
أ.د. محمد علي آذرشب *
تقارب في هذه الورقة موضوع الإرهاب من ناحية نفسية استناداً إلى تجربتين:
الأولى: يحدثنا عنها سعدي الشيرازي من القرن السابع الهجري وهو أديب يخترق المشاعر الإنسانية، ويعبّر عنها بأسلوب أخّاذ، مستمداً أدبه من تجاربه الواسعة، ومن معاشرته للعالمين العربي والإسلامي ومن قدرته على الغور في أعماق النفس الإنسانية.
الثانية: تجربة الشيخ محمد الغزالي، وهو رجل معاصر عاش عمره في الدعوة إلى الإسلام بأصالة ومعاصرة، وعلم ودراية، وعاطفة وعقل. واكتوى بنار المتطرفين، وبثَّ همومه في كتاب «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين».
قبل الدخول في الموضوع لا بد من الإشارة إلى مايلي:
1 - الأمراض النفسية التي تتخذ غطاء الدين كثيرة منها:
الوسواس القهري ذو الأعراض الدينية ومنها: الخوف من الموت، والإحساس بالذنب المؤدي إلى الاكتئاب. وهذه أمراض ذات طابع فردي، أي لا تتجاوز مظاهرها السلبية غالباً إطار الفرد، ومن الممكن معالجتها في المصحات النفسية أو باتباع توجيهات طبيب نفسي.
ومن هذه الأمراض الهوس الديني الذي أود الوقوف عنده، ويظهر في شكل زيادة مفرطة في العبادات والكلام الكثير في القرآن، والشهوة في دعوة الناس إلى الدين، والشعور بالفطنة وأنه صاحب رسالة. وفي إيران نرى من هؤلاء من يدّعي أنه المصلح المنتظر أو إنه على ارتباط مباشر به، وهذه الظاهرة تشكل أحياناً خطورة على الأمن الاجتماعي والفكري والعقائدي، ولكن خطورتها محدودة أيضاً.
غير أن الخطورة تتفاقم حينما تدخل في هذه الأدمغة المريضة فكرة أنها مكلفة بتطهير الأرض من كل من يخالفها في وجهة نظرها، عندئذٍ تبرز ظاهرة الإرهاب.
2 - إن دعاة الدين يتحملون مسؤولية طرح هذه الموضوعات بوضوح وصراحة كي لا يختلط الأمر على عامة الناس بين التدين والأمراض النفسية ومنها الهوس الديني، وسائر المظاهر المرضية التي تتخذ صفة التدين، إذ المظلوم في هذه الحالة هو التدين والمتدينون.
3- إن الأمراض النفسية التي تتخذ صفة التدين تستفحل غالباً في حالات الإحباط واليأس، وغياب حالة الحوار، وفرض حالة الإذلال على المجتمعات.
4- الخطاب الذي يضيّق إطار الدين، ويغيّب المقاصد الكبرى للرسالة الإلهية، ويثير التعصّب ورفض الآخر وينشر روح الكراهية من شأنه أن يثير كوامن النفوس المريضة فتجد فيه ما يتناسب ونواياها ونفسياتها.
بعد هذه المقدمات يمكن استعراض التجربتين المذكورتين:
1 - تجربة سعدي الشيرازي/ أدبياً.
سعدي الشيرازي، ولد سنة 606هـ بمدينة شيراز من بلاد فارس، وهو من رموز وحدتنا الحضارية، فهو، إضافة إلى خطابه الذي تجاوز حدود الزمان والمكان، استطاع أن يقدم النموذج الرائع للامتزاج الحضاري بين الإيرانيين والعرب. كما استطاع أن يبشّر بمشروع من شأنه أن يؤلف بين القلوب ويستثير فيها روح الحبّ والجمال، وينقذها من الجمود واليأس والكراهية والأمراض النفسية خاصة تلك الأمراض التي تتلبس بلبوس الدين.
