غير قطعي الدلالة، فقد ترك الله سبحانه وتعالى أمر فهمه واستنباط مراد الله منه إلى العلماء، والذي حدث ويحدث أن العلماء يختلفون في نتائج استنباطاتهم وطريقة فهم كل منهم لهذا النوع من نصوص الدين، وأسباب اختلافهم معروفة لدى أهل العلم، وهي اختلافات مشروعة، لكل منها ما يبررها، والنقطة التي أريد التذكير بها هنا، هي أن اجتهادات العلماء في فهم وبيان مراد الله لا يكون قطعياً، وإنما هو الظن الراجح عند صاحبه، ولذلك أسباب عدة، أهمها أن مراد الله على وجه اليقين والقطع في مثل هذه النصوص غير ممكن لأي عالم مجتهد، ولا يعلمه بهذا الوصف إلا الله سبحانه وتعالى واضعه ومنزله، ولذلك كان أهل العلم يقولون عبارتهم المشهورة: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهذا معنى الظن، ويلزم من ذلك أن الذي يجزم بأن رأياً اجتهادياً معيناً هو مراد الله يقيناً وهو وحده المعبر عن ذلك، سيكون قد وقع في الخطأ من الناحيتين العلمية والشرعية، وسيكون من حيث المنهج قد وقع في التعصب والتطرف.
   والسؤال المهم هنا كيف يكون الفهم الوسط (أي الاجتهاد الوسط) وكيف تكون الوسطية المرتبطة بهذا الجانب من الدين؟ في بداية الإجابة عن هذين السؤالين نقول: إنه لا بدّ من وجود قواعد موجهة وأخرى ضابطة حتى لا يصير أمر الفهم والاجتهاد عشوائياً أو وفقاً للأهواء والمصالح الشخصية أو الفئوية أو غيرها.
  أما القواعد الموجهة فهي بالضرورة – كما يرى الكثيرون- مرتبطة بمقاصد الدين، وهي مقاصد أصل وضعها من عند الله اللطيف الخبير، فحين تكون هي الموجهة لاستنباط المستنبطين لمراد الله من نصوص الدين، فإن النتائج لا بد أن تأتي على مذاق المقدمات – كما يقول أهل المنطق- إذا كانت خطوات الاستنباط سليمة، وهذا يوصلنا إلى الآراء والأحكام الوسط، ويوصلنا بتطبيقها إلى الوسطية.
  ومن القواعد الموجهة بجانب المقاصد، معرفة مرادات الله العامة من العباد، والمزاوجة بينها وبين مقاصد الدين، وقد ورد في الدين بيان لبعض هذه المرادات في آيات كريمة، منها على سبيل المثال قوله تعالى: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة: 185]، وقوله: وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ[آل عمران: 108]، وقوله: يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً[النساء: 28]، وقوله: وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: 27]، وقوله: مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ[المائدة: 6]، وقوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]، وغير ذلك من الآيات الكريمة لمن أراد الاستقصاء.
ويضاف إلى الآيات المبينة لمرادات الله في الدين من العباد، الآيات التي تبين ما يحبه الله ويرضاه، ومعها الآيات التي تبين ما لا يحبه الله وما يغضبه، فهذه إذا جرى اعتبارها، فإنه يمكن إدراجها ضمن القواعد الموجهة للاستنباط بجانب اعتبار مقاصد الدين، فما يريده الله سبحانه هو الأفضل وهو الوسط، وكذلك ما يحب الله من عباده فعله هو الأفضل وهو الوسط.
ودون الدخول في التفاصيل– والموضوع متشعب التفاصيل- نجمل فنقول: إن اعتبار القواعد الموجهة المشار إليها آنفاً يساعدنا في الوصول إلى الآراء الوسط والأحكام الوسط.
أما القواعد الضابطة التي تعين على الفهم الوسط (الأفضل والأقرب من مراد الله سبحانه)، فهي لكي تمنع أي فهم أو اجتهاد بعيد عن الوسط، ومن هذه القواعد المعروفة عدم مخالفة أو معارضة أي فهم أو اجتهاد لما هو محكم من نصوص الدين، لأن المحكم يمثل مراد الله سبحانه وتعالى على وجه القطع، فهو حق وصدق، فإذا جاء فهم أو رأي يخالف هذا الحق والصدق كان لا بدّ من الجزم- وفقاً لقوانين العقل الفطرية– بأنه باطل وكذب، فهما لا يصدقان معاً.
  ومن القواعد الضابطة أيضاً أن لا يعارض الفهم أو يخالف مقاصد الدين، فإن مخالفة الفهم لمقاصد الدين التي هي مراد الله سبحانه من الدين تعني أن الفهم أو الاجتهاد قد انصرف إلى مقاصد أخرى غير مقاصد الدين، وحين يحدث ذلك يكون أصحاب هذا الفهم أو الاجتهاد قد ابتعدوا عن الوسط الذي هو مراد الله  إلى مرادات أخرى بشرية، فابتعدوا عندها عن الوسط.
