بقلم: د. نوح مصطفى الفقير
مقدمة
الحمد لله؛ ربّ الشعرى؛ خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وخصّ الإنسان بتعليمه البيان، والصلاة والسلام على النبي العربي العدنان؛ ما أضاء الفرقدان، وتعاقب الجديدان، وفاح عطر الياسمين الظيّان –البرّي- وعلى آله وصحبه وأتباعه، منارات الهدى عبر الزمان....وبعد؛
فالشكر لله أولاً، ثم أشكر لمَن جمع هذه الثلة المباركة، في هذه الساعة المباركة، في الأردن المبارك؛ فنعم الإنسان والزمان والمكان، والشكر كل من أسهم في إنجاح هذا المؤتمر المميز المبارك، والذي عماده تبجيل يوم الجمعة، وهو من أفضل الأيام؛ فقد روى الإمامان الشافعي وأحمد في مسنديهما أن النبي e قال: (سَيدُ الأيَّامِ يَوْمُ الجمعَةِ) ، وليس غريباً أن يكون هذا اليوم سيد الأيام؛ لما فيه من اجتماع المسلمين، واستماعهم للخطباء، وتوجيههم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وليس لباقي أيام الأسبوع مثل هذه المزيّة، وفي رواية ابن ماجة: (فيه خمس خلال؛ خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوفّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أتاه الله تبارك وتعالى إياه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة؛ ما من ملك مقرّب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة) .
قال ابن كثير: (إنما سميت الجمعة جمعة؛ لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مَرَّةً بالمعابد الكبار، وفيه كَمُل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح) .
وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: (نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ الله عَلَيْنَا، هَدَانَا الله لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيْهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) ؛ فقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة، وثبت أن الأمم الذين كانوا قبلنا أمروا به؛ فَضَلّوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق، واختار النصارى يومَ الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة الجمعة الذي أكمل الله فيه الخَليقَةَ.
ولا يعزُبُ عن البال أن أجر الأعمال يوم الجمعة مضاعف ولذلك أمر الله سبحانه بالمسارعة إلى ذكر الله؛ قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؛ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وأما الأعمال والكسب الدنيوي فقد أمر الله تعالى بالسير الهوينى؛ قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ؛ قال ابن كثير في تفسير {فامشوا}: (فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا، إلا أن ييسره الله لكم؛ ولهذا قال: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} فالسعي في السبب لا ينافي التوكل) ؛ فتدبر السر الدقيق في آيات الذكر الحكيم.
هذا وخطبة الجمعة واحدة من أبرز وسائل الإعلام في الإسلام، وليس من قبيل المبالغة إذا اعتبرناها من أهم عوامل نجاح العمل الإعلامي؛ الذي مارس دوره على مر العصور منذ انبثاق نور الدعوة الإسلامية في عهد الرسول إلى يومنا هذا.
وقد اهتم الإسلام بهذه الساعة من النهار؛ والتي تعدّ بمثابة مؤتمر أسبوعي؛ يجتمع فيها المسلمون؛ ليزدادوا ترابطاً مع بعضهم، وتتأكد أخوتهم، وتتآلف أرواحهم، وصلاة الجمعة فرض والخطبة ركن من أركانها.
ابحث
أضف تعليقاً