wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الوسطية في الفكر السياسي في الإسلام

الوسطية في الفكر السياسي في الإسلام

أ.د. أسعد السحمراني
أستاذ في جامعة الإمام الأوزاعي- بيروت
مسؤول الشؤون الدينية في المؤتمر الشعبي اللبناني

تمهيــد:

لقد ظنّ قادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد تفكّك الإتحاد السوفياتي السابق أن الطريق مفتوح للآحادية القطبية, وأن أميركا باتت بإمكانها أن تنفرد بقيادة العالم تحت شعار: النظام العالمي الجديد, أو العولمة, وأن الموانع في طريقها هي العالم الإسلامي وفي قلبه الأمة العربية بالإضافة إلى النمور الآسيوية وأبرزها الصين.
والمراجع لكتاب: "صدام الحضارات" لمؤلفه صامويل هنتنجتون يجد التصريح بذلك دون مواربة، يقول هنتنجتون: " العودة إلى الأصول وإحياء الدين ظاهرة عالمية, وقد تبدّت في أوضح صورها في التوكيد الثقافي, وتحديات الغرب التي جاءت من آسيا ومن الإسلام, وهي الحضارات الديناميكية في القرن العشرين.
ويتجلّى التحدي الإسلامي في الصحوة الثقافية والإجتماعية والسياسية العامة للإسلام في العالم الإسلامي, وما يصاحبه من رفض لقيم الغرب ومؤسساته الإجتماعية.
كما يتجلّى التحدي الآسيوي في كلّ حضارات الشرق آسيوية-الصينية, اليابانية, البوذية, الإسلامية. كلّ من الآسيويين والمسلمين يؤكد توقّف ثقافته على الثقافة الغربية. التوكيد الآسيوي جذوره في النمو الإقتصادي, والتوكيد الإسلامي نابع إلى حدٍّ كبير من التعبئة الإجتماعية والنمو السكاني." 
إن هذه القراءة تبيّن لنا كيف أن الإستراتيجية الأمريكية تعمل من أجل حشد الغرب في صفوفها وهو أمر لم يعد قائماً مع بدايات القرن الحادي والعشرين, ولا دليل أبرز من الموقف الشعبي والرسمي الأوروبي ضد ممارسات شارون والعدو الإسرائيلي في فلسطين المحتلة, والموقف ضد الإحتلال الأمريكي للعراق, وما يجري حالياً من ممارسات عدوانية.
كما أن القراءة لكلام هنتنجتون تبيّن كيف أنهم يعملون على ضرب مواطن القوة التي تقاوم مخططاتهم, ففي آسيا عند النمور الآسيوية يريدون إضعاف وتعطيل النمو الإقتصادي, وعند المسلمين يخيفهم النمو السكاني والتعبئة بثقافة المقاومة وفكر المواجهة, ومنهج الجهاد.يحتاج هذا الموقف أن نقول: الوسطية في الإسلام, سواء في الفكر السياسي أو سواه, ليست إبتكاراً ولا هي توليفة مستحدثة, وإنما الوسطية تحديد إلهي ليس للمسلم مناص من الإلتزام به. قال تعالى: {{ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }} .
عند هذا الحدّ نؤكد أن هذا البحث لن يكون في إطار التبرير, والدفاع ضدّ الإتهامات الأمريكية بالغلو والتطرّف, ولسنا بحاجة لذلك فالفكر المتصهين واليميني المتطرّف الذي تلتزمه الإدارة الأمريكية, مع الجرائم التي يرتكبونها برفقة شركائهم في أرجاء واسعة من العالم كافية ليردّوا هم على أنفسهم, وإنما البحث بصدد الحديث عن قواعد وأسس الفكر السياسي في الإسلام, فبسط الموضوع يقدّم مادة للمهتمين, ويأتي إضافة إلى هذا الموضوع وهو كبير وثري.