وهناك ضابط داخل من القواعد الموجهة وفي كل عمليات الفهم والاستنباط، وهو أيضاً معين عليها، وذلك هو: قوانين العقل الفطرية التي اكتشفها العلماء، ومارسها الناس قبل اكتشافها وبعده، وهي القوانين التي بينها علم المنطق( )، فعدم معارضة الاستنباطات الاجتهادية– لفهم مراد الله من النصوص الدينية غير القطعية– لقوانين العقل يحول دون الوقوع في الخطأ من جهة، ويعين على أن تكون النتائج المستنبطة أقرب ما يكون إلى الوسط. وللإمام الشاطبي في هذا المعنى كلام دقيق وموجز يقول: "كل معنى لا يستقيم مع الأصول الشرعية والقواعد العقلية لا يعتمد عليه"( )، وقد عبّرنا عن الأصول الشرعية بالجانب المحكم من الدين، أما القواعد العقلية فلا خلاف فيها بين غالبية العلماء.
  وهكذا نرى أن تحديد الوسط في الجانب غير القطعي من الدين يحتاج إلى تطبيق للقواعد الموجهة والقواعد الضابطة التي ذكرناها آنفاً (دون دخول في التفصيلات)، وأن منهج إدراك الوسط ومعرفته مرتبط بالدرجة الأولى بمقاصد الدين التي يمكن أن يندرج فيها دون تكلف ما أشرنا إليه من مرادات الله العامة، ومن محبوباته.
   ومن المسائل التي تحتاج إلى إشارة تزيد منهج الوسطية وضوحاً، مسألة اختيار الرأي أو الحكم الاجتهادي الأقرب إلى الوسط؛ هنا سنجد – بالإضافة إلى ما سبق ذكره من قواعد موجهة وقواعد ضابطة – أن علينا اللجوء إلى معيار إجرائي مرتبط بمقاصد الدين، وتطبيق هذا المعيار يكون بالنظر في الآراء الاجتهادية المتاحة ثم اعتبار كل منها بالمقاصد الدينية التي يحققها تطبيقه، فالرأي أو الحكم الذي يحقق عدداً أو قدراً أكبر من مصالح الدين سيكون هو الأقرب لمراد الله وأقرب في الوقت نفسه للوسط، وسيكون تطبيقه والسير عليه أو بموجبه تطبيق لمنهج الوسطية، وقد تحدث العلماء عن قاعدة فقهية تجمع بشكل عام كل مقاصد الدين وهي أن مقصد الدين هو "جلب المصالح ودفع المفاسد" الإنسانية، ومعلوم أن دفع المفسدة هو بصورة غير مباشرة وفي نهاية التحليل جلب مصلحة، وعليه فإنه في تطبيق المعيار الإجرائي المشار إليه آنفاً، علينا أن لا ننظر إلى المصالح المباشرة التي يجلبها الرأي أو الحكم الاجتهادي، وإنما أن ننظر كذلك إلى المصالح غير المباشرة، وأعني بها المفاسد التي يدفعها هذا الرأي أو الحكم.
والحق أن هذه العملية المنهجية للوصول إلى الرأي أو الحكم الوسط (أي الأفضل) هي عملية دقيقة تحتاج من المجتهد إلى إتقان آليات عدة، منها الفهم الواعي للقواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء وربطها بالمقاصد الكلية للدين والمقاصد الجزئية، ليكون الحكم في النهاية متسقاً مع مقاصد الدين وروحه العامة.
   رأينا فيما تقدم أن الإسلام هو دين الوسط، لأنه من عند الله خالق الإنسان، فما فيه من آراء اعتقادية هو الأصوب، وما فيه من آراء عملية، سواء أكانت في صورة مبادئ وقواعد أو في صورة أوامر ونواهي مباشرة هي الأكمل، ولأنها كذلك وصفت بأنها الوسط، فالوسط هو الأمثل والأكمل وما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان، فالوسط مثالي بهذا المعنى، لكن هذا الوسط المثالي واقعي في الوقت نفسه– كما تقدمت الإشارة- أي هو قابل للتطبيق في حياة الإنسان، فهو ملائم لفطرته وتطبيقه في حدود طاقته ووسعه، والدين – الإسلام دين عمل، والله أنزله ليتبع الناس ما فيه من هدى بالعمل، وقد أطلقنا مصطلح الثقافة الإسلامية على المعرفة بما هو مطلوب من الإنسان فعله في تعامله في هذه الحياة الدنيا مع الوجود في جوانبه المختلفة، فالثقافة الإسلامية هنا هي التطبيق العملي للدين، أي هي تجسيد الوسط في السلوك والحياة، فتصير الثقافة الإسلامية هي مجال ظهور وتجلي الإسلام الوسط، ومجال تطبيق منهج الوسطية، فإنه إذا لم تتجسد الآراء الوسط في سلوك الأمة، أفراداً وجماعة، فإن الدين سيكون مهجوراً، ولا أثر له في حياة الناس، والإسلام اليوم يعاني شيئاً من الهجران من قبل المسلمين، ونرى أن الوعي بحقيقة الثقافة الإسلامية يخلق عند المسلمين حبّ هذه الثقافة والاعتزاز بها والحرص على تطبيقها ، كما تتحقق مقاصد الدين من خلالها وبها.
