صورة الإسلام والمسلمين في الغرب
الواقع وآفاق التغيير
أحمـد الـراوي
رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا
لا يخفى على المرء ما علق بصورة الإسلام من إساءة بالغة وتشويه مقيت في المجتمعات الغربية، وذلك لأسباب تتصل أساساً بعوامل خارجية، لا تُعزى إلى الإسلام أو المسلمين، أو بعوامل ذاتية، تعود إلى مواطن من الخلل موجودة لدى المسلمين أنفسهم، فيحسبها الجاهلون على الدين الإسلامي الحنيف بغير حق.
وفي سياق هذا الموضوع سنتطرق إلى بعض الخلفيات التي ساهمت في تشكيل صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي الغربي، ومن خلال إدراكنا لهذه الخلفيات. ولكن من الخطأ الولوج إلى موضوعنا هذا باعتبار الغرب إجمالاً كتلة أحادية خالية من التباينات. فهناك من يتناول "الغرب" بوصفه رقعة متجانسة، بما يبعث على الظنِّ بأنّ الأمر يتعلق بنمط أحاديٍّ يسهل اختزاله في أحكام واستنتاجات عامة، والحقيقة أنّ ما قد نراهُ في الجغرافيا بسيطاً؛ لا يبدو لنا كذلك بحسابات الاجتماع. فالأمر يتعلق بشعوب متنوعة ومجتمعات متباينة، فالمشترك الغربي لا يرقى بحال إلى درجة إذابة الفوارق البينية أو محو الخصائصِ الذاتية لكلِّ شعب من الشعوب التي يمكن اعتبارها غربية.
ومع هذه الملاحظة؛ يكون من الواضح أنّ محاولة التعرّف على ملامح صورة الإسلام والمسلمين في الغرب ومعالجة هذا الملف لا يبدو من حيث المبدأ مهمةً يسيرة، طالما يتوجّب أن تؤخذ بعين الاعتبارِ حالة التنوّع والتباين التي تمتدّ في الفضاء الغربي الذي يصعب الجزم بحدوده.
أولاً - خلفيات صورة الإسلام والمسلمين في الغرب
لقد تشكلت صورة الإسلام في الغرب من جملة عوامل، يمكن تصنيفها ضمن عوامل دينية وفكرية، وعوامل تاريخية، وعوامل ذاتية وموضوعية، بما فيها عوامل مرتبطة بواقع المسلمين، وخاصة مسلمي الغرب، إن بالسلب أو الإيجاب. وتتداخل هذه العوامل وتتشابك انعكاساتها لتشكل مجمل الصورة الراهنة للإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي في الغرب.
ولا يعني هذا بحال من الأحوال عدم وجود تباينات في إدراك هذه الصورة بين شعب وآخر في "الغرب"، أو بين فئة وأخرى في المجتمع الواحد. فالصورة الذهنية تتأثر أيضاً بالخصائص الذاتية لحاملها، من قبيل مستواه الثقافي، وانتماءاته وقناعاته، ومدى تواصله مع المسلمين أو اطلاعه على المصادر الإسلامية أو درجة تعرّضه لخطاب العداء للإسلام والمسلمين.
ومع إدراكنا لهذه الخلفيات؛ يتوجب علينا أن ندرك مسؤولية التدخل لمكافحة التشوّه الذي عليه صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي في "الغرب".
فإذا كانت هذه الصورة غير موحّدة في عموم الفضاء الغربي، وإن أخذت طابعاً عاماً ذي ملامح مشتركة، وإذا كانت هذه الصورة غير ثابتة من الناحية الزمنية، وإذا كانت تتأثر بخلفيات يمكن التعامل معها والتأثير فيها؛ أمكن القول مع إدراك كل ذلك بضرورة التدخل لمكافحة التشوهات المفترضة في هذه الصورة، أو التخفيف من حدّتها وغلوائها على أقل تقدير، وهو ما نراه في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا جزءاً أساسياً من رسالتنا، ومن رسالة المؤسسات الإسلامية في الغرب إجمالاً.
إنّ هذا المسعى هو ما يقابل مساعي التشويه الحثيثة التي تبذلها بعض الأطراف والأوساط في البلدان الغربية، وفي جانب المسلمين أيضاً بكل أسف، ولا شك أنّ المسلمين في الغرب يجدون من يقف معهم، كلياً أو جزئياً؛ في دائرة التواصل الإيجابي والحوار والتعاون البناء، لأنّ العقلاء من كل الأطراف يدركون أنّ هذه هي الرسالة التي تنفع الناس فتمكث في الأرض، بينما يتولى الواقفون في دائرة القطيعة والخصام، في الجانبين؛ تأجيج العداوات وإثارة الأحقاد وخيمة العواقب.
ورغم أننا نتابع بقلق بالغ الجوانب السلبية في صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي الغربي؛ فإننا ينبغي أن ندرك وجود جوانب إيجابية، وإن كانت متوارية أحياناً أو غير ملتفت إليها بالقدر الكافي.
1// في خلفيات الصورة - تاريخياً
كانت الصورة الغربية المخصصة للإسلام والمسلمين المتوارثة منذ قرون، حافلة بالمزاعم الباطلة التي تربط الإسلام بالسيف والنار والعدوان والأباطيل العقائدية. ويبدو أنّ عدم وجود وسائل اتصال جماهيري في العصر الوسيط كالتي نعرفها اليوم، مطبوعة ومسموعة ومرئية وفضائية وشبكية؛ قد ساعد على استقرار المزاعم الباطلة كأحكام مسبقة غير قابلة للنقاش، وما زالت هذه الصورة الذهنية تطل برأسها بصور جديدة بكل أسف، حتى في عصر ما يسمى بالقرية الكونية.
وتقتضي الدقة القول بأنّ الروايات الشائعة والحكايات المتناقلة عبر الموروث الشعبي في المجتمعات الغربية منذ العهود البائدة اختلطت بها الكثير من المبالغات ويشوبها التشويش في بعض الجوانب، فالتاريخ الذي يوثق العهود السالفة بقي خاضعاً لمحددات الوصف التاريخي آنذاك، إذ تكاد تتلاشى الحواجز بين الوقائع والمبالغات، أو بين القوالب الجاهزة عن "الآخر" والمعطيات الموضوعية المجردة عن المؤثرات الضاغطة.
وقد كان للمواجهات الحربية والاحتكاكات المتعاقبة بين أوروبا والعالم الإسلامي عبر قرون طويلة؛ انعكاساتها على تكريس الأحكام المسبقة السلبية وللأسف؛ فقليلاً ما يجري الانتباه إلى أنّ الصراعات كانت تجري أيضاً في نطاق الدائرة الحضارية الواحدة، خاصة مع ما شهدته أوروبا من حروب وصراعات دامية عبر القرون السالفة، وصولاً إلى القرن العشرين. ولذا؛ فإنّ احتجاج حملة مفاهيم الخصام بين الثقافات والصراع بين الحضارات بما سلف من مواجهات حربية واحتكاكات بين أوروبا والعالم الإسلامي يبدو واهياً إلى حد كبير عندما يتجاهلون الصراعات البينية والداخلية في أوروبا مثلاً.
فقد عرفت أوروبا صراعات بينية كثيرة، سالت فيها الكثير من الدماء، واستيقظت فيها الكثير من العداوات، ولكن المواجهة مع العثمانيين عبر قرون كانت ذات طابع خاص، فالمسلمون كانوا بالنسبة لقارتنا هذه وكأنهم قادمون من عالم آخر، لقد ظهروا منتمين إلى نسق مختلف بوضوح عن النسيج الأوروبي.
وإذا كانت قرون الاحتكاك بين العثمانيين وممالك أوروبا لم تخلُ من الاتصال الحضاري بين عالمين، بشكل يمكن للخبراء أن يرصدوا آثاره المتنوعة ويتتبعونها اليوم؛ فإنّ ما استقر في الذاكرة الجمعية لكثير من الشعوب الأوروبية من انطباعات كان كما هو متوقع أحكاماً تغذي قناعات حقبة "حروب الفرنجة" (ما تُسميه المصادر الغربية الحملات الصليبية) بشأن الإسلام والمسلمين وعالمهم.
وقد جاء اختراع الألماني يوهاناس غوتنبرغ للمطبعة في أواسط القرن الخامس عشر بمثابة فرصة هامة لمراجعة الخلل في الصورة الرائجة عن الإسلام في الغرب، فقد أدخلت المطبعة وعاء جديداً لتبادل المعلومات والانطباعات إلى المعادلة؛ إنه الكتاب. وهكذا كان للكُتّاب والأدباء والرواد فرصهم في تشكيل الرأي العام، بعد أن احتكرت ذلك السلطات الملكية والأوساط الكنسية.
