صورة الغرب في العالم الإسلامي
الواقع ... آفاق التغيير
"الغرب يسعي للصدام من جديد"
عامر عبد المنعم
رئيس تحرير الشعب الالكترونية - مصر
مقدمة:
يتعرض العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة لهجمة غربية شرسة تخطت أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية لتصل إلى غزو عسكري لدولتين إسلاميتين وتهديد بالاعتداء على دول أخرى. وبدأ المسلمون يشاهدون تدمير مدن إسلامية تحت قصف وحشي بكل أسلحة الدمار، هذا المشهد أعاد الي الأذهان صور الحروب الصليبية والاستعمار من جديد. ويأتي التحدي الجديد القديم في وقت تعاني فيه الأمة من الضعف و التشرذم، ووسط نزاعات وصدامات داخلية تزيدها ضعفاً على ضعف.
هذه المحنة التي تعيشها الأمة بدأت منذ ضعف وسقوط الخلافة العثمانية، أي عمر 3 أو 4 أجيال فقط .. فمنذ ظهور الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية عاش المسلمون في عزة وتمتعوا بالأمن داخل حدود الخلافة الممتدة التي خضع لها معظم انحاء العالم، إلا أوروبا، تلك المنطقة الجغرافية المتماسكة لم يصل المسلمون إلى قلبها، وظلت في صراع مع العالم الإسلامي منذ نشأة الدولة الإسلامية الأولى، وظلت العلاقة بين الجانبين علاقة حرب وتدافع على مدار التاريخ، دون أن يحقق أي منهما نصراً حاسماً على الآخر.
ورغم أن حدود الإسلام مع الغرب كانت دائماً متوترة وتشهد مناوشات متتابعة، فإن قوة المسلمين كانت دوماً تدفع الأوروبيين بعيداً دون أن تسعي إلى استئصالهم، وهذا الانكسار الذي تحياة الأمة الإسلامية اليوم ليس لأن الغرب أقوى لكن لأن الأمة انكسرت وفقدت سبب قوتها وهو وحدتها المرتكزة على الإسلام. فالأمة في السابق كان لديها قدراً من المناعة والأسلحة المضادة، وكان القلب منها صلباً وهو الذي يقاوم ويجاهد ويسخر كل إمكانات المجتمع لإقامة كيان قوي له هيبة، فقد كانت الخلافة والدولة التي تقود الأمة ضد الغزاة حاضرة ولم تكن غائبة كما هي الآن، بينما الأمة حالياً كجسد مترهل وممزق بدون رأس، ويوجد بعث إسلامي جديد لكنه لم يصل الي مرحلة النضج وشد الأمة كلها خلفه.
وعودة الحملات العسكرية مرة أخرى ينذر بخطر رهيب خاصة أن هناك شعارات عقائدية صاحبت هذه الحملة (كوصفها بالصليبية)، وتثار المخاوف من أن يكرر التاريخ نفسه. فمثل هذه الحروب العقائدية تطول وتستمر عشرات السنين، فمجرد رفع هذه الشعارات يخلق حالة من التعبئة في الجانبين، وبعد نشوب مثل هذه الحروب غير العادلة فإن الذي بدأها لا يستطيع أن يوقفها، وسيكتوي بنارها كثيرون ليس لهم صلة، بل أن نطاقها يخرج عن السيطرة ولا تقتصر على مكان نشوبها.
ومع بروز هذا التوجه المعادي باتت علاقتنا بالغرب مثار نقاش وجدل في الجانبين، وأصبح الموضوع يحظي بالكم الأكبر من المؤتمرات والندوات خاصة بعد أن اتخذ الصدام أبعاداً مفزعة تتسع يوما بعد يوم. فقد بات من المهم رصد هذه التطورات للسلوك الغربي تجاه العالم الإسلامي، وبحث إمكانية العودة إلى ما قبل الحرب لتجنيب البشرية ويلات الحروب في عالم القرية الكونية الواحدة.
1 – الغرب و الإسلام : خلفية تاريخية
الصدام بين الغرب و الإسلام بدأ في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وامتد عبر التاريخ، أي أن روح العداء تجاه الإسلام ليست وليدة اليوم وإنما له جذور منذ قرون طويلة.