   ولا بدّ لنا من مزيد بيان لحقيقة الثقافة الإسلامية ونظرتنا الجديدة والمحددة والمميزة لها، فنبدأ بتعريف الثقافة الإسلامية– كما نراها وكما نحبّ أن يفهمها الآخرون- ولأن الثقافة الإسلامية هي ثقافة منسوبة إلى الإسلام؛ سأبدأ بتعريف الثقافة بعامة (أو بإطلاق)، ثم بعد ذلك أعرّف الثقافة الإسلامية بإضافة عبارات مخصصة إلى التعريف العام. وقبل تقديم تعريفاتنا هذه أقول: إن مصطلح الثقافة مصطلح جذاب ومضلل، فجاذبيته تبدو في استخدامات اللفظ في سياقات المدح ووصف الجوانب الإيجابية، أما التضليل فيأتي من كثرة التعريفات المطروحة للمصطلح، ومن حديث الكثيرين عن الثقافة دون تحديد المعنى المقصود لهذا المصطلح، معتبرين أن معناه أمر واضح لكل أحد، لا اختلاف بين الناس في تصور معناه، في حين أن واقع الحال أن كل واحد يتحدث عن معنى مختلف في الغالب- كثيراً أو قليلاً- عن المعنى الذي يتحدث عنه الآخرون.
   من هنا حرصنا أن نحدد معنى الثقافة والثقافة الإسلامية ونوضحها، الأمر الذي ييسر أمر استثمار معنى المصطلح وإدراك علاقاته، ونبدأ بتعريف الثقافة (بعامة): 
الثقافة معرفة عملية مكتسبة تنطوي على جانب معياري، وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي في الحياة الاجتماعية في تعامله مع الوجود (بأجزائه المختلفة).
ويحتاج التعريف إلى شرح وتوضيح، فنقول: 
1- الثقافة (في هذا التعريف) معرفة في المحل الأول، والمعرفة لفظ عام يشير إلى كل ما يعرفه الإنسان، نوعاً أو فرداً، من معلومات حول كل الموضوعات التي يزخر بها هذا الوجود أو بعضها، فلفظ المعرفة يطلق على المعرفة كلها ويطلق على الجزء منها وإن كان محدوداً. وأبسط صور المعرفة أن تكون خبراً واحداً، أو معلومة واحدة، عن موضوع واحد. ويكون في العادة حول الموضوع الواحد أخبار عديدة أو معلومات عديدة. وكل شيء في هذا الوجود جليلاً كان أم حقيراً، مادياً كان أم معنوياً، يمكن أن يكون موضوعاً لمعرفة ما. على أنه يحسن أن نلاحظ أن امتلاكنا لمعرفة حول موضوع ما أو أكثر، لا يعني بالضرورة أن تكون هذه المعرفة صادقة وتامة، فقد يكون لدينا معرفة حول موضوع ما، لكنها معرفة غير صادقة أو ناقصة. 
  ونرى من المناسب هنا أن نشير إلى أن العلم يشير إلى معلومات عن موضوعات- مثله في ذلك مثل المعرفة– لكنْ هناك فرق بين المعرفة والعلم، وهو أن المعرفة تحتمل الصدق أو الكذب، في حين أن لفظة علم تشير إلى المعرفة التي تم التحقق من صدقها، فلا يقال لمعرفة ما بأنها علم إلا إذا كانت قضاياها صادقة؛ وعليه، فكل علم معرفة وليست كل معرفة علماً. 
2- والثقافة معرفة عملية، وتصنف المعرفة إلى قسمين: المعرفة النظرية، وهي تلك المعرفة التي تكون الغاية من اكتسابها الوقوف على حقائق الأشياء. أما القسم الثاني فهو: المعرفة العملية، وهي المعرفة التي يقصد بها العمل أو الفعل أو السلوك أو التطبيق، فالفرق في الغاية هو الذي يحدد لنا الفرق بين نوعي المعرفة هذين: النظرية والعملية. 
3- والثقافة معرفة عملية مكتسبة، أي يحصل عليها الإنسان بعد أن لم تكن موجودة لديه، ويكتسب الإنسان هذه المعرفة بطرق الاكتساب المختلفة. 
  والمعرفة المكتسبة تقابل المعرفة الفطرية، فالثقافة ليست معرفة يولد الإنسان مزوداً بها، فذلك يكون غريزة وفطرة، لكنه يكتسبها شيئاً فشيئاً، ويظل الإنسان قادراً على اكتساب المعرفة، نظرية كانت أم عملية، من المهد إلى اللحد.
4- والثقافة معرفة عملية مكتسبة تنطوي على جانب معياري، والمقصود بالجانب المعياري، هنا هو وجود حالة يقاس في ضوئها حال الثقافة قرباً أو بعداً، تقدماً أو تخلفاً، أي وجود معيار، وهذه الحالة المعيارية لأي ثقافة هي بمثابة الهدف الذي يسعى الأفراد والجماعات للوصول إليه والاقتراب منه ما أمكن، فهي بمثابة الصورة المثلى والأكمل لما ينبغي أن يكون عليه واقع الثقافة. 