الفكر السياسي والوسطية في الإسلام

إن الفكر السياسي يتشكّل من النظريات السياسية التي تحوي أسساً وقواعد ونظماً تصلح من أجل صياغة الدستور والقوانين وتحديد الهيكليّة وشكل الإدارة في الدولة.
والمفكر السياسي يطرح تطلعاته وما يرجوه, وعند الانتقال إلى حيّز التطبيق العملي بتأسيس الفعل السياسي على قاعدة الممكن, دون أن ننسى المرتجى. والمفكر السياسي الذي يطرح نظريات في الإصلاح والثورة والتغيير لا يستطيع ذلك ما لم يكن قد خبر الواقع المعاش وشخّص مشكلاته بالإضافة إلى اطلاعه على التجارب والأفكار السابقة أو المعاصرة.
ليس الفكر السياسي مدرسة واحدة, ولا نظرية واحدة, وإنما تتعدّد النظريات والإجتهادات وتتنوّع, وكلّ هذه معاً تسهم في صناعة الرأي العام لذلك يكون المهم أن ينطلق الجميع من القواعد والكليّات والأسس الواحدة, ولا مشكلة من الإختلاف  في الآليات والمقترحات الإصلاحية.
نصل هنا إلى الربط بين فلسفة السياسة المستمدة من المنظومة الإسلامية, وبين الفكر السياسي القائم على منظومة بشرية, وهو جهد بشري لأشخاص لهم رأيهم وموقفهم. الأولى فيها الأسس العامة الكليّة, والفكر اجتهاد في الأجزاء والتفاصيل.
تأسيساً على ما تقدّم يمكن أن نسمّي فكراً سياسياً كلّ ما يخطر على بال الإنسان في نظرته إلى وضعه السياسي, ووضع الحكومة والسلطة في بلاده, ولكن الأفكار السياسية تتناول حالات جزئية, أو مسألة بعينها. 
في الإسلام يوجد النسق المتكامل والقواعد الكليّة والمقاصد الشرعية, وما دور الفيلسوف وبعده المفكر إلاّ صياغة القواعد والمقاصد، على أساس فقه الواقع، وترتيب أولوياته في فكر سياسي.
أما الوسطية فهي في أساس هذه القواعد الكلية انطلاقاً من قوله تعالى: {{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}}. والوسطية ترتبط بالسياسة عامة. عند القرطبي: "الوسط: العدل؛ وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. ولو أكملنا في تتبع معنى الوسطية لوجدناها دوماً بمعنى الخيرية، والخيرية من صفات أمتنا لذلك تكون الوسطية في الفكر السياسي في الإسلام صفة أصيلة، وقاعدة ثابتة. وتأصيل الفكر السياسي عند المسلمين يتم على أسس أحدها الوسطية التي تتضمن الدلالة على الخيرية والعدل.