" في سبع سنين قصار فتح العرب كل ما اقتحموه من بلاد الفرس والروم. فتقوضت في الشرق دولة الأكاسرة، وتداعت في الشمال والغرب دولة القياصرة، وزال سلطانها من الشام وفلسطين وأفريقيا الشمالية ... ولم يكن انتصار العرب على الفرس والروم لأنهم عرب وكفي، ولم تكن المسألة في لبابها كفاحاً بين الاجناس والعناصر بما لها من المزايا وما فيها من العيوب. فقد كان في أرض الدولتين عرب كثيرون يدينون لهما بالطاعة ونظرون إليهما نظرة الاكبار والمهابة، وكان القادرون منهم على القتال أوفر من مقاتلة المسلمين عدداً، وأمضى سلاحاً وأقرب إلى ساحات العراق والشام من أولئك النازحين إليها من جنوب الجزيرة العربية. وقد كان هنالك عرب كثيرون انهزموا أمام المسلمين وهم كذلك أوفر في العدد والسلاح وأغنى بالخيل والأبل والأموال فهي نصرة عقيدة لا مراء "(1)
الوقائع التاريخية تشير إلى أن الغرب هو الذي بدأ بالصدام والحرب، وليس المسلمون. وهذا التوجه المعادي حفر في ذاكرة المسلمين هذا الموقف الاستئصالي تجاه الإسلام منذ فجر الإسلام. فالغرب لم يقتصر موقفه فقط على عدم الاعتراف بالدين الجديد، وإنما تطور عبر التاريخ إلى محاولات دائمة ومستمرة لكسر شوكته والسيطرة على بلاده. وظلت العلاقة بين الجانبين علاقة صدامية. ويمكن رصد أبرز المواقف التي توضح أن الغرب هو الذي سعي للصدام:
1- التاريخ يثبت أن الامبراطورية الرومانية هي التي بادرت المسلمين بالعداء، وتعاملت مع الدعوة الوليدة بغطرسة وعدوانية من خلال قبائل الغساسنة المتحالفة معها بقتل مبعوث رسول الله، الأمر الذي تسبب في معركة مؤتة في جمادي الأولى سنة ثمان هجرية. فتجهز الناس وهم ثلاثة آلاف ثم مضوا إلى معان فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم مائة ألف من حلفائهم من القبائل ووقعت المعركة في مؤتة واستشهد قادة جيش المسلمين، فتم اختيار خالد بن الوليد الذي استطاع بدهائه العسكري أن يصمد بجيشه حتى انتهت المعركة بانحياز كلا الجيشين.(2)
2- عند مجيء الإسلام لم يكن سلطان الكنائس المسيحية مبسوطاً على معظم أوروبا المعروفة الآن، كانت روما التي أفرغت الديانة المسيحية من محتواها قد سقطت وكان الشمال كله وثنيون برابرة، وكان سلطان الروم مبسوطاً على الشام ومصر وشمال أفريقيا منذ قرون طويلة سبقت. وفي طرفة عين تقوض سلطان الرومان فجأة على هذه الرقعة الواسعة، وتقوض أيضاً سلطانها على نفوس الجماهير الغفيرة من رعاياها، الذين دخلوا الإسلام طوعاً، بل وأعجب من ذلك صاروا هم جند الإسلام وحماة ثغوره وعواصمه، وظل الصراع مشتعلاً مدة أربعة قرون بين الروم المحصورين في الشمال وبين المسلمين الذين يتاخمونهم جنوباً، وتدبر الأمر قادتهم، وداخلتهم الخشية أن يفضي الأمر إلى زوال سلطانهم عن جنوب أوروبا، وخيم اليأس فانطلق الرهبان يجوبون شمال أوربا ليدخلوا أهلها من الهمج الهامج الذين لا دين لهم في النصرانية، ليكونوا بعد قليل مدداً لجيوش جرارة تطبق على ثغور الإسلام، ويعدوهم لخوض المعركة العظمى. هذه الجيوش تدفقت من قلب أوروبا تريد مرة اختراق العالم الإسلامي من شماله في الشام، ونشبت الحرب الصليبية التي استمرت قرنين كاملين (489-690 هـ /1096-1291م)، وفي خلالها استولوا على جزء من أرض الشام وأقام به بعضهم إقامة دائمة وأنشأوا ممالك لهم. وخمدت الحروب بين الإسلام والصليبية نحو قرن ونصف قرن.(3)
3- ومع استعادة المسلمين قوتهم مرة أخرى بفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح (857 هـ /1453م) أصبح بعض الأوروبيين يعتقدون آنذاك أن الإسلام قد يكتسح الممالك المسيحية اكتساحاً شاملاً، بعيد الفتح التركي لامبراطورية بيزنطة الذي أتى بالإسلام إلى عتبة أوروبا. وكان إنتقال قوة الإسلام من القلب (العالم العربي) إلى طرف الأمة الشمالي (تركيا) تأثيراً سلبياً إذ أصبحت الأطراف رخوة وضعفت مناعتها وقد أستغل الغرب هذا، خاصة مع عجز أوروبا عن مواجهة الدولة الإسلامية في الشرق فركزت جهدها العسكري تجاه الغرب فسقطت الأندلس بعد فتح القسطنطينية بأبعين سنة، وراتكب الأوربيون فظاعات ضد المسلمين وانهوا الوجود الإسلامي تماما بعد أن حكمها الإسلام ثمانية قرون .