   الحالة المعيارية للثقافة، تكون مضمرة في أحكامنا التي نطلقها عندما نقول: هذا المجتمع متقدم ثقافياً أو متخلف ثقافياً، أو نقول مثل هذا عن فرد ما؛ إن مثل هذا الحكم لا يكون له معنى البتَّة إذا لم يكن في ذهننا هذه الحالة المعيارية (المعيار) التي أصدرنا حكمنا في ضوئها. 
5- والثقافة معرفة علمية مكتسبة تنطوي على جانب معياري، وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي، ذلك أنه إذا كانت لدينا المعرفة المشار إليها آنفاً، مدونة في الكتب والصحائف أو مخزونة في الأذهان، فإن ذلك – وإن كان ضرورياً لكي نصل إلى الثقافة بالفعل– لا يكفي حتى نقول: إننا مثقفون وإن لدينا ثقافة، فهذا الأمر حتى يصل إلى تمامه لا بد أن يظهر جلياً واضحاً في سلوك الإنسان، فرداً وجماعة، فما نفع أو جدوى معرفة غير قابلة للتطبيق أو مرشدة إلى عمل ولا تطبق أو يعمل بموجبها؟. 
   وهذا السلوك ينبغي أن يكون سلوكاً واعياً، وهو الذي يقوم به صاحبه وهو يعرف معرفة تامة هدف هذا السلوك والغاية التي ستتحقق من وراء القيام به، ويعرف أن الطريق أو المنهج الذي يسير عليه والوسائل التي يستخدمها والأفعال التي سيؤديها تقود كلها إلى تحقيق هذا الهدف. والحق أن هناك درجات في هذا الوعي، لأنه مرتبط بمدى المعرفة التي يمتلكها الإنسان الذي يمارس السلوك. 
6- هذا السلوك الواعي سلوك اجتماعي، أي سلوك يقوم به الإنسان في المجتمع خلال ممارسته لحياته الاجتماعية وقيامه بالدور المنوط به فيها، فنحن في الثقافة لا نتحدث عن سلوك إنسان متوحد يعيش منعزلاً عن الناس والمجتمع في وسط صحراء أو على جزيرة منعزلة، وهذا السلوك الاجتماعي (الثقافة) يظهر في المجتمع على مستوى الفرد كما يظهر على مستوى الجماعة، فهناك ثقافة فردية وثقافة مجتمعية. 
7- والإنسان في هذه الحياة الاجتماعية التي يعيشها في مجتمع ما، يتعامل– في كل ما يصدر عنه من أنواع السلوك- مع الوجود الذي يحيط به والذي هو جزء منه. 
ونحتاج هنا إلى توضيح المقصود بلفظ الوجود، هذا الذي لا مفر للإنسان من التعامل معه، فنقول: إن لفظ وجود لفظ عام جداً، بل هو أعظم الألفاظ وأوسعها دلالة، فهو يشير إلى كل شيء موجود سواء أكان وجوده مادياً حسياً، أي يدرك بالحواس، أم كان وجوده روحياً أو غير مادي، أي لا يمكن إدراكه بالحواس، ولفظ وجود عند غالبية المفكرين من الألفاظ البديهية المعنى الواضحة بذاتها التي لا تحتاج إلى توضيح، ولا توجد ألفاظ أخرى أوضح وأبسط منه لكي توضحه، بل يوضِّح به غيره من الألفاظ، ولذلك فإن المرء حين يحاول توضيح دلالة لفظ وجود يجد نفسه يوضح اللفظ بنفسه، إذ يضطر إلى استخدام اللفظ نفسه أو لفظاً مشتقاً منه، وذلك لبداهة معناه ووضوحه في الأذهان، وهكذا فلفظ الوجود لفظ واسع الدلالة لشموله كل الموجودات وانطباقه كوصف على كل موجود منها، فنحن نقول عن الله سبحانه وتعالى، خالق كل شيء، إنه موجود، ونقول عن الإنسان إنه موجود، ونقول عن البعوضة وما هو أدنى قدراً من ذلك إنها موجودة. 
ولسعة دلالة هذا اللفظ لجأ المفكرون والفلاسفة منذ القدم إلى تقسيم الوجود( ). إلى أقسام مختلفة ليسهل عليهم بعد ذلك البحث عن حقيقة الوجود والتعرف عليه. 
وقد لجأنا إلى قسمة الوجود مستمدة من القرآن الكريم، وهي قسمته إلى قسمين رئيسين هما: 
- الخالق، وهو الله سبحانه وتعالى:ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(سورة الأنعام، الآية 102). والخالق واحد أحد لا كثرة فيه، فهو كما عبر القرآن الكريم في قوله تعالى:قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(سورة الإخلاص، الآية 1). 
ولذلك فالخالق لا أجزاء فيه ولا أنواع، كما هو حال المخلوقات، تعالى الله عن مشابهة المخلوقات علواً كبيراً. 
- المخلوقات، وهي كل الموجودات باستثناء الخالق، سواء أكانت هذه الموجودات من عالم الشهادة، أي العالم الذي يمكن أن يشاهد أو يدرك بالحواس، أو كانت من عالم الغيب الذي لا يمكن للإنسان، في حياته الدنيا هذه، أن يدركه إدراكاً حسياً. 
