إعداد: الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الكيلاني
تمهيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين سيدنا محمد وعلى آله واصحابه أجمعين ، وبعد ،
تمثل صلاة الجمعة شعيرة عظيمة من شعائر الدين، ومظهرا بارزا من مظاهر وحدة المسلمين، ومنارة عالية من منارات العلم والإيمان في المجتمع المسلم.
وقد تظاهرت النصوص الشرعية التي ترشد إلى فضل يوم الجمعة والصلاة فيه، والحض على استثماره فيما ينفع المسلم في دينه ودنياه ؛ حيث أفردت سورة خاصة في القرآن الكريم تحمل اسم الجمعة وتبين بعض خصائص هذه الصلاة العظيمة من وجوب حضورها وترك جميع شواغل الدنيا المادية التي تحول دونها، ووجوب وتقديم ذكر الله عليها جميعها، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) }،(سورة الجمعة)
وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة يوم الجمعة وأهميته في الإسلام ، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل وإن كان طيب فليمس منه وعليكم بالسواك"
وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من فضائل هذا اليوم ومزاياه، كالأمان من فتنة القبر لمن مات يوم الجمعة أو ليلتها، وأنه يوم تكفير للسيئات، وأن فيه ساعة إجابة لا يسأل الله عبد مسلم فيها شئيا إلا أعطاه إياه.
كما خصه عليه الصلاة والسلام بجملة من العبادات والطاعات، كاستحباب كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والأمر بالاغتسال والتطيب فيه ولبس أحسن الثياب فيه، واستحباب قراءة سورتي السجدة والإنسان في صلاة الفجر، واستحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة.
وهكذا نجد لهذا اليوم من الخصوصية والبركة والفضل والمكانة ما ليس للأيام الأخرى، ولا ريب أن للشارع مقاصد وحكما، وغايات وأهدافا، ومصالح ومعان، يريد تحقيقها من وراء مشروعية صلاة وخطبة الجمعة، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعضها في نفس الآيات التي أمرت بتلبية النداء لصلاة الجمعة {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } فتحقيق الخير للفرد وللأمة وللمجتمع، هو المقصود من وراء هذه الشعيرة العظيمة، وهذا النسك المحكم.
ووجوه الخير في هذه الفريضة كثيرة ومتعددة، فمنها الخير الدنيوي، ومنها الخير الديني، ومنها ما يتعلق بالفرد ومنها ما يتعلق بالمجتمع وبالأمة، ومنها الخير العاجل ومنا الخير الآجل.
وسأحاول في هذه الورقة أن أركز على بيان بعض وجوه هذه الخيرية التي تنطوي عليها صلاة وخطبة الجمعة وذلك من خلال بيان أبرز المقاصد الشرعية والقيم الحضارية تتحقق بصلاة الجمعة، أود أن أشير ابتداء بأن جميع مقاصد الصلاة على وجه العموم، يمكن أن تدخل في هذا الموضوع، ولكني لن أتناول ذلك، وسيكون التركيز على قيم الجمعة والجماعة على وجه الخصوص حتى أتفادى التكرار والاستطراد.
ابحث
أضف تعليقاً