wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
بين فكر الحركة وحركة الفكر
الجمعة, December 30, 2011 - 02:45

 الجماعات الإسلامية التي تأسست في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ولدت ونشأت وهي مسكونة بمواجهة التحديات الخطيرة التي تكالبت على الأمة الإسلامية وبلغت ذروتها خلال العقود الأولى من القرن العشرين الميلادي، ولم تقف تلك التحديات عند حد تهديد الكيان السياسي والاستقلال الجغرافي لهذه الأمة ولأقطارها مشرقا ومغربا، بل وصلت إلى تهديد الكيان الاجتماعي والديني لهذه الأمة.من رحم هذه المخاطر والتحديات وفي أكنافها ولدت الحركة الإسلامية وتناسلت في مختلف الأقطار الإسلامية. ولذلك فهي ولدت في معمعة الصراع والتدافع والنضال. ومن هنا فإن معظم هذه الحركات -إن لم تكن كلها- قد ركزت على تكوين الدعاة المجادلين والجنود المجالدين والمجاهدين المضحين، ولم تركز على تكوين العلماء والمفكرين والباحثين.
  وإنما ظهر من ظهر من هؤلاء في صفوفها عرضا إن لم نقل خطأ. وهكذا تشكلت الحركات الإسلامية في قياداتها وصفوفها واهتماماتها وأولوياتها على أساس هموم الدعوة والتربية العملية، وعلى أساس الجهاد والجندية وما يتطلب ذلك من بذل وتضحية.
  وعلى هذا المسار وهذا الدرب صار للحركة الإسلامية فكر وتنظير فكري وإنتاج فكري لكنه فكر في خدمة الحركة ومتطلبات المعركة، فكر يدافع عن خط الحركة وعن مواقف الحركة وعن تعليمات الحركة وعن اختيارات الحركة وعن مصلحة الحركة. فكر يواجه ما هو يومي وينهمك فيما هو آني، وينضبط للتوجيهات والتعليمات والمتطلبات. فهذا هو «فكر الحركة»، وهو في الحقيقة أقرب إلى ما يسمى -بصفة عامة- بالفكر الحزبي أو العقلية الحزبية. وفكر الحركة بهذا المعنى هو فكر موجه وتابع ومقيد، سواء في قضاياه وموضوعاته أو في مواقفه واختياراته.
وبسبب أن هذا اللون من الفكر هو الذي ساد أوساط الحركات الإسلامية وخيم على عقول أبنائها وحتى زعمائها، فقد عجز فكر الحركة هذا على عن مواكبة التطورات والمستجدات، سواء داخل الحركات الإسلامية نفسها أو فيما حواليها. وعجز من باب أولى عن أن يكون هو صانع التطورات ومبدع الاجتهادات.
  وفي كثير من الأحيان وجدنا التنظيمات الإسلامية تضيق وتتبرم من ذوي الفكر المتحرر والمبادرات الاجتهادية التجديدية حتى وهم من أبنائها وصفوفها ! ومن هنا بدأ يظهر ذلك التمايز والتدافع بين كل من «فكر الحركة» و «حركة الفكر».
  إن الحركة الإسلامية التي ظهرت وبدأت أقرب إلى أن تكون «حركة تحريرية» وكانت بحاجة ماسة إلى فكر نضالي منضبط ومتمذهب باختياراتها، وقد أصبحت اليوم مدعوة وملزمة بأن تكون حركة اجتهادية تجديدية، في نفسها وفي مجتمعها، فلذلك أصبحت في أمس الحاجة إلى الفكر الحر وإلى الفكر المبدع، فهي بحاجة إلى أن تطلق وتدفع «حركة الفكر» من غير خضوع وتبعية لفكر الحركة.
  إن حركة الفكر إذا فرضت عليها الطاعة والانضباط فقد حكم عليها بالجمود والانحطاط.
وأنا الآن أتذكر حادثة طريفة ومعبرة،أختم بها، وهي أن أحد المفكرين المغاربة حكى لي بعد عودته من مؤتمر لإحدى الحركات الإسلامية ماعاناه من تضايق وتضييق وضغط، لمغادرة المؤتمر، بسبب بعض آرائه التي لا تناسب «المقام». حتى إنه قال لهم غاضبا ومقاطعا: إن النظام المغربي يعطينا من حرية التعبير والنقد أكثر بكثير مما تعطوننا أنتم»!

الدستور: 30/12/2011

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.