الفكر السياسي في الإسلام وقواعده

إن الفكر السياسي من الأمور المعقدة والشائكة إذا أراد صاحبه أن يلتزم السياسة الشرعية التي تحدد صلاحيات الراعي وأهل الحكم، وحقوق الرعية وعامة الناس. وفي الفكر السياسي تتداخل عوامل كثيرة عقدية وشرعية واجتماعية واقتصادية وبيئية...إلخ، لذلك تكون مهمة المفكر في السياسة مهمة غير سهلة، وأمانة حملها صعب، وأعباؤها ثقيلة.
وإذا كان فلاسفة السياسة يتعاطون مع الوقائع والأحداث انطلاقاً من فكرهم، أو من نظريات الآخر ين، فإن المفكر السياسي المسلم يرى الأحداث ويجتهد في وضع الحلول لها وأساليب المعالجة من منطلقات عقدية وشرعية. وهذه القواعد تحقق العدل وخير الإنسان وسعادته لأنها من مصدر إلهي وأسسها ما يلي:
1- عقيدة التوحيد: إن الأساس الأول في الفكر السياسي عند المسلمين هو الإيمان بالله  تعالى الواحد الأحد، ولقد كان الخطاب إلى أهل الكتاب مؤسساً للكلمة السواء التي هي إفراد الله تعالى بالعبودية. لذلك يكون التلازم قائماً بين ما هو دنيوي وما هو آخروي. قال الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" .
والأساس العقدي يشكل عاملاً داخلياً يسميه بعضهم الضمير، وهو شكل من أشكال الإحساس بالرقابة الإلهية تضبط الإنسان والمجتمع في السر والعلانية، وبهذا يكون هذا الركن الإيماني العاصم من أنواع الشطط، والمانع من الخلل والحيد عن الصواب، كما أنه يعطل الأهواء والنـزوات لتسود العدالة وسائر القيم وأبرزها الحق والخير والعدل.
2- تكريم الإنسان: إن الفكر السياسي في الإسلام يرتكز على البعد الإنساني، والأساس فيه أن الإنسان مستخلف في الأرض، وقد كتب له الله تعالى التكريم؛ قال تعالى: {{ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}} . 
إن الفكر السياسي في الدائرة الإسلامية إنساني الأبعاد، بينما الفكر السياسي في الدائرة الليبرالية الغربية والأمريكية اليوم مادي الأبعاد يقدس الفردية، ولا مكان فيه للقيم، قيم الخير والحق الناظمة للمجتمع من موقع إيماني.
وهذا الفكر لا يلغي الفرد من أجل المجتمع، ولا يسخّر المجتمع من أجل مصالح الأفراد وإنما يقوم على التوازن، والعلائق السليمة التي تحقق سعادة وتقدم المجتمع ومن ضمنه الأفراد.
إن السياسة المقبولة إسلامياً هي تلك التي تحفظ كرامة الإنسان من خلال مقاصد الشريعة، كما حددها الشاطبي في الموافقات حيث يقول: "فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. وعلمها عند الأمة كالضروري" .
إن السياسة فكراً وممارسة يجب عليها أن تؤمن ما تستلزمه هذه المقاصد الشرعية ومدارها كما نلاحظ الإنسان، والمتأمل في المقاصد يعرف أن توافرها للإنسان، ولأهل مجتمع الأمة يحقق الأمان والأمن والاستقرار ويحفظ الكرامة.
3- التنوع: يثير المغرضون وفي مقدمهم هذه الأيام دعاة العولمة/ الأمركة، والطامعون بأمتنا وعلى رأسهم قادة الولايات المتحدة الأمريكية الملتزمون خط الصهيونية والعداء للإسلام والعرب، موضوعات على شكل مزاعم ومفتريات أبرزها أن الإسلام والمسلمون لا يقبلون الآخر، وأن فكرهم السياسي يدعو إلى الانتماء الآحادي، ولا يقبل التنوع.
والرد على ذلك أن أساس الأمر في المنطلقات الشرعية للفكر السياسي عند المسلمين هو التنوع، وقد جاءت نصوص القرآن تؤكد على ذلك، ومنها قوله تعالى: {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}} . ويقول تعالى: {{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}} . ويقول سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: {{ وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين}} . 
وهذا التأصيل لمجتمع متنوع تمت ممارسته في أول صياغة لمشروع الدولة والحكم في عهد النبوة بعد الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة. ويصلح هذا الدستور-الصحيفة- على مر الزمان أساساً يحتذى في الميثاق الوطني لأهل مجتمع تتنوع انتماءاتهم الدينية والقبلية وأية تنوعات أخرى .