لقد عرفت الحركة العلمية والأدبية في أوروبا مع عصر النهضة أعمالاً وإسهامات جليلة ربما كانت مرشحة لأن تزيح المخاوف التقليدية المتوارثة من الإسلام، وتمسح جانباً كبيراً من الانطباعات الخاطئة التي نبتت في عصور الظلام عن المسلمين وعالمهم. ولكن مما يؤسَف له أنّ الحركة العلمية والأدبية في أوروبا لم تتحرر بالكامل من أغلال الماضي وانطباعاته نحو الإسلام، بل ربما تورّطت في تكريس الصور الكريهة المختلفة أو المشوّهة، فبرزت المخاوف ذاتها بقوالب جديدة، كما وجد التحامل والتعصب في الاستشراق ميداناً خصباً للعبث والتشويه.
ورغم العدد الذي تزايد من الفنانين الأوروبيين الذين أخذوا في القرن التاسع عشر يجوبون الشرق الإسلامي، وقاموا بتصوير بعض مشاهداتهم فيه في لوحات فنية، ما يزال كثير منها محفوظاً إلى اليوم( )؛ فإنّ ذلك لم يؤدِّ على ما يبدو إلى تحسين جوهري لصورة الشرق المليئة بالانطباعات السلبية في الذهنية العامة الأوروبية.
لقد كانت صورة الشرق ترتبط بالغموض والسحر، وعالم الشرق كان يبدو مُسْتَطْرَفاً (exotic)، ومن الواضح من خلال الكثير من الأعمال الفنية والأدبية أيضاً، التي قُدِّمت في أوروبا عن الشرق الإسلامي؛ أنها عززت هذه الصورة، ولم تفلح في تقريب الشرق إلى أذهان الغربيين رغم ما وفّرته وسائل النقل في القرن التاسع عشر من تقارب بشري.
وبالمقابل فإنّ هناك أبعاداً تاريخية أخرى كان لها مفعولها في الجانب المسلم، إذ لا يجدر بنا أن نتجاهل أنّ أجيالاً متلاحقة في البلدان الإسلامية، لم تدرك من الغربيين سوى طلائع المستعمرين؛ فلم تعرف من الإنسان الغربي غير نمط المستعمر، المحتل، الناهب للثروات، القامع للحريات، والمشجع للمفسدين. لقد تركت أوزار الاستعمار آثاراً عميقة وجراحاً غائرة لدى قطاع كبير من المسلمين نحو الغرب، فكانت النظرة العدائية لديهم، والتي كان من شأنها أن عززت الانطباعات المسبقة في أوروبا نحو الإسلام وأهله، بوصفهم تهديداً ماحقاً.
وقد بلغت هذه العلاقة المتداخلة مبلغاً خطيراً مع تفاقم الظاهرة الاحتلالية الاستيطانية في فلسطين العربية المسلمة، وهو ما جعل قطاعاً واسعاً من المراقبين ينظرون إلى قضية فلسطين بوصفها أزمة لا تنحصر مضاعفاتها في تلك الرقعة الصغيرة من الأرض، بل تمس محاور حساسة وأكثر اتساعاً.
2// في خلفيات الصورة – واقع المسلمين
إنّ صورة الإسلام والمسلمين قد تأثرت، بلا ريب بواقع العالم الإسلامي الذي يعاني من الضعف والتخلف والتفكك بكل أسف، والذي ينضح بالاحتلالات الأجنبية، وبالصراعات الدامية، وبالفقر والجوع والمرض وتبديد الثروات وتعثر مسيرة التنمية فيه.
ولعلّ في هذا ما يذكّرنا مجدداً بأنّ العالم الإسلامي مطالَبٌ بإيجاد حلول لمعضلاته الكبرى التي تبدو كقروح تشوِّه صورة المسلمين في العالم. فالتحرر والاستقلال، والاستقرار والأمن، لا بدّ أن تتحقق للشعوب المسلمة، كما أنّ لها أن تنعم بالحرية المكفولة لها، وحقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، وسيادة القانون، واحترام التعددية، والنزول عند خيارات الشعوب. وغنيٌّ عن القول أنّ الأمة الإسلامية لن يكون بوسعها أن تقوم بمهمتها الحضارية المنشودة في هذا العالم وهي تفتقر إلى احتياجاتها الأساسية في التحرّر والسيادة، والاستقرار والأمن، والحرية والحقوق، والازدهار والعيش الكريم. ورغم رغبة بعض الأطراف والقوى الغربية في إعاقة اجتياز الأمة لمسيرة نهضتها وتقدمها؛ فإنّ الواجب الأساسي في استنهاضها إنما يقوم على أكتاف قوى الأمة الحية وأبنائها.
ثم لا نستطيع أن نعفي واقع الأقليات المسلمة في البلدان الغربية من جانب من المسؤولية عن الصورة غير اللائقة التي رسمت لديننا الحنيف في هذه البلدان. ونحن هنا إذ لا نُغفِل الكثير من الجهود المباركة التي بُذلت، وإذ لا نتجاهل الانطباعات الحسنة التي قد لا تكون ظاهرة أحياناً التي خلفها المسلمون والمؤسسات الإسلامية في الغرب، أو بعضهم على أقل تقدير، عن سموِّ أخلاقهم ودفء علاقاتهم والتعايش الودي مع غيرهم، وعن شخصيتهم المؤمنة بالله الواحد الأحد، والتواصل مع أفراد المجتمعات الغربية ومؤسساتها؛ فإننا رغم كل ذلك ندرك جوانب القصور والثغرات التي ما زالت ماثلة في واقعنا في الغرب، وهو ما ترك انطباعات سلبية تعود علينا، كما تعود على ديننا الإسلامي الكريم وهو منها براء.
ولا يغيب عن الأذهان أنّ مردّ ذلك في جانب منه يكمن أيضاً في غياب النموذج الحضاري الإسلامي المعاصر، الملموس في دنيا الناس، والذي يمكن أن يجتذب الأنظار أو يشار إليه بالبنان. ولا تمثّل التجارب التي حملت لافتات إسلامية هنا وهناك مدعاة للإعجاب، على أحسن تقدير، في عيون المراقبين من المسلمين وغير المسلمين، بما جعلها تساهم هي الأخرى في تكريس صورة نمطية سلبية.
والثابت أنّ وضع المسلمين في البلدان الغربية ما يزال دون ما يرتضيه لهم الإسلام بكثير. وهناك مشكلات تطفو على السطح، كالروح الانعزالية لدى بعض المسلمين عن المجتمعات التي يعيشون بين أكنافها، وضمور القيم الإنسانية والحضارية في تصورات المسلمين، وغلبة العادات والتقاليد أحياناً بما يشوبها من سلبيات، زيادة على صور التطرف وأنماط التشدد التي تحظى باهتمام إعلامي كبير رغم هامشيتها في واقع المسلمين.
ولكننا لا نتجاهل في هذا المقام أنّ ظروف نشأة الأقليات المسلمة الجديدة في كثير من البلدان الغربية قد حدّت من قدرتها على إثبات مواقع جديرة بها في المجتمعات الغربية، رغم كثير من الإنجازات التي تحققت. فالمسلمون بشكل عام، ومع وجود استثناءات معتبرة، هم مثلاً من بين أكثر من عاني في أوروبا من البطالة والفقر والأمية الثقافية والتسرب من المدارس، وكانوا هم الأدنى حظاً في الإفادة من العلوم والمعرفة، بل وتعيش نسبة كبيرة من مسلمي أوروبا في أحياء توصف أحياناً بـ"أحزمة الفقر" ومناطق الجريمة والانحرافات في المدن الأوروبية، بكل ما يستتبع ذلك من انعكاسات مؤسفة.
ولا يعني هذا عدم وجود جهود قد بُذلت في العقود والأعوام الماضية، فالمؤسسات الإسلامية في الغرب قد قطعت أشواطاً واسعة في مجالات التعليم والخدمات العامة، كما كثّف المسلمون والمؤسسات الإسلامية في الغرب مساعيهم في ميادين الحوار والتواصل مع غير المسلمين. فضلاً عن الحضور المتزايد في الميادين التعليمية والمهنية.
3// في خلفيات الصورة – العامل الإعلامي
لقد كان الأداء الإعلامي في العالم الغربي في بعض الحالات مخيباً لآمال التواصل الإيجابي، ومضماراً للتحامل والتشويه. وإذا كان لاختراع المطبعة في أواسط القرن الخامس عشر أهميته، فإنّ لعصر وسائل الإعلام الجماهيري فعاليته في التأثير على النظرة السلبية للإسلام في الغرب. فمن جانب كان للظاهرة التي يطلق عليها الإعلاميون "القرية الكونية" آثارها في تعزيز التواصل الإنساني، وتوفير أرضية رحبة للتعارف البشري، ولكنّ الأمر لم يكن في جانبه الآخر كفيلاً بتجاوز تعقيدات الماضي.
فالبشرية أصبحت قادرة بالفعل على مشاهدة ما يدور في الجانب الآخر من البسيطة، ولكنّ القدرة على المشاهدة لم تكن لتعني القدرة على فهم خلفيات المشهد أو تفسيره. كان هناك الكثير من الخلفيات التي غابت، وما زالت تغيب عن وعي الجماهير، إنّ الواقعة الواحدة قد تحمل أكثر من تأويل ومعنى، بحسب كل بيئة وطبقاً لملابسات كل واقعة، وهذا ما جعل وسائل الإعلام تخفق في تعزيز التفاهم المأمول؛ إن لم يتعمد بعضها تشويه الحقائق وترسيخ علاقة الخصام والقطيعة والصدام، أو على الأقل المبالغة في تضخيم الجوانب السلبية على حساب غيرها.