4- كان إنتصار الأوروبيين على المسلمين في الأندلس بداية لكسر الهيبة إذ إنطلقت جيوش الصليبيين مرة أخرى من بلاد أوروبا تطوق العالم الإسلامي، ولتبدأ مرحلة أخرى من الحروب لاحتلال البلاد الإسلامية. وسقوط غرناطة لم يكن نهاية مطاف الضغوط الغربية ضد عالم الإسلام، لأن صحوة وتجديد العثمانيين لعسكرية الدولة جعلت الغرب منذ خمسمائة عام يخطط: أن يلتف حول عالم الإسلام ويطوقه عن طريق رأس الرجاء الصالح، وفي نفس العام الذي سقطت فيه غرناطة بدأت رحلة كولمبس وكان يقصد الالتفاف حول العالم الإسلامي لمحاصرته.
وعندما ذهب البرتغاليون إلى الهند كانت إسلامية، وكانت تحكم حكماً إسلامياً في ذلك التاريخ. ولم يكن الوعي غائباً عند المماليك وإنما كانوا يدركون أنها حركة إلتفاف حول العالم الإسلامي، ليس فقط لتحويل طرق التجارة وإنما كانوا يدركون المخاطر الاستراتيجية التي يبتغيها الغرب، ولذلك لم يكن غريباً أن تخرج الجيوش المملوكية من مصر لتقاتل البرتغاليين في الهند في ذلك التاريخ، وهزمت الجيوش المملوكية في 1504، أي بعد إكتشاف رأس الرجاء الصالح بأقل من 7 سنوات. ولم تنته قصة إلتفاف البرتغاليين لبلاد المسلمين بعد هذا الانتصار الذي حققوه، فنجد الفلبين التي كانت بلاداً إسلامية (كانت مانيلا اسمها أمان الله) ذهب إليها ماجلان (الذي ندرسه على أنه مكتشف) ليحارب الإسلام والمسلمين.
بعد هذا الالتفاف بدأت مرحلة ضرب قلب العالم الإسلامي، والتواريخ خير شاهد فنجد بونابرت الذي جاء إلينا في عام 1798 ثم فريزر في 1807، والجزائر أحتلت في 1830، ثم عدن 1838م، ثم تونس 1881 ثم مصر 1882، ثم ليبيا 1911، ثم المغرب 1912، ثم عموم البلوى في سايكس بيكو التي قسمت ما بقي من عالمنا العربي 1916، ثم الذروة عند سقوط الرمز (الدولة العثمانية) في 1924.(4)
2 - صور الغرب بين الافتتان و الكراهية :
في عهد الاستعمار حرصت الدول الغربية على تحسين صورتها في البلاد المستعمرة بإيجاد نخبة مرتبطة بها. ولعبت هذا النخبة خاصة تلك التي عاشت زمناً في الغرب دوراً كبيراً في إزالة جانب من الصورة القاتمة التي خلفتها وقائع التاريخ. وظل الغرب مهتماً بصناعة هذه النخب وتنميتها سياسياً واقتصادياً وثقافياً حتى عد خروجه ومنح الإستقلال لبلادنا.