وهذه المخلوقات كثيرة جداً لدرجة يصعب جداً على الإنسان، إن لم نقل يستحيل عليه، أن يحصيها، لكن الممكن للإنسان هو قسمتها إلى أقسام كبيرة، وتصنيفها في أجناس أو أجزاء واسعة، وقد اخترنا قسمة للوجود في جانب المخلوقات، تساعدنا في بحثنا في أمر الثقافة، وهي قسمة المخلوقات إلى ما يأتي: 
• الذات، ويقصد بها جملة وجود الكيان الفردي، وهي ما يشير إليه ضمير المتكلم: أنا، فحين يقول الإنسان: أنا، فإنه يفرد ذاته عن بقية الذوات الأخرى في العالم بأسره. 
• الآخر، ونقصد به جميع أفراد النوع الإنساني ما عدا الذات (الفردية)، وهذا جانب واسع جداً ذلك أن الآخر يكون ذاتاً فردية أو جماعة، والأخيرة فيها دوائر متداخلة ابتداءً من أصغرها وهي دائرة الأسرة، فدائرة الأقارب والأرحام، فدائرة الجوار، فدائرة المجتمع المحلي، فدائرة المجتمع – الدولة، فدائرة المجتمع الدولي فالمجتمع الإنساني. 
• الكون الطبيعي، أو الطبيعة، ويشمل هذا الجزء الكون المادي الذي نعيش فيه بما فيه من أجرام سماوية ومجرات فلكية، وبطبيعة الحال فإن أهم جزء للإنسان في هذا الكون الطبيعي هو الأرض التي يعيش عليها، فهي مكان استقراره، وهي الأقرب إليه، والغالبية العظمى من تعامل الإنسان مع الكون الطبيعي هو مع هذه الأرض وما فيها من جمادات ونباتات وحيوانات وما فيها من بحار وأنهار وجبال وأودية، وغير ذلك من مما يصعب حصره. 
• الوسائل والأدوات، وتشمل كل ما استعان به الإنسان أو ابتكره وأنجزه من وسائل وأدوات وأجهزة استخدمها في حياته وتعامله مع جوانب الوجود المختلفة، ويدخل في ذلك المنجزات التي تؤدي وظيفة محدودة بوقت قصير أو التي تبقى زماناً طويلاً بعد منجزيها، وهذه تقسم إلى طبيعية وصنعية، الأولى مثل: الأنهار والبحار والجبال والشمس والقمر وغيرها من الموجودات الطبيعية التي استعان بها الإنسان في قضاء حاجاته، والثانية مثل: الطرق والجسور وآلات السلم والحرب والمواصلات وغيرها. 
 الأفكار، ومحلها في الدرجة الأولى الذهن، ويمكن التعبير عنها باللفظ أو الكتابة، وهي في جوهرها وجود، لكنه وجود غير مادي، ويدخل في هذا الجانب العلوم المختلفة والتراث الفكري لنا وللحضارات الأخرى فضلاً عن الأفكار المعاصرة المتداولة، وهذا مجال واسع متعدد الحقول والفروع، بتعدد العلوم وفروعها والتخصصات في كل فرع منها. 
• الزمن، وهو أمر ملازم للوجود بعامة، وله ارتباط بالحركة وبالشعور النفسي، وبرغم اختلاف المفكرين في حقيقة الزمن، إلا أن هناك إجماعاً على أن في الزمن: الماضي والحاضر والمستقبل، وأن الزمن لا غنى عنه في تنظيم أمور حياتنا. 
• الغيب، وهو كل وجود لا يمكن للإنسان أن يدركه إدراكاً حسياً البتة، والغيب جزء من كيان الإنسان ذلك أن فينا جانباً غيبياً داخلاً في صميم كياننا هو ما يطلق عليه اسم الروح أو أحياناً النفس، ثم إن علة وجود الكون غيب، ولا بد للإنسان حتى يعرف حقيقة نفسه وحقيقة الكون من معرفة هذا الغيب، إذ إن تجاهل الغيب يؤدي إلى قصور في الفهم والتفسير للإنسان والكون، ومن الغيب الملائكة والجنة والنار والعرش والقلم واللوح المحفوظ وغير ذلك مما عرفناه من خلال الوحي الإلهي. 
 أجزاء الوجود هذه كلها يتعامل الإنسان معها في حياته، فهو يتعامل مع الموجود الأكمل جلَّ وتعالى، خالق الوجود، ويتعامل مع أجزاء الوجود المخلوق المذكورة آنفاً، ولا ينفك إنسان عن ذلك طوعاً أو كرهاً. 
  إن كل جزء من هذه الأجزاء يشكل مجالاً يمكن الحديث عن الثقافة المرتبطة به، سواء في صورة مجملة أو في صورة مفصلة. 
  لعله قد أصبح واضحاً أن جوهر الثقافة لدينا هو تعامل الإنسان مع الوجود في ضوء معرفة عملية معيارية.