وما يفاقم الموقف أنّ الصناعة الإعلامية متهمة، بحسب كثير من الخبراء، بعدم الاكتراث بالدقة والموضوعية في العرض، بل وبممارسة التشويه بقصد أو بدون قصد. والنتيجة أنّ الصحيفة والإذاعة والتلفزة والسينما؛ لم تفلح أحياناً في القفز على الانطباعات المسبقة السلبية، والأحكام الجائرة المستقلة في العقل الجمعي، بل سقطت في مستنقعها، وعززت الصور الذهنية البائسة في الغرب كالنظرة القلقة إلى الإسلام.
لقد وضع جاك شاهين، الأستاذ الجامعي، والمشرف السابق على شؤون الشرق الأوسط في شبكة "سي بي إس" الإخبارية الأمريكية، الصناعة السينمائية في هوليوود في قفص الاتهام، مؤكداً أنّ أفلامها تمارس تشويهاً مذهلاً للعرب والمسلمين. فكتابه الذي يحمل العنوان "عرب السينما الأشرار: كيف تشوِّه هوليوود شعباً؟"، يرتكز إلى معاينة من الداخل لما يدور في إمبراطورية الصناعة السينمائية العالمية. وحسب استنتاجاته؛ فإنّ صانعي الأفلام الأمريكية قد وصموا العرب بأنهم "عدو الجمهور الأول" من خلال أعمالهم المنتجة منذ سنة 1896 وإلى اليوم، والتي تفضح هذه النزعة المتحاملة. فالصورة النمطية المعروضة للعرب والمسلمين في الأفلام تبرزهم على أنهم "متوحشون لا قلوب لهم"، و"متخلفون وغير متحضرين"، بل وينتمون إلى "ثقافة مغايرة"، و"يعشقون ترويع الغربيين المتحضرين". وأما الإسلام فتعرضه هوليوود عادة على أنه دين الإرهاب واضطهاد المرأة. وحسب شاهين في كتابه "أن تكون عربياً يعني أنك مسلم وإرهابي، فهذه هي الصورة الشائعة عن الإسلام" في هوليوود.( )
ولهذا فإننا لا نبالغ إذا ما حذرنا من خطورة التغطية المنحازة أو المسيئة أو غير الدقيقة في وسائل الإعلام لما يتعلق بالشأن الإسلامي من جوانبه المختلفة، وهذه ظاهرة معروفة وتؤكدها دراسات أجريت في الغرب والشرق على الكثير من الحالات. وهذا وإن كان عاملاً خارجياً كما هو ظاهر؛ إلاّ أنّ المسلمين في عمومهم لم يقوموا بما فيه الكفاية لتعديل هذه الموازين، علاوة على أنّ الواقع المرير للعالم الإسلامي هو بحدِّ ذاته عامل مشجع على ممارسة التشويه.
4// في خلفيات الصورة – المناهج التعليمية
لا يمكن استبعاد المناهج التعليمية ودورها وأهميتها عندما نفتح ملف صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي الغربي.
ومما يثير الأسف؛ أنّ الجدل قد انصب في السنوات القليلة الماضية على المناهج التعليمية في العالم العربي والإسلامي، مع مطالبات حثيثة بإجراء تعديلات وتحويرات فيها، خاصة في ما يتعلق بصورة "الآخر"، دون أن تنال المناهج التعليمية في البلدان الغربية ما يكافئ ذلك من الاهتمام. إذ ما زالت صورة "الآخر" في المناهج المدرسية والجامعية في البلدان الغربية على تفاوت واضح في ما بينها؛ حافلة بما يقتضي المراجعة تلو الأخرى، والتعديل إثر الآخر.
لقد وقفت العديد من الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المضمار، على كثيرٍ من مكامن الخلل والقصور، فيما يتصل بصورة المسلم أو العربي، في المناهج التعليمية المعمول بها في البلدان الغربية. وما زال هناك باحثون جادون، كثير منهم من غير المسلمين، يسعون للفت الأنظار إلى مكامن الخلل هذه، ولكنّ إمكاناتهم تبدو متواضعة أمام حجم المشكلة المتشعبة واتساع الخرق على الراقع.
ويمكن الإشارة إلى ما وقف عليه فريق بحثي في ألمانيا، قاده عبر سنوات متواصلة من العمل الدؤوب البروفيسور الراحل عبد الجواد فلاطوري، من أنّ صورة الإسلام السلبية تبقى سمة عامة للمناهج المدرسية على شتى أنواع المدارس. وقد أظهر هذا المشروع البحثي المعمّق أنّ صورة الإسلام السلبية هذه ليست سمة خاصة تتسم بها الكتب في المدارس الكاثوليكية الألمانية فقط؛ وإنما تشكل الخلفية لمعظم الأقوال عن الإسلام التي جاءت أيضاً في الكتب الدينية البروتستانتية، وفي كتب التاريخ والجغرافيا، وفي برامج التعليم والتوجيهات العامة للتدريس، وفي الأفلام والشرائح الملوّنة، ووسائل التدريس الأخرى في كافة أنحاء أوروبا.( )
كما نجد المناهج التعليمية وهي تتولى نقل الموروث السلبي عن المسلمين للأجيال الجديدة، ربما بلا وعي أحياناً. وكما أظهرت مثلاً الباحثة مارلين نصر في الحالة الفرنسية؛ تلتصق صورة العربي والمسلم بالصحراء والبداوة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بكتب النصوص المخصصة للقراءة. إنّ الحياة الصحراوية تعني العيش في الهامش، ونبذ المدنية والتحضر، وهو ما يتجلى مع غياب الإشارات إلى الحياة المدنية في العالم العربي والإسلامي في المناهج الفرنسية المقررة على التلاميذ.
وتلاحظ الباحثة الأثر المزدوج لهذه الصورة السلبية المقدمة للعرب والمسلمين؛ فمن جانب تذكّي نزعة الاستعلاء في نفوس الناشئة الفرنسيين على كل ما هو عربي ومسلم، بينما تلحق مشاعر الدونية، أو حتى كراهية الذات بالتلاميذ العرب والمسلمين في المدارس الفرنسية.
أما موقع العربي والمسلم فهو ملازم لأدنى درجات السلم الاجتماعي، ما يؤدي إلى النتائج المؤسفة ذاتها أيضاً. ولا تعين الكتب المدرسية الفرنسية التلاميذ على إدراك ما ينطوي عليه العالم الإسلامي من تنوع وثراء، فهو يُصوَّر على أنه كتلة أحادية جامدة، يسهل إصدار الأحكام التعميمية عليها بالتخلف.
إنّ ممارسات ذميمة كالاسترقاق والاستعباد هي مما سيلتصق حتماً بأذهان التلاميذ الفرنسيين في دراستهم للمسلمين في المرحلة الثانوية، بينما يعاد تقديم تجربة الاستعمار الفرنسي المؤلمة في العالم الإسلامي بوصفها حركة تمدن وتعمير، فهو اجترار المبررات التقليدية البالية للحقبة الاستعمارية سيئة السمعة.
وتبدو المفارقة مذهلة عندما يتعلق الأمر بعرض وقائع "حروب الفرنجة" (الحملات الصليبية). فرغم ما تمثله تلك الحملات الحربية الضارية من صفحات سوداء في التاريخ الفرنسي والأوروبي ككل؛ فإنّ الكتب المدرسية تعرضها بتحيز، دون إشارة إلى طابعها العدواني، بل تذهب إلى حد إيراد الحجج التي ساقتها الدعاية الكنسية لتحريض الأوروبيين على خوض تلك الحملات، والمتمثلة في التحرير المزعوم لـ "قبر المسيح".( )
وإذا كنا إزاء غيض من فيض؛ فإنّ علينا أن نؤكد في هذا المقام أنّه لا مجال للتراخي إزاء الأخطاء ومكامن القصور التي تعتري المناهج المدرسية في البلدان الغربية، في ما يخص صورة الإسلام والمسلمين. ونحن إذ نذكر ذلك؛ فإننا ننوِّه أيضاً إلى أنّ تغييراً قد طرأ في تعديل المناهج المدرسية في أوروبا في ما يتعلق بصورة "الآخر"، ويُضاف إلى ذلك برامج التواصل والتفاهم ونبذ الكراهية التي تجري على هامش العملية التعليمية في بعض البلدان الأوروبية، علاوة على توفر المزيد من المراجع المنصفة بشأن الإسلام والمسلمين في المكتبات المدرسية والعامة، وهو بمثابة تحوّل جدير بالاهتمام والتشجيع، كي يصل إلى مدىً أعمق من الفهم الصحيح والتواصل الحسن.