يمكن القول أن صور الغرب في الدول الإسلامية تتراوح بين الافتتان والكراهية وفقاً لطبيعة العلاقة مع الدولة الاستعمارية، وتتقلب الصورة من زمن لآخر ووفقاً للتطورات السياسية والثقافية للنخب الحاكمة وأيضاً وفقاً لممارسات الغرب مع العالم الإسلامي. ويمكن إجاز هذه الصور في الاتي:
- الغرب الآسر ( علاقة افتتانية )
وكان يعبر عن هذا التيار هؤلاء الذين تلقوا تعليمهم في الغرب، وفتنوا بطبيعة الحياة الغربية والتقدم الذي شاهدوه مقارنة بحالة التراجع التي تعيشها البلاد الإسلامية. ويرتكز هذا التيار على أن الغرب محصلة التطور البشري، وأن الحضارة الغربية وريثة ما سبقها من الحضارات، وأن هناك تياراً حضارياً واحداً ينبغي للجميع السير في ركابه، ويرى أنصار هذا التصور أن أخطاء الغرب في نظرهم أخطاء أهل الحضارة الغالبة، وهي أقل من حسناته، ويعتقدون أن سبيل النجاة لأي دولة نامية تريد أن تتقدم عليها أن تهتدي بالغرب. وهذا التيار لا زال موجوداً اليوم خاصة مع القفزة الهائلة للإعلام ووسائل الإتصال التي تقدم صورة مثالية وفاتنة للحياة الغربية.
- الغرب المهيمن ( علاقة أدنى بأعلى )
نتيجة لحال الضعف الذي تعيشه الأمة أمام الهيمنة الغربية يوجد تيار يريد أن يتعامل مع هذا الواقع وفق شروطه. وهؤلاء قد لا يكونوا تغريبيين، بل يمكن أن يكونوا من أصحاب العلم الشرعي ومن أصحاب الفضل، ولكنهم ينظرون إلى الغرب بإعتباره الأقوى والأقدر على السيطرة وليس ثمة فائدة من مواجهته.
ولذلك يعمدون إلى تقديم الدين بثوب جديد لا صراع فيه رغم أن القدرة على الصراع والمواجهة أصل في كل أيديولوجية فكرية أو دين. ويسعى المنتسبون لهذا التيار إلى تقديم خطاب اعتذاري وكأننا نحن المذنبون ولسنا الضحية.
- الغرب المستبد ( علاقة مقهور بقاهر ) :
يختلف عن سابقه في أن شعوره بالهيمنة الغربية أدى إلى وجود إحساس المقهور، والمقهور ينظر إلى القاهر بعدائية رد الفعل، ولا يشترط في من يرى هذه الصورة أن يكون إسلامي الوجهة، فالكثير من القوميين العرب والشيوعيين يرون ذلك.
- الغرب المحاور ( علاقة تكافؤ )
يحاول الكثير طرحها الآن، على اعتبار أننا نملك من الثروة ما يمكننا من الحديث مع العالم كأنداد، ونحتاج إلى وقت كي نتعلم ما فاتنا. ويغلب هذا الخطاب على بعض الأكاديميين في العالم العربي الذين ينظرون للأمر من زوايا محدودة.
- الغرب الإنسان ( علاقة اقتباس )
وهي صورة تطرح بعض جوانبها في الخطاب العربي بإعتبار الغرب صورة إنسانية ضمن صور أخرى، ومرحلة في مسيرة التاريخ البشري تعقبها مراحل، وهو -وإن خضبت يداه بدمائنا– يحمل كثيراً من القيم الإنسانية الصالحة للاقتباس، والتصدير إلى الحضارات الأخرى، ووجود كثير من المنظمات داخل الغرب نفسه التي تتحدث عن أهمية الإستفادة من الحضارات الأخرى غير الغربية، والتواصل مع تراثها الثقافي.
- الغرب له و عليه ( علاقة استفادة و انتقاء)
هذا التيار يرى أن الغرب ليس كله شر، وأننا كمسلمين علينا أن نستفيد من تجارب الغرب التي قادته إلى التقدم وأن نستفيد مما حققه من إنجاز بانتقاء ما نريده، وترشيده وفقاً لأسس الإسلام وتخليصه من شوائب الحضارة الغربية التي لا تتفق وديننا. وهذه الرؤية مماثلة لما قام به الغرب نفسه عندما كان يعاني من التخلف في عصور إزدهار المسلمين.