الثقافة العامة والثقافة الخاصة 
   إن التعامل مع جوانب الوجود كلها على نحو مفصل أمر لا يستطيعه الفرد الواحد، لكن الإنسان من حيث هو نوع، أي النوع الإنساني بأسره يستطيع أن يتعامل مع الوجود على نحو مفصل حيث يقوم كل فرد في هذه الحياة بالتعامل مع جانب أو جزء من الوجود، ويكون هذا الجزء في أغلب الأحيان صغيراً ومحدداً جداً بالنظر إلى الوجود أو إلى قسم منه مثل الكون الطبيعي. 
  ويتصل بهذا الأمر أمر آخر، وهو أن المعرفة العملية بكيفية التعامل مع جميع جوانب الوجود كلها على نحو مفصل أمر غير ممكن أن يحصله فرد واحد من الناس، وإنما الذي يمكن أن يحدث فعلاً، هو أن يلمّ المرء بالمعرفة العملية المتصلة بالتعامل مع كل أجزاء الوجود الرئيسية– التي قسمنا الوجود إليها فيما تقدم آنفاً- على نحو مجمل عام يشمل المبادئ والقواعد الكلية والضوابط والمنطلقات دون الدخول في التفاصيل إلا على سبيل المثال، فهذا من جهة أمر ممكن، ومن جهة أخرى فإن ما نراه فعلاً في الواقع هو أن الإنسان يركز على المعرفة العملية المتعلقة بالتعامل مع جزء محدد من الوجود ويحاول أن يعرفه على نحو مفصل، ويكون هذا التعامل في أغلب الأحوال عبارة عن المهنة التي يمارسها الإنسان في حياته. 
هذا التوضيح يقودنا إلى وضع مصطلحين فرعيين في الثقافة هما: الثقافة العامة والثقافة الخاصة. 
  فالثقافة العامة: هي معرفة عملية مكتسبة، تنطوي على جانب معياري وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي في تعامله في الحياة الاجتماعية مع الوجود، وعلى نحو مجمل يشمل المنطلقات والأسس والمبادئ العامة والقواعد الكلية والضوابط. فتعريف الثقافة العامة هو تعريف الثقافة بعد أن أضيفت إليه عبارة مخصصة ليشير إلى هذا المستوى العام من الثقافة. 
أما الثقافة الخاصة فهي: معرفة عملية مكتسبة، تنطوي على جانب معياري وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي في تعامله في الحياة الاجتماعية مع جزء محدد من الوجود. 
فتعريف الثقافة الخاصة هنا هو أيضاً تعريف الثقافة مضافاً إليه عبارة مخصصة لتشير إلى هذا المستوى الخاص في الثقافة.
  بعد أن انتهينا من تعريف الثقافة بإطلاق، أصبح من الممكن أن نقدم تعريفاً للثقافة الإسلامية مستنداً إليه وذلك بإضافة عبارة مخصصة تبين نسبة الثقافة إلى الإسلام، وفيما يلي تعريفنا هذا للثقافة الإسلامية: 
الثقافة الإسلامية هي معرفة عملية مكتسبة، تنطوي على جانب معياري مستمد من شريعة الإسلام ومؤسس على عقيدته، وتتجلى في السلوك الواعي للإنسان (فرداً وجماعة) في تعامله في الحياة الاجتماعية مع الوجود (أي مع الخالق والمخلوقات). 
   واضح مما تقدم أن الاختلاف بين تعريف الثقافة بإطلاق وتعريف الثقافة الإسلامية هو زيادة العبارة المخصصة في الأخير، وهي: مستمد من شريعة الإسلام ومؤسس على عقيدته، حيث بينت هذه العبارة المصدر الأساسي للجانب المعياري في الثقافة الإسلامية، وهو الشريعة الإسلامية (ونقصد بها الجانب العملي من الدين)، كما بيَّنت الأساس الذي تستند عليه هذه الثقافة وهو العقيدة الإسلامية. 
  من هنا يبدو جلياً الصلة الوثيقة بين الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي (عقيدة وشريعة)، فهذه الصلة تصل إلى حد التلازم والتلاحم، لأنها إلى الإسلام انتسبت تأسيساً على عقيدته واستمداداً من شريعته. 
  ولعل قائلاً يقول: إن الثقافة الإسلامية ستكون– في ضوء هذا التوضيح– لفظاً مرادفاً للإسلام، فنقول في الجواب عن ذلك: حقاً إن الصلة وثيقة جداً بين الثقافة الإسلامية والإسلام، لكن ذلك لا يعني أنها هو، أو أنه هي على وجه التطابق الكامل، فالثقافة الإسلامية "معرفة عملية..." لذا فهي تهتم بالعمل التطبيقي والسلوك وتركز عليه، ولذا كانت هي والشريعة الإسلامية من الأمور المتلازمة والمتشابهة والمتقاربة، إذ غاية الشريعة عملية أيضاً، لكنهما ليستا متطابقتين أو مترادفتين في الدلالة، ذلك أن هناك اختلافاً يمنعنا من الناحية المنهجية، أن نقول إنهما أمر واحد، وهو أن الشريعة الإسلامية هي التي تزودنا بالأحكام العملية الشرعية لأنواع السلوك المختلفة التي نقوم بها، مع أنها أحيانا تبين لنا كيفية العمل، أما الثقافة الإسلامية فهي التي تزودنا بالكيفية أو الصورة العملية للسلوك المنسجم مع أحكام الشريعة، دون أن تكون مهمة الثقافة الإسلامية تقديم الأحكام الشرعية. 