5// في خلفيات الصورة - الظاهرة العنصرية
إنّ صورة المسلمين في الغرب تبقى متأثرة إلى حد كبير، بالنظرة التقليدية إلى من يوصفون بـ"الأجانب"، فعندما صعدت التيارات العنصرية واليمينية المتطرفة في أوروبا مع بداية التسعينيات من القرن العشرين؛ اتضح أنّ المسلمين كانوا غالباً في مقدمة المستهدفين بخطابها العدائي التحريضي.
فالظاهرة العنصرية التي فرضت ذاتها على المشهد الغربي بشكل عام؛ في السنوات الماضية؛ تحمل أحياناً خلفيات تاريخية كامنة، فالكاتب الفرنسي إيريك سافاريس، مثلاً، ينطلق في كتابه "التاريخ الاستعماري والهجرة: اختراع الأجنبي"( ) من الحالة الفرنسية، ليجد أنّ الصور الكريهة عن "الأجانب" هي انعكاس لصور العهد الاستعماري عن "الآخر". ويبدو الأمر واضحاً عبر مقارنته بين النظرة السائدة اليوم في المجتمع الفرنسي للمهاجرين من المغرب العربي؛ ونظرة "المستعمرين" الفرنسيين إلى الجزائريين ؛ أي طوال الاحتلال الفرنسي للجزائر.
ولم يكن مفعول السينما الفرنسية منذ أوائل القرن العشرين إيجابياً في التعريف بالآخر، إذ أنها عرضت المغاربيين مثلاً ضمن قوالب جامدة سلبية على أنهم "متوحشون"، وهو ما فعلته الروايات الشعبية أيضاً، وبينما ظهر العرب في السينما والروايات بهذه الوحشية؛ فإنّ الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء الكبرى أضفيت عليها نعوت السذاجة والطفولية.
إنّ إيريك سافاريس، المحاضر والباحث في الجامعة المتوسطية، يراقب ما يدور تحت السطح السياسي في فرنسا؛ فيستنتج أنّ صعود أقصى اليمين هو انعكاس لكراهية "الأجنبي". فحزب "الجبهة الوطنية" المتطرف مثلاً يرى "الأجانب" سبباً للبطالة وتدهور الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة. ولذا فإنّ المؤلف يرى أنّ المجتمع الفرنسي، والمجتمعات الأوروبية بشكل عام، تنسج صورة نمطية عن "الآخر" وتحاكمها بقسوة في الظروف الضاغطة، وهو يطلق على ذلك مصطلحاً فريداً يتمثل في "اختراع الأجنبي".
ويلاحظ الدكتور أحمد جاء بالله أنّ "التيارات والأحزاب العنصرية تجتهد غالباً في تبرير مواقفها العنصرية بتبريرات سياسية واجتماعية، كأن تعبر عن مناهضتها لوجود الأجانب في البلد بناء على أنّ الأزمة الاقتصادية تقتضي إعطاء الأولوية في فرص العمل لأهل البلاد الأصلية".( )
وعندما ننظر إلى واقع المجتمعات الأوروبية بشكل عام فسنجد أنها بالمقابل قد شهدت تطوراً واضحاً على طريق القبول بالتعددية في الأصول الدينية والعرقية لشركاء المجتمع الواحد، فأخذت تخطو خطوات في الاتجاه الصحيح، مع تفاوت بين بلد وآخر، وإن حدث في بعض الحالات أن تراجعت خطوات إلى الوراء، كما أخذنا نشهد في السنوات الأخيرة في بعض البلدان. مع هذا؛ يجدر التأكيد بأنّ الظاهرة العنصرية، على ما تمثّله من قلق كبير خاصة في ما يخص بعض الأصوات المناهضة للإسلام والمسلمين، والتي تمارس عنصرية انتقائية؛ إنما هي في مجموعها تبقى ظاهرة هامشية بالنظر إلى الإطار العام الرحب للمجتمع.
6// في خلفيات الصورة - الخلفية الفكرية والفلسفية
ربما أمكن تفسير الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي لبعض الفئات في المجتمعات الغربية بشعور كامن بالتفوق غير المبرَّر أو سيادة نهج "المركزية الغربية" أو نزعة الاستعلاء الحضاري التي تغذيها بعض الفلسفات والتجارب التي نشأت في البيئة الغربية، مستفيدة من الفجوة الفكرية والعلمية والتقنية بين أمم العالم الصناعي وبقية أمم الأرض النامية والفقيرة.
وقد تكون هذه الخلفية المؤسفة مسؤولة عن تكوّن جوانب من صورة سلبية عن المسلمين، مدفوعة بالشعور بالتعالي "المؤدي إلى احتقار الآخر والانتقاص منه ووصمه بالتخلف وعدم الاعتراف بثقافته وحضارته، واعتبار أنّ النمط الحضاري الذي ينتمي إليه الشخص هو المثل الأعلى الذي يجب أن يسود. إنّ شعور الاعتزاز والافتخار بالوطن والتاريخ والثقافة واللغة أمر تشترك فيه كل الشعوب، ولكن هذا الشعور يجب أن تكون له ضوابط تقتضي الاعتراف بالآخر وبمكانته وبخصوصياته، وإذا غابت هذه الضوابط فإن جوّ التصادم والصراع هو الذي سيحل محل التعاون والاحترام المتبادل... وهذا التجاهل هو أحد أسباب التوتر الذي تعاني منه البشرية في مجالات التعامل المختلفة، فالشعوب التي تمتلك إمكانيات مادية كبيرة تتمكن من نشر بل فرض ثقافتها وقِيَمِهَا على الآخرين، في حين تجد الشعوب الضعيفة نفسها مهمّشة لا تتمكن فحسب من التعريف بثقافتها ورصيدها الحضاري، بل تشعر بأنها مهددة في الحفاظ على هويتها في داخل مجتمعاتها"( ).
ولا يخفى ما أسفرت عنه نزعات التفوق العرقي التي راجت في أوروبا والغرب في القرون الأخيرة، وربما كان العهد الاستعماري فصلاً مؤسفاً في التواصل بين الأمم الغربية والمسلمين، تعززت خلاله الصور السلبية المتبادلة، خاصة وأنه كان إيذاناً بأكبر عملية نهب عرفتها البشرية في تاريخها، ولعلّ أحد الوجوه الكريهة لذلك العهد؛ أنه تعامل مع أمم موغلة في الحضارة وشعوب تحمل تراثاً ثقافياً زاخراً؛ بوصفها مساحات للتوسع والسيطرة والنفوذ، قبل أي شيء آخر. والحقيقة أنّ هذه النزعات الكريهة قد بددت فرصاً ذهبية للاتصال الإنساني، والتعارف البشري، وغذت العداوات وأيقظت الأحقاد في الجانبين؛ العالمين الغربي والإسلامي.
وانطلاقاً من خلفيات فكرية أو فلسفية؛ تتولى بعض الأطراف عرض الإسلام على أنه الدين المخالف لما هو مقبول من العقائد والأديان، أو على أنه الخطر الدّاهم الذي يجب الاحتياط منه ومقاومته، بينما تزداد التحذيرات من "ظاهرة الإسلاموفوبيا".
7// صورة الإسلام والمسلمين – من منظور كنسي غربي
تتباين النظرة إلى المسلمين بين القيادات الكنسية الغربية، بحسب الكنيسة التي يتبعها رجال الدين، وبحسب المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء وما يسوده من اتجاهات ويخيم عليه من مواقف وتجارب، بل وتتفاوت هذه النظرة من رجل دين إلى آخر.
إننا لا نبالغ إذا ما قلنا إننا نعثر في أوساط رجال الدين النصارى في الغرب على الموقف ونقيضه أحياناً، ولكنّ الخط الرسمي للكنائس، وبخاصة الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية؛ يؤكد التمسك بخيار التسامح والانفتاح، حتى مع وجود تحفظات هنا أو شوائب هناك أو قصور وعثرات بين الحين والآخر.
ومن المثير للأسف أن تعلو على مستوى بعض القيادات الكنسية، أصوات مناهضة للمسلمين؛ فقد أثار جياكومو بيفي، كاردينال بولونيا الإيطالية، زوبعة من الجدل سنة 2000م؛ عندما طالب الدولة الإيطالية صراحة بالحيلولة دون استقبال المزيد من المهاجرين المسلمين، والاكتفاء باستيعاب مهاجرين من البلدان الكاثوليكية، وشدّد الكاردينال بيفي على الطلب من الحكومة أن تكف عن السماح للمسلمين بالهجرة إلى إيطاليا والاقتصار على استقبال المهاجرين الكاثوليك، مشدداً على أنّ "إيطاليا بلد كاثوليكي ومن واجب الدولة أن تحمي الهويةَ الثقافيَّةَ للشعب"، كما ذهب في تصريحاته التي أثارت عاصفة من النقد. ولم يكن بيفي وحده في هذا الاتجاه؛ فقد علت تصريحات شبيهة، كالتي أطلقها مراراً أسقف سانت بولتن بالنمسا كورت كرين، الذي هاجم الدين الإسلامي والقرآن الكريم بشراسة وحذّر من المسلمين والمساجد.