- الغرب الهمجي ( سجن أبو غريب )
مع ظهور صور الإنتهاكات في سجن أبو غريب أنهارت صور الغرب السابقة لتتحول إلى كراهية غير مسبوقة للحضارة الغربية. وأصبح الرأي العام الإسلامي مجمع على موقف معادي لأمريكا التي تقود الغرب في هذا الزمان. فرغم تزايد حالة العداء للغرب مع بداية الحروب الأمريكية وحلفائها ضد أكثر من دولة إسلامية، فإن بث الانتهاكات غير المسبوقة في هذا السجن العراقي وتعمد إذلال السجناء وتصويرهم وبث هذه الفضيحة أعتبر إهانة متعمدة للعالم الإسلامي.
فهذه الصور التي صدمت العالم لبشاعتها فضحت ما يسمى بالقيم الأمريكية، وكشفت زيف الشعارات حول الحرية وحقوق الإنسان التي ترفعها أمريكا عبر إعلامها.... هذه الصور هي التي ستمثل الحضارة الأمريكية في أذهان الجيل الحالي والأجيال القادمة.
3- أسباب احتدام الصدام الحالي
يسعى المتحمسون للتصعيد العسكري ضد الدول الإسلامية إلى تبرير ذلك بما حدث في 11 سبتمبر لإظهار هذا العدوان وكأنه رد فعل وليس الفعل ذاته، ولكي يبدو الغرب وكأنه مجني عليه وليس هو البادىء بالعدوان، وهذه مغالطة تستحق التصحيح. فما سبق يؤكد أن هذه الروح العدائية لها جذور تاريخية وعقائدية ثابتة، فقد يكون تدمير برجي مبني التجارة قد وفر دعماً إضافياً لأنصار الحرب في الولايات المتحدة، واعطاهم غطاء إعلامياً وهيأ الرأي العام الغربي لتقبل الحرب، لكن التحركات العسكرية الأمريكية ضد أهداف إسلامية سبقت هذا الحدث بسنوات. فالتدخلات الأمريكية وهجماتها العسكرية ضد أهداف في دول إسلامية بدأت منذ الثمانينيات وليس بعد سبتمبر2001م.
يمكن إرجاع الأسباب التي تقف وراء دفع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لشن الحرب، واستخدام القوة في تعاملها مع العالم الإسلامي إلى الآتي:
- إنهيار الاتحاد السوفيتي
مع نهاية الحرب الباردة وإنهيار الاتحاد السوفيتي، بدأ العالم الغربي بالبحث عن التهديدات الأخرى، والعدو المحتمل الجديد، وفي هذا السياق عقدت قمة روما (نوفمبر 1991) والتي حضرها رؤساء دول حلف الناتو، وناقشوا خلالها الأخطار المحتملة القادمة، وقد عبر قادة عسكريون في الحلف عن مخاوفهم مما أسموه "الإسلام السياسي " وترجيحه كعدو محتمل بدلاً من الشيوعية.
هذه النظرة للاسلام الذي سموه أحياناً "الإسلام السياسي" وأحياناً أخرى "الحركات الإسلامية" أو "الإسلام الأصولي" بأنها تشكل تهديداً للغرب والمصالح الحيوية له بالمنطقة، سادت لدى أوساط عديدة سياسية وأكاديمية وإعلامية، وعززت السيطرة الصهيونية على العديد من وسائل الاعلام الغربية، وحملت تهويلاً وتضخيماً للخطر الإسلامي القادم ووصفته بعدة صفات مثل الخطر الأخضر، قوس الأزمات، العدو الجديد. ومارتن انديك يرى في مقالة في فورين أفيرز (1992) أن أمام العرب خيارين أيدلوجيين هما الأصولية الإسلامية والديمقراطية الليبرالية.