  ثم إن قولنا بأن الثقافة الإسلامية مؤسسة على العقيدة الإسلامية لا يعني بطبيعة الحال أن الثقافة الإسلامية هي والعقيدة شيء واحد، فأساس الشيء ليس هو الشيء نفسه، وصلة الثقافة الإسلامية بالعقيدة الإسلامية شبيهة إلى حد كبير بصلة الشريعة الإسلامية بالعقيدة الإسلامية. 
فإذا كانت الثقافة الإسلامية ليست لفظاً مرادفاً للشريعة الإسلامية وليست لفظاً مرادفاً للعقيدة الإسلامية، فإننا نستطيع القول بأن الثقافة الإسلامية ليست لفظاً مرادفاً للإسلام  أو مطابقة له تمام المطابقة، برغم ما تقدم توضيحه من وجود صلة وثيقة متلاحمة بينهما. 
وكما أن في الثقافة بعامة مستويين: مستوى الثقافة العامة ومستوى الثقافة الخاصة، فكذلك الأمر في الثقافة الإسلامية؛ 
  فهناك ثقافة إسلامية عامة، يمكن تحديدها بأنها: معرفة عملية مكتسبة تنطوي على جانب معياري مستمد من شريعة الإسلام ومؤسس على عقيدته، وتتجلى في السلوك الواعي للإنسان (فرداً وجماعة) في تعامله في الحياة الاجتماعية مع الوجود بأجزائه المختلفة في صورة مجملة عامة تشتمل على المنطلقات والأسس والمبادئ العامة والقواعد الكلية والضوابط. 
  وهناك ثقافة إسلامية خاصة، ويمكن تحديدها بأنها: معرفة عملية مكتسبة تنطوي على جانب معياري مستمد من شريعة الإسلام ومؤسس على عقيدته، وتتجلى في السلوك الواعي للإنسان (فرداً وجماعة) في تعامله في الحياة الاجتماعية مع جزء محدد من الوجود. 
  وفي هذا المقام، سنكتفي بالإشارة إلى ما أطلقنا عليه مصطلح مجالات الثقافة الإسلامية، وهي نفسها المجالات التي قسمنا الوجود إليها، وعليه تكون لدينا في الثقافة الإسلامية مجالات يمكن الحديث عن ثقافة إسلامية فيها حديثاً مجملاً وحديثاً مفصلاً، فيكون لدينا: 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الذات. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الآخر. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الكون الطبيعي. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الأفكار. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الأدوات والوسائل. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الزمن. 
- ثقافة إسلامية في التعامل مع الغيب. 

  ولعله من الواضح أن الحديث عن الثقافة في كل مجال من هذه المجالات إن كان يتعلق بالمبادئ والقواعد والأسس والضوابط في التعامل فذاك داخل في الثقافة العامة، وإن كان الحديث متعلقاً بكيفية التعامل مع جزء محدد من أي من هذه المجالات فذاك هو الثقافة الخاصة في التعامل مع هذا الجزء المحدود. 
  بعد أن أوضحنا حقيقة الثقافة الإسلامية، وأنها في جوهرها تبين كيفية تعامل الإنسان مع كل جوانب الوجود وفقاً لمعايير وضوابط مستمدة من الشريعة الإسلامية، نريد أن نبين صلة هذه الثقافة الإسلامية بمقاصد الدين ومنهج الوسطية، فنقول: 
إن التعامل مع جوانب الوجود- التي ذكرنا فيما تقدم- (أي الثقافة الإسلامية) هي التعبير العملي عن المهمة التي جعل الله الإنسان مكلفاً بها، وذلك في قوله تعالى:وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً[البقرة: 30]، والخلافة في الأرض هي المهمة الكبرى للإنسان التي بقيامه بها وفق شروط المستخلِف، وهو الله سبحانه وتعالى، تتحقق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها، وهي عبادة الله، فإذا كانت عبادة الإنسان لله خالق كل شيء مقصدها هو الإنسان وخيرها راجع إليه، لأن الله هو الغني الحميد، وكانت الخلافة هي التي بها تتحقق العبادة، وكان تحقيق الخلافة في الأرض يتم بتجسيد مقصد الثقافة الإسلامية (بكل مجالاتها) في سلوكنا، فإن مقصد الثقافة الإسلامية سيلتقي مع مقصد الدين العام، وهو الإنسان، فكما أن الدين ينظر إلى الإنسان على أنه غاية في ذاته، فكذلك الثقافة الإسلامية (أي تعامل الإنسان مع جوانب الوجود المختلفة) تنظر إلى الإنسان على أنه غاية في ذاته، ولا ينبغي أن يكون في الثقافة الإسلامية تعامل ليس هذا شأنه.