ورغم هذين النموذجين اللذين نسوقهما على سبيل المثال لا الحصر؛ فإنه لا بد من التأكيد بأنّ هذه المواقف المتعصبة تخالف روح المواقف الودية التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية إزاء الإسلام المسلمين منذ ستينيات القرن العشرين( ). فقد عبّرت وثيقةُ المجمع المسكوني الثانية، الصادرة في تشرين أول (أكتوبر) 1965م عن التقديرِ للإسلام، ونظرت فيها للمسلمين على أنهم "موحِّدون يعبدون الإلهَ الواحد"، وأكدت الكنيسةَ الكاثوليكية في هذه الوثيقة التي تعدّ تطوراً تاريخياً مهماً، إنّ "الكنيسةَ تنظرُ باحترامٍ للمسلمين، إنهم يعبدون الإله الواحد الحي، الموجودَ في ذاته، القويّ، الرحيم، خالقَ السمواتِ والأرضِ"، وأشارت الوثيقة إلى أنّ "المسلمين على الرغمِ من عدم اعترافهم بالمسيحِ كإله؛ إلا أنهم يحترمونه كنبيٍّ، وأنهم يقدرون مريمَ العذراءَ، ويؤمنون بيومِ القيامة، ويحترمونَ القِيَمَ الأخلاقيَّةَ، ويعبُدونَ الله من خلال الصَّلاة والزكاة الصيام".
وكانت الكنيسة، الكاثوليكية أساساً؛ قد أظهرت اهتماماً بالوجود المتنامي للمسلمين في القارّة الأوروبية. وتعود أولى المبادرات البارزة التي تعكس عناية من هذا النوع، على المستوى المركزي للكنيسة في أوروبا؛ إلى قرابة ثلاثة عقود خلت. فقد نُظِّم في العام 1976 في بلدة مودلنغ، وهي ضاحيةٌ جنوبيّة للعاصمة النمساوية فيينا، ملتقى بعنوان "المسلمون في أوروبا". وحُدِّد هدف هذا الملتقى الموسع في بحث أوضاع المسلمين في البلدان الأوروبية.
وفي خطوة لاحقة عُقد مؤتمرٌ آخر بعنوان "الكنيسة والحضور الإسلامي في أوروبا"، في مدينة سالزبورغ النمساوية عام 1978، بمبادرة من "مؤتمر الكنائس الأوروبية"، ولجنة الاتصال الأوروبية التابعة لـ"مشروع الإسلام في أفريقيا".
كما عُقد ملتقىً آخر في العام 1984م، في مدينة سانت بولتن النمساوية، للتباحث حول "الإيمان بالرب لدى المسيحيين والمسلمين في أوروبا علمانية". وبعد أشهر قليلة صدرت من الفاتيكان وثيقة شهيرة تناولت بلورة لرؤية الكنيسة للوجود الإسلاميِّ في أوروبا، حملت عنوان "موقف الكنيسة إزاء أتباع الديانات الأخرى".
8// في خلفيات الصورة - نزعة اصطناع العدو أو أسطورة "التهديد الإسلامي"
عندما نتطرق إلى خلفيات صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي للشعوب الغربية، فإنّ هذا يقودنا بشكل أو بآخر إلى قراءة جوانب من العلاقة الممتدة بين الإسلام والغرب، في الماضي والحاضر.
ولعلنا في هذا السياق قد نلحظ أنّ أحد العوامل الجوهرية التي حكمت هذه العلاقة، وألقت بظلال قاتمة عليها؛ هو أنّ الإسلام كان قد برز في عيون النخبة المتنفذة في أوروبا النصرانية بوصفه ديناً نابضاً، يحمل معه إشعاعاً قادراً على اجتذاب الأمم وبلوغ الآفاق، ويمتاز بقدرته على تشكيل إيقاع الحياة ونظمها بما يفيض به من قيم وتشريعات تصلح لأن تهتدي بها نظم الحياة.
وإذا كانت هذه الخصائص التي أمتاز بها الدين الإسلامي الحنيف تفسّر إعراض المتنفذين في قريش عنه، ومحاربتهم له؛ فإنها قد تكشف لنا عن سبب جوهري وراء قلق المتنفذين في أوروبا خلال العصر الوسيط من هذا الدين الحنيف. فالعقيدة السمحاء، وبما يلحق بها من قيم وتشريعات؛ بدت لأصحاب السلطة والنفوذ في القارة العجوز متعارضة مع كثير مما كان سائداً في أوروبا آنذاك من عقائد ومفاهيم، ومن قيم وتشريعات، فالتصقت في رؤوسهم بالتهديد والمخاوف. وإذا كانت الكنائس المنشقة والفرق النصرانية المخالفة قد حوربت أو سحقت في أوروبا آنذاك، فكان من المنطقي ألاّ تكون النظرة إلى الإسلام استثناء من القاعدة السائدة التي كانت تضيق ذرعاً بالمخالفين في الانتماء العقائدي.
وإذا ما تجاوزنا صفحات التاريخ المثقل بالأوزار سنجد عقلية "التهديد الإسلامي" التي سادت في أوروبا في القرون السالفة تطل برأسها مجدداً، بقوالب متطورة من الناحية الشكلية وحسب، وبمضمون يبدو متصلاً مع الماضي بشكل أو بآخر. وعندما نتصفح كتاب صموئيل هنتنغتون، الموسوم بـ"صدام الحضارات" مثلاً، سنجد أنّ روح الأطروحة التي أثارت كل هذا الجدل قد تتلخص في: الإسلام وعالمه يمثل تهديداً للغرب وقيمه.
إنّ السبب المفهوم لهذا الرواج والتفهم لفكرة "صدام الحضارات" هو استحضار لنزعة اصطناع العدو ولروح افتعال المواجهة، ورغبة بعض الأطراف في تأجيج مزاعم "التهديد الإسلامي". ثم تأتي بعض الممارسات التي يقوم بها مسلمون هنا وهناك، بكل أسف، لتعزز مشاعر القلق والخوف هذه، ولتوفر ذرائع لتأجيج خطاب "التهديد الإسلامي" المزعوم هذا.
9// في خلفيات الصورة - انعكاس الحضور الإسلامي المتنامي في الغرب
لقد أحدث الوجود المسلم المتنامي في الغرب إجمالاً الكثير من ردود الفعل والانعكاسات والتداعيات في العقود الأخيرة، إذ شهد الحضور الإسلاميّ في المشهد الغربي تطورات واضحة، مع التفاوت بين بلد وآخر، فعلاوة على تصاعد الجدل بشأن الإسلام؛ باتت للدين الإسلاميّ مكانة اعتبارية متزايدة في أهميتها في الحياة العامة في بلدان الغرب، وهو ما لوحظ بشكل واضح في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ومما نراه ضمن المؤشرات المستقبلية الراجحة؛ احتمال تنامي المكانة الاعتبارية للدين الإسلامي في الحياة العامة في كثير من البلدان الغربية، سواء على صعيد التسوية القانونية للتعامل مع المسائل الدينية للمسلمين، أو مشاركة المسلمين في الحياة العامة بالإدلاء بالآراء والمواقف.
لقد ترك الحضور الإسلاميّ، الذي وُصف بأنه "دافئ" انعكاسه على صورة المشهد الاجتماعي العام في أوروبا، فقد تعزّز وصف الإسلام بـ"الدين الحي" من خلال انتشار مظاهرِ التديّنِ الإسلاميّ في المجتمعات الأوروبية، وكان الأمر مثيراً لاهتمام المراقبين، وخاصة في الأوساط الدينية الأخرى التي تلاحظ التحولات الجديدة في الفضاء الأوروبي. ولعلّ هذا مثلاً ما دفع الأسقف غودفريد دانيلز، رئيس الأساقفة الكاثوليك ببلجيكا، لأن يشيد بالإسلام عندما قال "رغم كل الاعتبارات؛ فإنّ المسلمين قدوات للمسيحيين ونماذج يُقتدى بها". وشدّد دانيلز على "أنّ الإسلام بوسعه أن يساعدنا في العودة إلى المعاني الحقيقية للإيمان".( )
وهناك من يلاحظ التغييرات التي يحملها المسلمون إلى المشهد الاجتماعي والثقافي في البلاد الغربية، ولا يثير ذلك الارتياح دوماً، ويشدِّد باسيه، الأستاذ في جامعة لوزان، على أنّه رغم النجاح السابق في الحيلولة دون الصِّدام؛ إلاّ أنّ صِداماً مع الإسلام لا يبدو مستبعداً في المستقبل من جانب الأوساط الأصولية المسيحية والناشطين العلمانيين بما يحملونه من توجهات معادية للإسلام. ويؤكد باسيه أنّ نقاط الاحتكاك في علاقة المجتمع السويسري مع المسلمين موجودة بالفعل، لكن ينبغي على الجميع تلافيها من خلال التمتع المتبادل بالنوايا الحسنة.