4- العدل: العدل يقابله الظلم والاستبداد والجور. قال الراغب الأصفهاني: "العدالة والمعادلة لفظ يقتضي المساواة... لكن العدل يستعمل فيما يُدرَك بالبصيرة كالأحكام" . ويقول الله  تعالى: {{إن الله يأمر بالعدل والإحسان...}} .
والظلم مفسدة وأيما مفسدة لذلك تبرّأ الله سبحانه من الظالمين والظلم وجعله محرماً. يقول الله تعالى: {{إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}} . وأخرج مسلم في صحيحه حديثاً قدسياً فيه: (إن الله حرّم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرماً فلا تظالموا).
إن الفطرة البشرية تستقيم مع العدل وتأبى الظلم. والعدل إمضاء للأحكام المتوافقة مع الشرع، والتي تحفظ الحقوق، وتحقق مقاصد الشريعة، كما أن تطبيق العدل يوفر المناخ الذي يعيش فيه الإنسان بكرامة. لذلك نخلص إلى القول: "إن الظلم والاستبداد مصدر الرذيلة في المجتمع، ومنبع الفرقة والتفتيت لوحدة الوطن والأمة، لأن الطباع البشرية للآدميين لا ينافيها ويضايقها أمر أكثر من الظلم. كما أن الحرية مصدر الوحدة والعزة، ومنبع العطاء والتضحية، ولأن مخاطر الظلم في هذا المستوى، لذلك كله وعد الله تعالى الظالمين بسوء المصير على فعلهم" .
والعدل هو الوسط –كما ذكرنا سابقاً- لذلك يكون كل فكر أو ممارسة في دنيا السياسة قائمين على غير العدل مرفوضين، وينافيا روح الإسلام في السماحة والرحمة وتكريم الإنسان.
لقد أقام الكواكبي موازنة بين الاستبداد والعدل قال فيها: "ويستعملون في مقام صفة مستبد كلمات: جبّار، وطاغية، وحاكم بأمره، وحاكم مطلق. وفي مقابله (حكومة مستبدة) كلمات: عادلة، ومسؤولة، ومقيّدة ودستورية. ويستعملون في مقام وصف الرعية (المستبد عليهم) كلمات: أسرى، ومستصغرين، وبؤساء، ومستنبتين، وفي مقابلتها: أحرار، وأباة، وأحياء، وأعزّاء" .
وقد أخرج المنذري في "الترغيب والترهيب" حديثاً نبوياً فيه: "العدل ميزان الله تعالى في الأرض فمن أخذ به قاده إلى الجنة، ومن تركه قاده إلى النار". 
5- الشورى: تشكل الشورى ركيزة من ركائز الفكر السياسي والعمل السياسي في الإسلام، ولأهميتها جعلها الله تعالى إسماً لسورة من سور القرآن الكريم من باب تسمية الكل باسم الجزء، وفي هذه السورة قوله تعالى: {{الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}} .
"ولأن الشورى تحقق الاستقرار في شبكة العلاقات الاجتماعية، وتوحد الجهود والطاقات، فقد وردت في الآية الكريمة هنا بين فريضة في باب العبادات هي الصلاة، وبين فريضة في باب المعاملات تحقق التكافل الاجتماعي والتضامن في أعلى مستوياته هي الزكاة؛ وهما من أركان الإسلام الخمسة، ولولا أن الشورى كمنهج عظيمة الفائدة في حياة الناس لما كان موقعها في الآية الكريمة كما وردت" .
والشورى في الإسلام وسيلة لتحقيق العدل وتنفيذ مقاصد الشريعة لذلك جعلها الإسلام واجبة "في جميع نواحي الحياة الاجتماعية، فلا يقتصر وجوبها على اختيار الحاكم، وغير ذلك من الأمور السياسية، بل هي أساس العلاقات الاجتماعية بما في ذلك العلاقات الاقتصادية والمالية والثقافية وغيرها، والعلاقات بين الجماعات والهيئات والطوائف التي تدخل في تكوين الأمة" .
والشورى تدخل في أساسات الفكر السياسي تحقيقاً لهذه المقاصد، وتكون بشكل رئيسي لأهل الرأي والعلم والخبرة والذين يتمتعون بالأخلاص، والشورى تناسب فطرة الإنسان، وتقضي على مفسدة الانفراد والاستبداد والاحتكار.
تأسيساً على ما تقدم تكون الشورى "فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين. فعلى الحاكم أن يستشير في أمور الحكم والسياسة وكل ما يتعلق بمصلحة المسلمين، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها سواءً استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم" . 
6- التضامن الاجتماعي: إن التكافل أساس في شبكة العلاقات الاجتماعية في الإسلام، والتكافل يكون على مختلف المستويات، ويقوم على تنظيم المجتمع بما يحقق وحدته وكينونته كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، وفي المجتمع تتوازن العلاقات بحيث لا يلغي النظام السياسي الفرد لصالح نظام شمولي حزبي كما الحال في الماركسية أو في الشيوعية، ولا يقبل الفكر السياسي في الإسلام الإيغال في الفردية وفق الليبرالية الغربية التي تقدس الانا، فكلاهما تطرف وغلو يبعد عن الاعتدال والوسطية.
والتضامن الاجتماعي أو التكافل يشمل كافة وجوه ومسارات الحياة والعلاقات بين أهل المجتمع ومنها الاقتصاد، ولقد أخرج أبو داود في سنته الحديث النبوي الذي جاء فيه: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار". إن الفكر السياسي في الإسلام وحدوي اجتماعي بين أهل الأمة لا مكان فيه للفردية أو للفئوية وعماده أن الجميع أخوة.