وهناك إصرار من العديد من الدوائر والأوساط السياسية الأمريكية على افتعال معركة مع كل حركات " الإسلام االسياسي "، وتصويرها على أنها التهديد الخطير القادم من الشرق، وتجلى هذا الإصرار من خلال كتاب صمويل هانتنجتون " صدام الحضارات ". ولم يغفل هانتنجتون من التلويح بخطر الحركات الإسلامية، والدعوة إلى مواجهتها قبل أن تمتلك أدوات القوة العسكرية. والمشكلة الحقيقية أن مقولة هانتنجتون قد لقيت تأييداً وتنفيذاً من أصحاب القرار في الولايات المتحدة، وبدأت تسيطر بشكل كبير على تفكيرهم، وانتقلت هذه التصورات إلى وسائل الاعلام الأمريكية التي بدأت بتعزيز صورة نمطية عن الحركات الإسلامية في المخيلة الاجتماعية الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين.(5)
والدول الغربية تدرك تدرك قيمة الإسلام كرسالة حضارية توحيدية أكثر من إدراكنا لهذه الأهمية، وتدرك خطورة الكتلة الجغرافية السكانية للدول الإسلامية، وأثر هذه الكتلة ورسالتها على التوازنات العالمية إذا هييء لها أن تنهض.
- علاقة أمريكا بإسرائيل
عمل الغرب في زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، واستمرار دعمه بكل أسباب القوة يولد الكراهية في أنحاء العالم الإسلامي تجاه الغرب. خاصة مع مشاهد القتل اليومية التي يبثها الإعلام والقنوات الفضائية والتي تقوم بها قوات الاحتلال بالأسلحة والطائرات المصنوعة في أمريكا. وتأتي علاقة أمريكا بإسرائيل التي بدت وكأنهما شيئاً واحداً فأمريكا تساند إسرائيل وكأنها ولاية أمريكية. بل إن روجيه جارودي وصف الولايات المتحدة بأنها مستعمرة إسرائيلية وألقى الضوء على جذور العلاقة العقائدية التي بنت هذا الاتحاد والارتباط الوثيق بين الجانبين.
هذه الأيديولوجية المشتركة ولدت قبل تكوين الدولة الأمريكية المستقلة، عندما كانت أمريكا الشمالية لا تزال مستعمرة إنجليزية. "ففي عام 1621م نشر سير هنري فينش -قاضي شهير وعضو في البرلمان- كتاباً بعنوان: نهضة العالم الكبرى، أو دعوة إلى اليهود و(معهم ) كل الأوطان وممالك الأرض إلى عقيدة المسيح. في الكتاب رفض التفسيرات المجازية للعهد القديم التي كانت جزءاً من تقاليد الكنيسة الكاثوليكية، وخاصة عند سان أوجستان .
في تصور فينش أن تحقق إسرائيل التي أعيد إحياؤها الحكم الإلهي الكامل. في ذلك العهد، ندد البرلمان بهذا الفكر الذي يؤمن بعودة المسيح والحكم الالهي لمدة ألف عام، وعده الملك جاك الأول خطراً (1603-1625)، ولكنه مع ذلك أصبح حجر الزاوية للصهيونية المسيحية: عودة اليهود إلى فلسطين (بعد اعتناقهم المسيحية بالنسبة للبعض، ومثل فينش نفسه، أو بدون هذا الشرط بالنسبة لآخرين يجب أن تسبق نهاية العالم (الألفية) والتي تشهد عودة المسيح.
كان الآباء المؤسسون في الولايات المتحدة البيوريتانيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار " إسرائيل الله " الجديدة، وهو تعبير تكرر مراراً في التاريخ الأمريكي منذ وصول البيوريتانيين الأوائل مع ماي فلاور، وجمعية مستوطنة بلايموث (1620 ) وحتى يومنا هذا.(6)
و"للولايات المتحدة تجربة فريدة من نوعها، قامت على أساس الاستئصال، فهي دولة قامت على استئصال شعب بأسره من الوجود (سكان أمريكا الأصليين). ومع إعلان الإستقلال وتوحيد الولايات المتحدة، فقد ظل التصويت من حق الرجال البيض من ذوى الأملاك مع استبعاد النساء. وعندما زاد الحديث عن التسامح الدينى فقد كان ذلك ينصب على المذاهب البروتستانتينية فحسب، وظل الكاثوليك واليهود لا يسمح لهم بالتصويت أو تولى المناصب العامة فى معظم الولايات.
وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين سقطت هذه الحواجز القانونية ولكن ظلت السيطرة الفعلية للأنجلوسكسون البيض البروتستانت.(7)
الواقع أن الولايات المتحدة أنجزت شيئاً عظيماً آخر إن صح أن يسمى بالعظمة. فقد نجحت فى بناء صناعة إعلامية جبارة لاخفاء الحقائق أو تزييفها، وإقامه نوع من المهرجان الديمقراطى المبهر للعيون غير الفاحصة، وهذه الماكينة الإعلامية استهدفت بناء الجبهة الداخلية الأمريكية بالأساس، ثم استخدامها لصناعة صورة مزيفة لأمريكا في عيون الشعوب الاخرى.