وما يعزِّز القلق؛ نتائجُ بعض استطلاعات الرأي في أوروبا، فثمة استطلاعٍ سابق للرأي يشير إلى أنّ موقفَ الألمانِ إزاء المسلمينَ أكثرَ سلبية من موقفهم تجاه أتباع الديانات العالمية الأخرى، إذ يتخذ (52%) من الشعب الألماني موقفاً سلبياً من المسلمين، مقابل (30%) فقط منهم إزاء اليهود، أو (45%) تجاه البوذيين، أو (48%) نحو الهندوس.
كما تبيّن في استطلاع أسبق أجرته مؤسسة "إيفوب" لأبحاث الرأي في العام 1989؛ أنّ المجتمع الفرنسي لا يبدي ارتياحاً لبناء المساجد. واستناداً إلى الاستطلاع فإنّ (38%) من الفرنسيين يقابلون تشييد المساجد بالرفض، ويقف مؤيدو حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في مقدمة المعادين للمساجد، ولكنّ نسبة عالية من مؤيدي الأحزاب الفرنسية الأخرى تتبنى الموقف ذاته، حسب الاستطلاع الذي أجري في نهاية الثمانينيات.
ثانياً - أية صورة للإسلام والمسلمين في الغرب في عَالَم ما بعد 11/9؟
لا جدال أنّ المستوى الإعلامي قد كان مسرحاً للتداعيات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). فقد خصصت وسائل الإعلام على اختلافها، تغطيات استثنائية موسعة لتلك التطورات وعمدت إلى استشراف انعكاساتها. ومن بين ذلك أوضاع الأقليات المسلمة في أوروبا والغرب عموماً. كما كان للمسلمين والمؤسسات الإسلامية في ظل الأزمة حضور إعلامي لم يسبق له مثيل من قبل.
وإن كان من غير الجائز إطلاق حكم تعميمي على طبيعة التناول للمادة الإسلامية في وسائل الإعلام الأوروبية والغربية في ظل تطورات تلك الأزمة العالمية؛ فإنّ الملاحظ هو تفاوت وسائل الإعلام الغربية في درجة موضوعية عرضها للصورة الإسلامية بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشكل واضح. وتكمن الفوارق الجوهرية في خصوصيات كل بلد أوروبي وطبيعة النظرة السائدة فيه نحو الإسلام والمسلمين، وفي تبعية وسيلة الإعلام، للقطاع العام أم للقطاع الخاص، وفي ميول المؤسسة الإعلامية الخاصة المالكة للوسيلة المعنية، وفي التوجهات التي تتميز بها الوسائل بعضها عن بعضها الآخر (يمينية، محافظة، يسارية، ليبرالية، دينية، حزبية، .. إلخ).
وقد كان هناك ميل عام نحو تقديم صورة إسلامية أكثر عمقاً ودقة مما كان يجري تقديمه من قبل. وجاء ذلك متماشياً مع تعطّش الجماهير الأوروبية لمعرفة المزيد عن الإسلام والمسلمين وعن القوى المتهمة بالإرهاب والأوساط الموصومة بالتشدّد، وهو التعطّش الذي يعكس جملة من الأبعاد؛ كالشعور بالخطر والتهديد، والرغبة في التحقق من كنه "الآخر المسلم" وفهم خلفيات التأثير المتزايد للعامل الإسلامي على الأجندة العالمية، علاوة على ما قد يشير إليه هذا التعطش من شكوك لدى بعض القطاعات الغربية، بخاصة في غرب أوروبا، في دقة الموروث الغربي عن المسلمين وصحة الصورة الذهنية المتشكلة عبر قرون طويلة عنهم. ولكنّ التوسّع الإعلامي الملحوظ في تقديم صورة أشمل عن الإسلام والمسلمين لا يعني بالضرورة أنّ ذلك كان خالياً من ممارسة التحيز والتشويه والإساءة والعرض التعسفي للوقائع.
وإذا كان عالم ما بعد 11/9 قد جعل المسلمين في الغرب يشعرون بأنهم يواجهون تحديات أكثر جدية وتعقيداً من قبل؛ فإنّ ذلك قد كان كفيلاً في بعض الأحيان بحثهم أكثر وأكثر على بذل المزيد من الجهود للمساهمة في تنقية صورة الإسلام والمسلمين مما يعتريها من التشويه في الوعي الجمعي للمجتمعات الغربية.
فقد كان الشعور العام الذي ساد في السنوات الماضية في أوساط مسلمي البلدان الغربية، بشكل عام؛ أنهم يعيشون في عزلة عن الحضور في وسائل الإعلام في بلدانهم، بل يشعر بعضهم أنهم ضحية للإقصاء والتشويه. وأما في ظل الأزمات المتلاحقة والتطورات المتسارعة التي أعقبت منعطف الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؛ فقد كان على قطاعات المسلمين والمؤسسات الإسلامية في البلدان الغربية أن تتواصل مع الرأي العام من خلال وسائل الإعلام والاتصال، بما يتماشى مع الاهتمام المتزايد بالشأن الإسلامي في أوساط الجمهور.
فأكثر من أي وقت مضى؛ أتيحت للمؤسسات الإسلامية وللناشطين المسلمين في البلدان الغربية فرص الاتصال بوسائل الإعلام، للإفصاح عن آرائهم ومواقفهم. كما أنّ المنشآت الإسلامية، كالمراكز الإسلامية والمساجد والمدارس والمؤسسات الثقافية، كانت مجالاً للتغطيات الإخبارية الميدانية، وشهدت بعضها "تسابقاً" من جانب الصحافيين ورجال الإعلام لزيارتها وإجراء المقابلات مع مسؤوليها وروادها، على خلفية التطورات العالمية ذاتها.
وقد كان عدد المؤسسات الإسلامية في الغرب التي أصدرت البيانات الإعلامية في أعقاب هجمات 11 سبتمر يُحصى بالآلاف، وهو تطوّر نوعي عكس نمواً ملحوظاً للوعي الإعلامي في أوساط المؤسسات الإسلامية في البلدان الغربية، ورغبة جامحة في تصحيح صورة عرضة للتشويه، إلى جانب ما يشير إليه الأمر من شعور مؤسسات مسلمي الغرب بخطورة التطورات وانعكاساتها واسعة النطاق التي قد تخيِّم على الإسلام والمسلمين وصورتهما بأشكال غير حميدة.
ثالثاً - في مواجهة التشوه : نحو صورة أكثر نقاء للإسلام والمسلمين في الغرب
إنّ أُولى خطوات التعامل مع الصورة الرائجة في المجتمعات الغربية فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين؛ إنما تتمثل في التشخيص الصحيح والتوصيف الدقيق لهذه الصورة.
ولا شك أنّ هذا يفرض علينا أن نتتبع جذور هذه الصورة وخلفياتها، ومن المؤكد أننا سنستنتج أنّ القوالب النمطية السلبية التي طبعت صورة الإسلام في الوعي الجمعي الغربي؛ إنما نشأت من خلال الجهل بالإسلام أساساً، وعبر سوء الفهم له، بقدر ما أفرزتها الظروف الاستثنائية والمراحل التاريخية التي برزت فيها الحروب والمواجهات الضارية، وإن كانت لم تفتقر إلى التواصل الحضاري السلمي، كما غذتها محاولات بعض المتحاملين على الإسلام في مختلف مواقع التأثير، لتشويه صورته وإثارة المخاوف منه والتحريض عليه.
وعندما نطرح السؤال الشائك: لماذا هذا الخوف من الإسلام وهذا القلق منه في بعض القطاعات الغربية؟ فإننا لا بد وأن نستشعر أنّ الدين الحنيف الذي فيه رحمة للعالمين، وهدى ونور للبشرية؛ لم يُفهَم حقّ الفهم، ولم تتضح معالمه في أذهان المتوجِّسين منه خيفة من بين عامة الناس في الغرب. ومن هنا تبدأ معالجة ظاهرة الخوف من الإسلام. فالمعالجة تنطلق بعرض الإسلام على حقيقته الناصعة، وتجلية ما علق بالأذهان حوله من شبهات وأباطيل ومزاعم مفتراة أو ظنون متوهّمة.
ولأنّ الناس عادة ما يميلون إلى التعرّف على الإسلام من خلال سلوكيات المسلمين وأحوال العالم الإسلامي، بما يشوبها من قصور وأخطاء وتجاوزات؛ فإنّ المسعى يتطلّب في الوقت ذاته جهداً مكثفاً لإشعار الإنسان المسلم، أينما كان عامة والذي يعيش في الغرب خاصة، بمسؤوليته في تقديم النموذج المشرق الذي يمنح خير انطباع عن المسلمين ودينهم، مع دعوة الجماهير الغربية في الوقت ذاته إلى التعرف على الإسلام من مصادره الأصلية مباشرة.