7- الرقابة الشعبية: إن الفكر السياسي في الإسلام يقوم على قواعد في أصول التشريع في الفقه السياسي، ويهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة التي هي ضمانة لكرامة الإنسان وسعادته، وهي التي تؤمن حقوق الإنسان من حرية المعتقد إلى حرية الرأي إلى حرية العمل والتنقل, وحرمة المسكن, وحق الملكية إلى غير ذلك من الحقوق الأخرى .
وقواعد الشريعة والنصوص مع مصالح الناس المرسلة تشكل الضمان لسلامة العمل السياسي في الحكم والإدارة. والرقابة تكون من الحاكم إلى المحكومين وبالعكس، وتكون في إطار تطبيق التشريع والقانون. ومن النماذج الأولى في الإسلام ما يلي:
أ‌- موقف الخليفة عمر رضي الله عنه حيال عمرو بن العاص وابنه لحفظ كرامة القبطي المصري وحقّه حيث كان قوله الشهير: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
ب‌- موقف الرجل المسلم في المسجد يوم خطب الخليفة عمر رضي الله عنه خطبته الأولى في الناس بعد مبايعته، حيث قال له هذا الرجل: "والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بحد هذا السيف".
ت‌- وأما المحافظة على التشريع فالنموذج كان يوم خطب الفاروق عمر رضي الله  عنه في الناس داعياً لتخفيض المهور عند الزواج، وراجعته امرأة من الحضور بأن النص القرآني قد ورد فيه ما يفيد عدم التحديد، وكان موقفه رضي الله عنه من خلال قوله: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

8- نشر الصلاح: إن الخير ومحاسن الفضائل من أسس الفكر في الإسلام في السياسة وغير السياسة، والأمر الإلهي: {{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}} . 
إن الخير من القيم الأساسية في الإسلام كما أنّ محاربة الشر والفساد والرذائل في أساس الدعوة. والتكوين الاجتماعي في الإسلام يقوم على التقوى لأن التقوى طريق الصلاح. والمعلوم أن الفساد السياسي والإداري في ممارسات أهل السلطة والحكم أخطر معول هدّام يقضي على إمكانات الدولة في مختلف المرافق والميادين، وبسببه تنهار الدول، ويتراجع دور الأمم.

9- الجهاد: إن الجهاد في الإسلام ركن تتحقق من خلاله العدالة ويمتنع الظلم ويرتدع المعتدون. والفكر السياسي في الإسلام لا يمكنه أن يتجاوز هذا الركن، وهو فرض كفائي في حالات، وفرض عيني في حالات أخرى. 
فالجهاد مطلوب في السياسة فكراً وممارسة، وعلى أساسه يتم اختيار وُلاة الأمور والحكام تبعاً لواقع الأمة وللتحديات المفروضة عليها، وقد قال الماوردي: "ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع، روعي في الأختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البُغاة كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق" .

