
إنه قانون الحرب، لا منتصر، ولا مهزوم، والكل خاسر.
جثثٌ مُسَجّاةٌ في الزقاق، ورائحة أبخرة خيانة تنبعث في السماء، وأدعيةُ نساءٍ تتهلّل: أن يحمي ربُّ البيتِ البيت، وطريدٌ مطلوب أخذت أقدامه تتأرجح قافزةً بين الأسطح إلى مَنجاته، ولكن: أنّى.
وآخر يلوح على الجدران يغرسُ أظافره بشراسةٍ بين نتوءاتها فارّاً إلى الحياة بما تبقى له من ساعاتِ روح، وهيهات فيسقط بيننا لا نعلم كيف نخفيه، في جيبه ساعة (وبضعة شلناتٍ وعشراتٍ)، وَهُوِيَّتُهُ قد ضاعت ليضيع بعد استشهاده... أو ربما مماته... ذكراه.
وترتفع تهليلات نسوة في مخبأٍ تصدعت جدرانه وقد شاركتنا فيه شتّى مخلوقات: يا رب البيت احمِ البيت... للبيت ربٌّ يحميه، للبيت ربٌّ يحميه، كانت نغماتُ أصواتهنّ محملةً بعرق أسمالٍ بالية، وبحفنة طموح بالحياة، وبصفرِ أحلامٍ يائسة.
يتوقف زخُّ المطر الأسود، وآليات الحرب تطوِّق المكان وجماعات مُجمّعة ترحل نازحةً إلى الّلاحرية، الأيدي مرفوعة والبنادق مصوبة بالاتجاه المطلوب، ورعد التهديدات يتطايرُ من الأفواه، وأطرافٌ متعثّرة تبعثر أطرافاً منثورة في طرقاتٍ قديمة، وأشباحٌ منكوبة تحمل أشباحاً مكلومة إلى الّلامصير...
صورٌ وصور: لا أعي تفاصيلها لطفولة طفولتي..
إنما هي الحرب... لا تبقي ولا تذر، خزّنت الذّعرَ في ذاكرتي الصغيرة، علّمتني الوجع، ولم تعلمني حينها وصفه... إلى أن كبرت وكرهت وجع ذاك المكان... وذاك الزمان فنصبت عليه شاهد التأبين دون صلاة...
ما عدت أنتمي لبقعة المكان تلك؛ فأشجارها السوداء لم تورق إلّا رائحة موت،.. ولا لساكنيها؛ فما هم إلّا شاهدٌ على قهري واغتيال طفولتي.
ألغيتُ مساحة تلك الذاكرة من بَرْمَجِيَّتي؛ فنحن لم نولد لنربّي وحشنا القابع فينا منذها، ولا لنعشق جوعنا المقدس... أو لنسجد لتشردنا المُكرّس.
ابحث
أضف تعليقاً