رابعاً - وسطية الإسلام .. وصورة الإسلام والمسلمين
إنّ الحالة الإسلامية الراهنة تمثل بكل أسف عاملاً هاماً يبعث بدوره على الكثير من المخاوف في نفوس الغربيين من الإسلام والمسلمين. من ناحية ما يجري من تركيز على صور التطرف التي تثير الفزع في المجتمعات المسلمة والغربية على السواء. ويساهم التطرف بشكل كبير في تشويه صورة الإسلام، رغم أنّ الدين الحنيف منه براء.
وإلى جانب ذلك يمكننا أن نلاحظ أنّ غياب النموذج الإسلامي اللائق والجدير بالتقدير له مضاعفاته. إذ لا يرى الغربيون في واقع المسلمين على كافة المستويات ما يزيل مخاوفهم من الإسلام أو عدم ارتياحهم نحوه، وما تزال الكثير من الجهود الحثيثة في الجانب الإسلامي للتغلب على هذه الحالة المؤسفة بعيدة عن وعي الرأي العام في البلدان الغربية بها.
ولعلّ ما يعتري الخطاب الإسلامي السائد من عثرات وقصور؛ يتحمل هو الآخر قسطاً من المسؤولية عن تثبيت المخاوف المتأصلة في الغرب من المسلمين وعالمهم.
ومن المؤكد أنّ تعرّف الرأي العام الغربي على الإسلام، كحقيقة ناصعة؛ كفيل بحد ذاته بالقيام باللازم في هذا المجال، إذا ما خلت الساحة من سوء الفهم أو التأويل المغرض، وهو لا يبدو سهلاً على كل حال، وإن لم يكن مستحيلاً.
ولا يغيب عن الأذهان أنّ الإسلام يطرح رسالة سامية للإنسانية، إنها رسالة صلاح وإصلاح، رسالة تنوير وتغيير نحو الأفضل، رسالة تطوير تنسجم مع سنن الحياة وحركة الكون، وهو ما يحتاج إلى استنفاذ حَمَلَةِ رسالة الإسلام لفنون المخاطبة والتأثير الحسن لإبلاغ هذه الرسالة {{ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}}، مع إدراك مكامن سوء الفهم المحتملة التي تقتضي العمل بالوصية النبوية (خاطبوا الناس على قدرِ عقولهم، أتُحِبُّون أن يُكذّبَ اللهُ ورسولُه). وكما هي سنن الله في الأقوام وفي حركة التاريخ؛ سيكون للقيم السامية خصومها، وسيكون للحق أعداؤه، وسيكون هناك من يخشى النور الذي يتسرب إلى الظلام، وسيجد المستفيدون من بعض التناقضات والمستغلون لها في هذا التواصل الإيجابي ما يهدِّد مصالحهم ويقتطع من نفوذهم. إننا ندرك ذلك جيداً، ولكنّ ذلك لا ينبغي أن يثنينا عن متابعة الرسالة ذاتها التي اختطها الأنبياء والمرسلون، إبلاغ دعوة الله والتعريف بدينه تعالى، وهي الرسالة التي تفرض علينا باستمرار أن نَمحُوَ عن هذا الدين الحنيف تحريف الغالين وانتحال المبطلين، فنعرض وسطية الإسلام ونتمثلها في توجهاتنا وخطابنا وأدائنا.
لقد تطوّرت في الغرب في العقود القليلة الماضية حالة متزايدة من التعايش مع الوجود الإسلامي، لم تكن المجتمعات الغربية قد عرفت ما يشبهها منذ قرون، بل وعبر التاريخ، مع استثناءات هامة. فالعهد الاستعماري وحركة الهجرة المتزايدة ونمو ظاهرة الاعتماد المتبادل، بل ودخولنا مرحلة العولمة؛ قد عزّز من فرص التعايش الغربي مع المسلمين، بل واعتنقت أعداد غفيرة من الغربيين للدين الإسلامي عن قناعة تامة وانضمت لأمة الإسلام. يجدر بنا الانتباه جيداً إلى أنّ هذه الحالة المتجددة من التعايش سيكون لها ما بعدها. فمن جانب؛ قد نجد أنّ سوء الفهم وتأجج النزعات العنصرية يتفشيان هنا وهناك؛ ولكن بالمقابل؛ سرعان ما سندرك أنّ التعايش بحد ذاته، ومهما شابه أو عكّر صفوه من عوامل سلبية؛ كفيل بأن يحكم على الصورة التقليدية التي نسجت للإسلام والمسلمين في المخيِّلات الغربية بالاهتراء. لقد تراجعت مثلاً الأعمال السينمائية الغربية التي كانت تُقدّم عن المجتمعات المسلمة حتى أواسط القرن العشرين، وهي أعمال تنسج صوراً ساذجة لا وجود لها إلاّ في مخيلات عصر الظلام، عندما كانت الأساطير وروايات الرحالة المتناقضة والخطاب العدائي للأغيار هي سيدة الموقف.
من هنا؛ جاءت الموجة الجديدة من التشويه بإرادة تعميق التشوّه الذي لحق بصورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي الغربي، مدفوعة برغبة تكريس القلق من الإسلام والارتياب من المسلمين. إنها إعادة إنتاج خطيرة لصورة تقليدية كان يفترض بها أن تنمحي في عصر التواصل الحر بين الأمم والتدفق الحر للمعلومات. فأعيد، وخاصة منذ بروز "الصحوة الإسلامية"، ومنذ أفول الصراع في الدائرة الحضارية الواحدة الذي عُرف بـ"الحرب الباردة"، ومع تحوّلات عالم ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001؛ أعيد نسج الخيوط المهترئة، انطلاقاً من الخلفيات ذاتها تقريباً.
وإذا كانت ترجمات معاني القرآن الكريم قد باتت متاحة بكافة اللغات الغربية تقريباً، حتى وإن اعترى بعضها القصور أو التشويه؛ فإنّ قائمة مطولة من العناوين المتعلقة بالإسلام والمسلمين تتزاحم على أرفف المكتبات الأوروبية، وفي أركان الكتب الأكثر مبيعاً أيضاً. ومن بين هذه الكتب سنعثر على الكثير مما يقدم قراءة مشوّهة للإسلام، وتأويلات تتجنى على الدين الحنيف، وتتصدى لتفسير نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في سياقات التحامل والتشويه. أي أننا إزاء حالة من تعميق خطاب التشوّيه وإكسابه زخماً إضافياً، يمكنه من استلاب العقول ردحاً إضافياً من الزمن، بعيداً عن فرص التواصل والتقارب والحوار التي باتت، من الناحية النظرية البحتة ومن الناحية التقنية على الأقل؛ متاحة أكثر من أي وقت مضى.
من هنا تماماً؛ نشدِّد على أنّ إبراز وسطية الإسلام هي إحدى أبرز المسؤوليات في هذه المرحلة، بالنسبة لنا نحن المسلمين في الغرب، وبالنسبة للعالم الإسلامي بشكل عام. إنّ العلماء والمفكرين، والدعاة والمرشدين، والسياسيين والقادة، والكتّاب والإعلاميين، كل في موقعه، وجميعاً حسب مسؤولياتهم؛ مطالبون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى؛ بالوفاء بهذه المهمة الجليلة على أتم وجه.
إننا معنيُّون تماماً بقطع الطريق على سوء الفهم المتبادل، ومطالبون جميعاً بالتعبير الحسن عن حقائق ديننا الحنيف، وبالبلاغ الحكيم لرسالته السامية. فقد وجد الذين يربطون، في الغرب، صورة الإسلام بالسيف والنار والدم؛ ما يعزِّز جهودهم الحثيثة في خطاب متطرف أو ممارسات استثنائية دامية تُرتكب هنا وهناك على أيدي مسلمين يزعمون أنّ الإسلام موجه لهم في ما هم عليه قائمون، وهذا ما يقتضي مضاعفة الجهود، خاصة وأنّ الرأي العام ربما بات أقدر على التمييز بين الغث والسمين، والتفريق بين خطاب وآخر أو ممارسة وأخرى.
خامساً - تصحيح الصورة عبر القيام بمسؤوليات كبرى لا بد منها
لا ينبغي لنا أن نتعامل مع مسؤولية تنقية صورة الإسلام والمسلمين في الغرب بمعزل عن القيام بالمسؤوليات الجوهرية التي يفرضها الانتماء إلى الإسلام من جانب؛ والمسؤولية عن حماية الوجود الإسلامي في الغرب وتحسين شروط استمراريته.
إذ لا ينبغي التراخي في العمل على تحسين فرص حضور المسلمين في المجتمعات الأوروبية وتعزيز مساهماتهم في مجالات حياتها المختلفة؛ الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. فلا شك في أنّ الحضور الفاعل للمسلمين في المجتمعات الأوروبية هو أحد الثمار الطيبة المرجوة من مساعي تعزيز الوجود الإسلامي في الغرب، لأنّ الأقليات المسلمة إذا ما عانت من الضعف أو العجز أو التفكك أو الذوبان؛ فإنها لن تنجح في الإسهام في حركة المجتمعات التي تعيش بين أكنافها والإفادة منها كما ينبغي، وستكون صورتها، وربما صورة دينها وبالتالي أكثر تضرراً على المدى البعيد.