10- تحقيق سعادة أهل المجتمع: إن الفكر السياسي في الإسلام يحوي ضمن قواعده موضوع تحقيق وتوفير حاجات المجتمع على مختلف المستويات لأن الإنسان مستخلف في الأرض والحكم والسياسة، وكل ما يكون ليس إلا من أجل سعادته وتحقيق كرامته وتوفير حاجاته.
ونذكر هنا ذلك الإحساس بالمسؤولية الذي عبّر عنه الخليفة الراشدي عمر رضي الله تعالى عنه حيث قال وهو في المدينة المنوّرة: "والله لو تعثرت شاةٌ على طفّ الفرات لخفت أن يسألني ربي عنها".
الفكر السياسي لا بدّ له من أن ينتظم في مشروع يحقق قوة المجتمع وحاجته، وفي مقدمتها الأمن المستتب والاقتصاد القوي لأن هذين العنصرين يحققان أمن المجتمع أفراداً وجماعات وقد وجّه إلى ذلك النص القرآني: {{فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}} .
وإذا راجعنا حال الأمم والشعوب نجد أن الفقر والعوز وسائر الأزمات الاجتماعية هي التي تقود إلى بروز ظواهر من الإجرام والفساد والإدمان والانحراف، وبالمقابل فإن المجتمع الذي تتوفر فيه الحياة الكريمة تبقى مسارات السلوك والسياسة فيه عند التوسط والاعتدال.

أسباب البعد عن الوسطية في الفكر السياسي:

إن مراجعة تاريخ الفكر السياسي في الإسلام وواقعه المعاصر يطلعنا على أسباب ومسببات بروز بعض الفكر السياسي الذي شكل حالات من الغلو والتطرف، ومن ذلك ما يلي:
1- الفهم الخاطئ للدين: إن قبيلاً في المجتمع الإسلامي يذهب باتجاه الحديث في السياسة، وكأن فكر الإنسان مصادر، وكذلك حقه في الاجتهاد، وهو ما زعم بعضهم من خلاله بأن الحاكمية لله تعالى والإنسان مستخلف يمارس المحدد دون أن تكون له إرادة أو أيّ تدخل فكري أو عملي وقد استند هؤلاء إلى قوله تعالى: {{إن الحكم إلا لله}} .
ومن المدارس السياسية المعاصرة التي أسست لهذا الفكر مدرسة أبو الأعلى المودودي الذي قال بأن الأساس الذي يقوم عليه بناء الدولة "تصور مفهوم حاكمية الله تعالى الواحد الأحد، وأن نظريتها الأساسية أن الأرض كلها لله وهو ربها والمتصرف في شؤونها، فالأمر والحكم والتشريع كلها مختص بالله تعالى وحده، وليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو شعب بل لا للنوع البشري كافة شيء من سلطة الأمر والتشريع، فلا مجال من حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفته خليفة لله تباركت أسماؤه" . 
ويقول المودودي: "وربما يسألني سائل: فلمن الحاكمية السياسية إذن؟ فالجواب الوحيد الصريح لهذا السؤال: أنها لله تعالى، ولا يمكن أن يكون لهذا السؤال جواب آخر " . والمودودي الذي صادر حق الإنسان في تنظيم شؤونه في الاجتهاد السياسي مبرراً ذلك بموضوع الحاكمية أكمل طرحه هذا بالقول نفسه فيما يتعلق بالقضاء، حيث يقول: "والقضاء في الإسلام لا سلطان عليه لهيئة الحكومة التنفيذية ولا للأمير، فإن من يتولاه ينوب عن الله عز وجل وهو مسؤول بين يديه رأساً. والقاضي – وإن قامت بتوليته الحكومة- إذا تبوأ منصبه في مجلس القضاء، لا يحكم بين الناس إلا بما أنزله الله تعالى  وأرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
إن هذا الطرح السياسي وأمثاله ابتعد بأصحابه مسافة عن الواقع وأسس لأطروحات نظرية، ولأساليب حركية عانت وتعاني منها الأمة إلى يومنا هذا.
وهناك وجه آخر للفهم الخاطئ اعتمد أصحابه الجمود، والتزام الشكل على حساب المضمون فدعوا إلى تقليد حرفي، وإلى رفض كل تجربة أو مصطلح مثل الديمقراطية أو الانتخاب أو ما شابه ذلك، فتحوّل ذلك إلى حالة من الانغلاق والجمود، والجمود ليس أقل خطراً من الجحود.
2- الإمامة والنص: إن الحديث عن تعيين الإمامة بالنص، وأن الأمة ليست ولية على نفسها وبالتالي فإن الإمام محدد وعلى الناس أن يسلّموا ولا خيرة لهم في ذلك، وقد ربط القائلون بالنص من فقهاء السياسة من الشيعة الدعوة للسياسة بالإمامة وأن الإمامة كانت لصاحبها حق إلهي. يقول أحدهم: "الإمامة هبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده ممن تتوافر فيه عناصر الإمامة وشروطها، شأنها في ذلك شأن النبوة" .
إن الحديث في الفكر السياسي القائم على حق ديني ينوب فيه الفقيه عن الإمام في الفكر السياسي الإسلامي الشيعي أسهم في خلق إشكالية يعاني منها الواقع في بعض المجتمعات والحركات وهذا من مسببات بعض المدارس الفكرية التي تبتعد بأصحابها عن الوسطية في الفكر السياسي.
3- الفكر الوافد: إن القاعدة الإنسانية أن تتبادل الشعوب والأمم التجارب والأفكار لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى عملية استنساخ للنظريات والفلسفات والفكر والأساليب الحزبية كما حصل مع قبيل من الشباب والقيادات السياسية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكان من المفيد أن يتنبه الجميع إلى أن حلول مشكلات أية أمة لا يمكن أن يتم استيرادها في حقيبة كالمتاع والملابس، وإنما التجارب مع تشخيص الواقع تقود إلى ابتكار الحلول المناسبة، وهذه تتم صياغتها في فكر سياسي.
إن الفكر الوافد إلى الأمة العربية والعالم الإسلامي مع نهايات القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين الماضي كان يحمل فلسفات ونظريات سياسية لا تلائم هويتنا الثقافية، ولا قيمنا الحضارية، ولا واقعنا المعاش لذلك بقي أصحاب الالتزام بهذا الفكر السياسي الوافد على شكل حالات فئوية حزبية سواء كان الالتزام بالماركسية أو الليبرالية أو سواهما.
4- الاستبداد: إن الحكام الذين اعتمدوا الظلم والاستبداد، وقمعوا الحريات، وعطلوا الحياة الديمقراطية أياً كانت حججهم أو أفكارهم وأنظمتهم، إنما حولوا حكمهم إلى نظام متطرف مارس أقصى القمع للناس، ودفع ذلك فرقاء وأفراداً ومؤسسات إلى شكل من الممارسات المتطرفة، والمنفعلة الغاضبة، والمعلوم أن كلا طرفي الأمر مذموم.
إن الاستبداد حوض ماء راكدّ تعيش فيه كل أنواع الطفيليات والطحالب. وقد أعطى الكواكبي تحديداً مميزاً يظهر خطر الاستبداد، فقال: "لو كان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضرر، وخالي الذلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة" .
إن التأسيس لفكر الوسطية سياسياً يحتاج إلى مقاومة الاستبداد، وإطلاق الحريات وفق الأصول السليمة، ولا نقصد أن تحل الفوضى، أو أن تكون الحرية لأتباع الخارج أعداء الشعب والأمة، وإنما الحرية للشعب لان الحرية تولد الأمان والاطمئنان، ويقود ذلك إلى تعميق الثقة بين الحاكمين والمحكومين فيصبح أهل المجتمع صفاً واحداً، وبذلك يسود الاعتدال، وتنشأ القوة التي يسهم فيها الجميع كي تنهض الأمة مما تعانيه وليسود الفكر السليم النابع من قيم الأمة والذي يكون في رأس قائمته تحقيق حياة موفورة الكرامة للإنسان.
5- الفقر والجهل: إن الاستعمار احتل بلادنا مدداً زمنية متفاوتة، ومن ذلك اغتصاب فلسطين، ولا تزال الاحتلالات قائمة تشغل الأمة بالمقاومة والمواجهة والحروب فاحتاج ذلك إلى الانفاق الكبير على العمل العسكري ومسائل المواجهة، هذا غير ما تمّ نهبه من ثروات ولا يزال بأشكال مختلفة.
يضاف إلى ذلك تبعية بعض أنظمة الحكم للأجنبي، أو فسادها السياسي والإداري، وتبديدها للثروات في غير المكان المناسب. كل ذلك نشر الفقر والبطالة والعوز، وأسهم في رفع نسبة الأمية والجهل فكانت أحزمة البؤس والأحياء العشوائية حول معظم المدن حيث وجد دعاة الغلو والفتنة ضالتهم، فوظفوا النقمة عند المهملين والمهمشين والمنبوذين والأميين والعاطلين عن العمل في غير الصالح  العام، ومن هذه المواقع تولد التطرف وخرج الغلاة.