فالسيطرة الانجلوسكسونية ما تزال سارية، وما ظهور بعض الوجوه السمراء او الصفراء أو الكاثوليك إلا من قبيل الحلية والزينة، وعلى صعيد النظام السياسى فإن مركز الادارة واتخاذ القرار يجري فى مطابخ وأروقة السلطة التنفيذية، والصراعات فى الكونجرس تكون عادة فى الأمور الهامشية، أو الأمور التى لم يتم الاتفاق عليها فى أجنحة السلطة التنفيذية. وجوهر أداء البرلمان الأمريكي لا يختلف كثيراً عن برلمانات العالم الثالث إلا في حسن الإخراج وذكاء التصوير. والسلطة السياسية محتكرة بين حزبين متفقين على كل شئ تقريباً خاصة فى الأمور الجوهرية، وهناك حظر غير معلن لظهور أى حزب آخر (ثالث) احتكار الحزبين (الديمقراطي–الجمهوري) أشبه باحتكار الحزب الواحد ذي جناحين. ولا يوجد عضو واحد في الكونجرس مستقل عن الحزبين إلا في حالات نادرة لا تكاد تذكر. السياسة الداخلية خاضعة لمجموعات لا نهائية من جماعات الضغط الاقتصادية والاثنية والطبقية.
4 – هل يمكن التعايش و وقف الصدام ؟
ربما ليس من المناسب طرح هذا السؤال الآن وسط تدفق جيوش الغربيين لاحتلال العالم الإسلامي، وأنهار الدماء التي تسيل في أكثر من بلد مسلم. فميزان القوة مختل والطرف القوي لا يتجاوب مع منطق الضعفاء، والمنتصر يغريه ضعف عدوه بمواصلة الحرب وعدم الالتفات إلى غير ذلك، مع الأخذ في الاعتبار أن الذين يقودون الولايات المتحدة حالياً ينتمون لذات التيار العقائدي (المسيحية الصهيونية) الذي يتعطش للحرب للتسريع بعودة المسيح حسب زعمهم .
لكن الذي يدفع لطرح هذا التساؤل أن هناك أصواتاً تصدر من العالم الإسلامي لها وزن يراودها الأمل في إمكانية اقناع العقلاء في الغرب بالتدخل لوقف هذه الحرب، ويشجعهم على ذلك وجود قوي في الغرب ترفض الحروب الأمريكية، وهذه القوى تتزايد يوماً بعد يوم خاصة في أوروبا.
وهناك إجماع إسلامي على أن إندحار الهجمة العسكرية على العالم الإسلامي يجب أن تكون هدفاً نسعى لتحقيقه بشتى الوسائل دون تقديم تنازلات تمس بالعقيدة أو تفرط في الثوابت.
ويجب التنبه لمحاولات تشتيت جهود الأمة في تفريغ الجهود في جدال ونقاش حول موضوعات مفتعلة ومصطنعة تحت شعارات ظاهرها الرحمة ومن باطنها العذاب. كتبادل الإتهامات داخل الصف المسلم وشيوع الخطاب الاعتذاري، وتحويلنا من ضحايا إلى جناة وإدمان جلد الذات، والبحث في السلبيات في الجانب الإسلامي وتضخيمها. فكل ذلك يصب في النهاية لتبرئة الخصم.
بالتأكيد يجب أن نؤكد على حرصنا على التعايش وهذا هو موقف المسلمين عبر التاريخ، فلم يأمرنا القرآن بإبادة الشعوب وإستئصال الحضارات الأخرى. و لم يأمرنا الإسلام بالقضاء على الديانتين اليهودية أو النصرانية، بعكس التجارب التي سجلها التاريخ لأصحاب الحضارة الغربية. {{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}}.
لكن الإسلام يدعو في نفس الوقت إلى رد العدوان وعدم القبول بالظلم، ودعانا القرآن إلى إعداد العدة لردع العدوان فقال {{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}}. فالإسلام به سماحة الدعوة والبر والإحسان لمن لا يعتدي علينا وفيه إعداد العدة ودفع الظلم والتصدي للمعتدين.