  وإذا كان مقصود الثقافة الإسلامية العام أو الرئيس متطابقاً مع مقصود الدين الرئيس (الإنسان)، فإن المقاصد الأقل في عمومها، الكلية والجزئية، ستكون متطابقة بالضرورة في الدين وفي الثقافة الإسلامية.
  لقد تقدم التأكيد على أن الثقافة الإسلامية ليست هي الدين لكنها مرتبطة به ارتباطاً عضوياً، إذ هي منتسبة إليه، ولو كانت هي الدين لما احتجنا لإثبات أن مقاصدها هي مقاصد الدين؛ كما تقدم البيان بأن الثقافة الإسلامية العامة التي تشمل المبادئ والأسس والضوابط والقيم (أي المرجعية المعيارية للثقافة الإسلامية) مستمدة من الدين، وحيث إن ما ورد في الدين من مبادئ الهداية الإلهية وأسسها وضوابطها هي الوسط، أي خير الأمور وأفضلها، فإننا نستطيع القول إن الثقافة الإسلامية العامة هي الثقافة العامة الوسط، أي أفضل الثقافات العامة( )، وأنه– تبعاً لذلك- يتكون الثقافات العامة الأخرى أدنى في الفضل وأقل في درجات الكمال من الثقافة الإسلامية العامة.
  أما في الثقافة الإسلامية الخاصة، التي قلنا إنها ثقافات لا حصر لها، إذ هي تعامل مع جزء محدد من الوجود، وهذه الأجزاء لا تنحصر فإن الوسط فيها، أي الأفضل والأمثل يكون بأمرين: 
الأول: المعرفة العملية الأفضل بكيفية التعامل مع هذا الجزء المحدد أو ذاك، وعلى المسلم اكتساب هذه المعرفة وممارستها، فمثلاً في التعامل مع موضوع الزراعة، ولنقل زراعة القمح على سبيل المثال، إن على المسلم أن يعرف أفضل الطرق التي وصل إليها الناس في أمته أو عند الأمم الأخرى ويمارس هذه الكيفية، إلا أن تكون هناك عوائق لا يمكن التغلب عليها، فعندها عليه بذل وسعه في ممارسة الكيفية المتاحة الأفضل، فإذا كان لدى أمة أخرى معرفة عملية في التعامل مع القمح أفضل مما لدى أمتنا أو مجتمعنا، فعلينا أن نسعى لاكتسابها وتطبيقها في حياتنا.
  لكن الأمر أكثر تعقيداً من هذا الوصف الصحيح في عمومه، ذلك أن أي ثقافة خاصة نأخذها من ثقافة أخرى، ستنعكس فيها المرجعية الثقافية لهذه الثقافة، أي ستنعكس فيها ثقافتها العامة، فإذا نقلنا هذه الكيفية إلى ثقافتنا، فلا بد من القيام ببعض الإجراءات التي تهدف من جهة إلى تجريد هذه الثقافة الخاصة التي سنأخذها من تأثير مرجعيتها الثقافية، وتهدف– من جهة أخرى- إلى القيام بعملية صياغة جديدة لهذه الثقافة الخاصة، تجعلها منضبطة ومنسجمة مع الثقافة الإسلامية حين نطبقها في حياتنا. وهكذا فإن الثقافة الإسلامية الخاصة هي التي يمارس فيها المسلم أفضل الكيفيات في التعامل.
  هذه النتيجة تقودنا للأمر الثاني المكمل لهذا الأمر (أي أمر الكيفية)، وهو انضباط هذه الكيفية في التعامل بالمرجعية الثقافية الإسلامية، أي بالثقافة الإسلامية العامة، فإن أي كيفية في التعامل مع أي جانب محدد من جوانب الوجود لا تكون موجهة بمبادئ الثقافة الإسلامية ومنضبطة بمعاييرها ومنسجمة مع مقاصدها، فإنها لن تكون هي الثقافة الأفضل، وبالتالي لن تكون هي الوسط.
  وعليه، فإنه في ضوء هذا التحليل تكون الثقافة الخاصة هي الوسط والأفضل إذا تحقق فيها شرطان رئيسان: أحدهما أن تكون كيفية التعامل هي الأفضل، والآخر أن تكون كيفية التعامل موجهة بالثقافة الإسلامية العامة ومنضبطة بضوابطها. ونستطيع القول أيضاً: إن أي ثقافة خاصة يتحقق فيها هذان الشرطان فإنها ستكون ثقافة إسلامية.
إن منهج الوسطية هو تطبيق أفضل الآراء وأفضل الأحكام وأفضل كيفيات التعامل، وهو منهج يجعل من الإنسان في كل الأحوال غاية في ذاته، وذلك هو مقصد الدين، وهو كذلك مقصد الثقافة الإسلامية، إنه منهج يسعى لتحقيق خير الإنسان وسعادته وكماله اللائق به في حياته في هذه الدنيا وفي الأخرى. وكل ذلك ما كان ليكون إلا لأنه من عند الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء. 
  فلله الحمد ربنا على نعمة الإسلام وما جاء به من الهداية الوسط والمنهج الوسط والثقافة الوسط، وهذه آخر دعوانا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.