فمسؤولية المؤسسات الإسلامية في تعزيز الوجود الإسلامي في الغرب ينبغي أن تنصب في المقام الأول على تكريس الجهود والإمكانات للحفاظ على هذا الوجود باعتباره جزءاً من المجتمعات الغربية، والعمل على تثبيته وتدعيمه ليقوم بدوره الفاعل في الإشعاع الحضاري.
ويقوم تصوّرنا لملامح الحضور الفاعل للمسلمين في المجتمعات الغربية على جملة من المعايير، من بينها:
* انتشار المسلمين في مسارات المجتمع وقطاعاته المختلفة، اجتماعياً وثقافياً، واقتصادياً وسياسياً، وحضورهم بخاصة في المواقع المؤثرة.
* إفادة المسلمين المثلى من الجوانب الإيجابية الغنية المتاحة في الفضاء الغربي في شتى مجالات الإفادة، وألا يكون المسلمون في عزلة عن مسارات التقدم المتوفرة في السياق المجتمعي.
* قدرة المسلمين على التعبير عن قناعاتهم وتصوراتهم المتعلقة بالشؤون العامة، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
* ممارسة المسلمين لدور إيجابي في مجتمعاتهم الغربية؛ يتمتع بالمسؤولية ويتّسم بالحرص على الصالح العام، بما في ذلك تعزيز الروح الإيمانية والقيم الأخلاقية والمشترك الإنساني في المجتمع الواحد. وفي هذا الإطار يأتي جهد المسلمين للتعريف بدينهم والقيام بأمانة البلاغ، وهي أمانة عظيمة بلا ريب.
* كما علينا بالمقابل التشجيع والعمل على تحقيق الاندماج الإيجابي للمسلمين، وأجيالهم المستقبلية على وجه الخصوص؛ في المجتمعات الغربية اندماجاً يجمع بين الحفاظ على الشخصية الإسلامية من جانب؛ وممارسة المواطنة الصالحة من جانب آخر، خدمةً للصالح العام وتحقيقاً لمبادئ النصح والانسجام والازدهار لشعوبهم الغربية.
وهنا؛ لا بدّ من مواصلة السعي لتعزيز تكافؤ الفرص بين عناصر المجتمع، وتحقيق المزيد من التفاهم بين المكوِّنات الاجتماعية المتباينة، وتغليب صوت التعقل والتواصل والتعارف على الدعوات المتطرفة والمواقف المشوبة بالعنصرية. كما أنّ ذلك يدعو أيضاً إلى تطوير السياسات والقوانين لتحقيق هذه المطالب على أمثل وجه. ولا ريب في أنّ الاعتراف الرسمي بالإسلام وبالمسلمين كجماعة دينية هو مطلب هام لإنجاح مساعي اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية.
وغني عن القول أنّ أيّ احتقان في العلاقة مع المسلمين في المجتمعات الغربية لا يخدم سوى توجهات الإقصاء والميول العنصرية والمعادية بشكل صارخ للدين الإسلامي وأتباعه، بصورة تزيد من صعوبة دفع عملية الاندماج إلى الإمام، بل وتهدِّد بتراجعها.
سادساً - تعزيز القراءة الإيجابية للمشترك الإسلامي الغربي في الماضي والحاضر
إنّ إحدى الوسائل الفعالة في التصدي للتشوّه الذي يعتري صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الجمعي في البلدان الغربية؛ إنما تتمثل في تبديد الأوهام التي تقصر العلاقة التاريخية بين المسلمين والغرب على الصراع والمواجهات.
ونحن في اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، نرى أننا معنيون تماماً بتشجيع جهود المؤرخين والباحثين الذين يقومون بإبراز الحقيقة القائلة؛ بأنّ تاريخ العلاقات بين أمم أوروبا والمسلمين لم يكن مقتصراً على فصول الصراع والاحتكاك العسكري. إذ ينبغي أن يستشعر الجميع اليوم، وأكثر من أي وقت مضى؛ أنّ التاريخ شاهد أيضاً على التواصل الحضاري الإيجابي بين المسلمين والغرب في ميادين العلوم والثقافة والتجارة والصناعة وغيرها، بل إنّ عزل المسلمين عن الغرب هو تجنٍّ على التاريخ، وعلى الحاضر أيضاًَ، لأنّ المسلمين هم اليوم أحد مكونات الفضاء الغربي، كما كانوا بالأمس أيضاً.
ومن نافلة القول أنّ علينا جميعاً أن ندرك أنّ الصراع فيما مضى لا يبرِّر الصراع مستقبلاً، وخير شاهد على هذا هو هذه الأمم الأوروبية، التي عاشت في صراعات داخلية متلاحقة عبر قرون طويلة تتكامل في ما بينهما وتصنع مشروع وحدتها القائم على التعايش السلمي والتعاون الداخلي.
سابعاً - تصحيح الصورة .. من مدخل الترشيد الذاتي أيضاً
من الواضح أنّ جهود المؤسسات الإسلامية ينبغي أن تعالج جملة من المسائل المتعلقة بالحالة الراهنة التي يعيشها المسلمون حول العالم، من بين ذلك إدراك آفات الضمور الحضاري القائم في الأمة، وتعاظم الشعور بالمظلومية؛ وسط الواقع المؤسف الذي عليه حال الكثير من البلدان والشعوب المسلمة. إنّ الانحسار الحضاري الذي عانى منه العالم الإسلامي، وتراكم المحن على شعوب وأقليات مسلمة، وتفاقم التجاوزات للحقوق والحريات، بل وتجدد صور الاحتلال الأجنبي مجدداً؛ آفات كانت لها تداعياتها؛ كالانكفاء على الذات، والنظر للآخر (الغربي) نظرة تعميمية سطحية، وتواري خطاب الحوار، وضمور مفهوم التعارف.
كانت هذه بمثابة الثمار المريرة لمرحلة بائسة، شعرت فيها الأمة بالضعف والمظلومية، وأدركت خلالها من "الغرب" طلائع المستعمرين الباغين، والسياسات المنحازة ضدّ قضاياها العادلة، والغزو الثقافي الذي صبغ الكثير من مجالات الحياة ضمن تحولات متسارعة، وغير ذلك من مبررات الحنق.
إنّ هذه الخلفيات تضعنا أمام تحديات غير سهلة، فإلى جانب الحاجة المؤكدة إلى النهضة الحضارية والتنمية الشاملة؛ ثمة ضرورة ماسة لتحرير نفسية الأمة من الأزمات التي اعترتها في المراحل التاريخية المتأخرة، وتشجيعها للتسامي على جراحاتها واستلهام العبر من التوجيهات الإسلامية التي تُعمِّق في الذات المسلمة قيم العدل والإنصاف والتعارف والحوار والعفو. ومما لا ريب فيه أنّ حضور هذه القيم من اللوازم المؤكدة لنهضة حضارية راشدة ولصورة أفضل للإسلام والمسلمين في الغرب.
بالمقابل؛ ينبغي الحذر من سيادة عقلية تجريم "الغرب" أو تنميطه إجمالاً في قالب جامد لا يحتمل استيعاب ما ينطوي عليه الواقع الغربي من تنوع داخلي، كباقي الكيانات الإنسانية. والنظرة المدققة تقودنا حتماً إلى الاستنتاج؛ بأنّ مناصبة كل ما هو غربيّ العداء، أو التعامل معه بمنطق الخصام؛ إنما يلتقي مع تطلعات المروِّجين لأطروحات الخصام والمواجهة في العالم الغربي؛ في مشترك واحد؛ هي روح القطيعة. والمفارقة هنا أنّ كل طرف يحاول توظيف ما يسوقه الطرف الآخر من حجج؛ لترويج ما لديه من بضاعة رخيصة.
ومن المفهوم أن تجنح قطاعات من الأمة، في ظرف تاريخي محدّد، إلى الانغلاق على الذات في وجه ما تستشعر أنه "هجمة ثقافية"، كما أنّ الإفراط في تقمّص ملامح الهوية الثقافية الغربية في بعض أوساط الأمة المسلمة؛ قابله ردّ فعل مناقض؛ تمثل في تفريط أوساط أخرى بالاستفادة من منجزات بشرية قادمة من بلدان غربية، منها ما ينطوي على ثمرة جهد بشري وتراكم معرفي وتلاقح حضاري جدير بالاهتمام.
إنّ معالجة هذا الجنوح، في جانبيه، الإفراط والتفريط، اللذين ينطويان على حظوظ معتبرة من التطرّف؛ هي إحدى المهام السامية التي ينبغي معالجتها من جانب المصلحين، وهو من مقتضيات الترشيد الذاتي الذي يمثل مقدمة تأهيلية لدفع الحوار بين الحضارات بصورة أكثر فعالية. فالمرجوّ في هذا الصدد أن تتمتع الأمة بحالة من التوازن الرشيد، تعترف فيه بإمكاناتها الذاتية ورصيدها الحضاري، دون أن تتجاهل الآخر وما ينطوي عليه.
ابحث
أضف تعليقاً