ويجب رفع الالتباس والخلط بين مفهومي الدعوة والجهاد. لأن هذا اللبس يتسبب في تشويه صورة الإسلام. فالدعوة لها فقه خاص بها كما أن الجهاد له فقه خاص به، وهذا هو ما يتسبب في سوء فهم لدى البعض سواء من جانب المسلمين أم من جانب غير المسلمين، فهناك غير المحارب من لا يجوز التعامل معه إلا بسماحة الدعوة والحوار، بينما لا يجوز مع المحارب المحتل الغازي إلا الجهاد بدفعه وردعه واسترداد الحق منه.
لكن في وضعنا الراهن يمكن إيجاز مطالبنا المشروعة التي يجب أن نسعى لتحقيقها بكل الوسائل الممكنة والمنضبطة بالثوابت الإسلامية:
1- سحب القوات الغربية من البلاد الإسلامية، ووقف الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني.
2- عدم تدخل الغرب في الشؤون الداخلية بإطاحة حكومات أو بتنصيب أخرى.
3- إعطاء المسلمين في الغرب حقوقهم، وعدم ظلمهم وعدم مصادرة حقوقهم الدينية (الحجاب في فرنسا نموذجاً)
4- إبداء حسن النية تجاه المسلمين ووقف الحملات ضد الإسلام باسم مكافحة الإرهاب.
5– حتمية الإصلاح واستعادة الأمة لقوتها.
منطق القوة هو الذي يحكم العلاقات الدولية، والقوي هو الذي يفرض هيمنته على الضعفاء. واختلال العلاقة بيننا وبين الغرب سببها أنه أخذ بأسباب القوة، وبنت الدول العربية والإسلامية سياساتها الخارجية بالانحياز إلى الروس أو إلى الأمريكان، وعندما إنهار الاتحاد السوفيتي رضخت الدول الإسلامية للتبعية لأمريكا واعتبرت أن هذا هو الخيار الوحيد.
وليس معنى ذلك عدم الاستفادة من التناقضات الدولية، واستغلال الثغرات في النظام الدولي لصالحنا لكن ينغي أن نعلم أن لكل قوة مصالحها، وإن اختلفت هذه القوى فيما بينها فإنها متفقة على ألا يجتمع المسلمون، وفي هذا الأمر تتفق أوروبا وأمريكا وحتى الاتحاد السوفيتي الذي كان عدواً لأمريكا وأوروبا الغربية.
لا بد من بناء قوتنا الذاتية لكي نكون نداً لا تابعاً، وعلينا أن لا ننتظر أن تصعد الصين أو أن تستعيد روسيا قوتها كما يعتقد البعض، فالتدهور الذي نشاهده الآن سيفضي إلى كوارث أبشع مما نراه ولن يتوقف مسلسل الصدمة والترويع عند دولة أو دولتين بل سيمتد إلى كل قلاعنا الحصينة.
علينا أن نثق في أنفسنا ونستغل الثروات الكبيرة التي حبانا الله بها، فعندنا ما نستطيع أن نقيم به دولة كبرى، ولا يمكن أن تستعيد الأمة قوتها إلا بالإستقلال والاعتماد على الذات والانطلاق من الإسلام كدين وحضارة والحفاظ على الثوابت، مع الأخذ بكل أسباب التحديث المتاحة.
وإذا استطعنا إقامة الكيان الإسلامي الواحد، والعربي في القلب منه نستطيع أن نواجه التحديات الكبيرة، وأن نحقق التكافؤ والندية وسط عالم لا يعرف شيء اسمه الدول الصغيرة .
الهوامش:
1- عبقرية خالد عباس محمود العقاد – كتاب الهلال
2- زاد الميعاد لابن القيم الجوزية
3- رسالة في الطريق إلى ثقافتنا محمود شاكر دار الهلال
4- الجديد في المخطط الغربي تجاه المسلمين د. محمد عمارة - دار الوفاء
5- بل هي حرب على الإسلام – دكتور محمد عباس مكتبة مدبولي
6- كيف صنعنا القرن العشرين - روجيه جارودي - دار الشروق
7- مقال لمجدي أحمد حسين بعنوان الحر يات فى ظل الحملة– جريدة الشعب
ابحث
أضف تعليقاً