إن الفكر السياسي الوسطي هو الحل شرط أن يسبقه الانماء، وتسبقه الرعاية والخدمات، وتنظيم الشؤون الاجتماعية، ولا بد من تأمين مقعد لكل طالب علم، وفرصة عمل لكل ساعد، ولقمة لكل فم جائع، ومسكن لكل محتاج له. عندها يمكننا أن نتحدث عن فكر سياسي وسطي، وإلا يذهب الخطاب أدراج الرياح إن لم تسبقه كل هذه الانجازات والضروريات الحياتية.

خاتمــة: 
الوسطية لا تتم بالشعارات والتمنيات، وإنما هي فعل يحتاج لمقومات وأجواء وقواعد. ويمكننا أن نجمل المقترحات بما يلي:
1- توفير مناخ من الحريات العامة يضمن حقوق الإنسان في مختلف الميادين، لأنه لا تقدم مع الاستبداد والقمع، ولا أمن مع الظلم، ولا وسطية إذا بقيت حالة تجاهل إرادة الشعب.
2- اعتماد الشورى منهجاً في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية وسائر وجوه الحياة العامة والخاصة.
3- اعتماد قاعدة واحدة دولياً لا مجال فيها للكيل بمكيالين، وإنهاء حالات الاحتلال والنهب والتعدي، وخروج الغاصبين من أرض سواهم –وفي مقدمة ذلك إنهاء احتلال فلسطين والعراق وسائر المواقع- وإلا ستبقى ردات الفعل مما سيعطل التوافق والتفاهم.
4- وضع حد لسياسة العولمة التي تريد تنميط الأمم على الأسلوب الأمريكي الرأسمالي المتوحش هذا مع القضاء على هويات الأمم والشعوب وثقافتها وهذا أمر تدفع الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله الناس إلى موقف العداء لها كما هو حاصل حالياً حيث فقدان الأمان لكل أمريكي في العالم. 
5- العمل على تطبيق الدستور والقوانين وأن يخضع لها الجميع حكاماً ومحكومين، وأن تقوم دولة المؤسسات والقانون، وأن تتوقف قوانين الطوارئ والاستنساب في التطبيق.
6- تعطيل فعل الوافد الفكري السياسي والاجتماعي والإعلامي والتربوي الذي يقود إلى ردات الفعل وهذا يسهم في الغلو والطرفية في القول والسلوك.
7- الوسطية في الفكر السياسي تحتاج حرية سياسية وعدلاً اجتماعياً، وأي خلل في أحد طرفي المعادلة يقود إلى ما لا تحمد عقباه.
8- تيسير عرض الإسلام، وتنزيهه من عقد أصحاب المصالح كي نقدمه للشعوب كلها بسماحته، وأسس الرحمة من خلاله للعالمين.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.