ففي إحدى قصائده المعنونة «حكاية» يذهب الراوي في القصيدة إلى بلاد الهند، ويصعد هضبةً مرتفعة، في إشارةٍ إلى أنها منطقة معزولة ليست على مرأى من الناس.
وهناك يرى رجلاً وامرأة في حالة عاطفية، غير أنه يصف المرأة بما يدل على أن جمالها سلب قلبه، وأسف أن تكون في أحضان رجل أسود طويل.
وفي هذه الحالة تفجّر في نفسه «هوس» الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألهب الفضول وجدانه، وانبرى انطلاقا من هوسه ليرمي الرجل بالحجارة وليرشقه بالسبّ والعربدة. وتبين له بعد ذلك أن المرأة كانت راضية بل مغرمة بالرجل، ولم يكن اللقاء بينهما عن كراهة.
يتبين من هذا كله كيف أن الهوس الديني والغريزة الهابطة اتخذت لباس الدين، ودفعت هذا المهووس إلى ارتكاب مخالفة صريحة للدين.
وسعدي بيّن ذلك بلغة أدبية فيها جمال وموعظة وعبرة.
2- تجربة الشيخ محمد الغزالي/عملياً
الشيخ محمد الغزالي بن أحمد السقا، تخصص في الدعوة والإرشاد ودرس على الشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمود أبو زهرة، ودرّس في مصر والسعودية والجزائر وتوفى سنة 1416هـ/ 1996م.
يلخّص الشيخ الغزالي تجاربه مع المتعصبين تحت العناوين التالية:
انشغال عن عظائم الأمور
الانشغال بالجزئيات والإستغراق فيها ينسي الفرد والجماعة مهامها الكبرى، وهو خطر مابعده خطر، وهذه الظاهرة بارزة بين المتدينين في عالمنا الإسلامي مع الأسف. يقول الشيخ الغزالي: «ولم أر أناسًا حبستهم الجزئيات وغلبتهم على رشدهم مثل صرعى التعصّب المذهبي عندنا.
وأظنّ السبب في ذلك أسلوب تعليم العوام. إن المدرّس يقول في ثقة: حكم الله كذا في هذه القضية، رأي الدين كذا في ذلك الموضوع.. فيظنّ المستمع أن ما سمع هو حكم الله ورسوله.
وما ينبغي أن يُذكر حكم بهذا الجزم إلا ما قُطع به، أما الاجتهادات المذهبية فينبغي أن يقول المفتي: أرى الحكم كذا، أو الحكم عندنا كذا، أو صحّ الدليل لدينا بكذا، ويترك مجالاً للرأي الآخر فلا يحرمه من الإنتماء إلى الإسلام.
وعلى الأتباع أن يستبينوا قيمة مايؤدون وما يدعون، فلا يظنو الإسلام حكرًا على مسالكهم وحدها. واختيار المسلم لمذهب ما، لا يجوز أن يتحول إلى لجاجة ومغاضبة، فإن ذلك يُفسد النية ويمزق الأمة ويوهى الصلة بالله سبحانه وتعالى.
لحساب من تستثار المشاعر المشبوبة وراء رأي فقهي؟ إن كان خطأ أو صواباً، فهو مأجور. وماذا يبقى من مشاعر الناس بـإزاء العقائد الأولى، والوحدة الجامعة، والتماسك في وجه أعداء لاينامون حتى يقضوا علينا..؟
إن التعصب لرأي أحد الفقهاء غباء، اعمل به إن شئت، ولا تستحمق إذا رأيت غيرك يعمل بضده.
وإذا وجد مجال لبحث وجوه النظر وقيم الأدلة لمن يقدرون على ذلك فلا حرج! ثم يصير كل إلى ما يرى. إنني استيقنت من أن التعصب الشديد لمسألة ثانوية يتم على على حساب الدماء والأموال والأعراض وكرامة الأمة وحياتها.
آفة المتعصبين
يظهر أن الشيخ الغزالي عانى كثيراً من التعصّب، وواجهه بكل شجاعة، واكتوى بناره، وراح يفكّر مليًا في حالة المتعصبين، فخرج بما يلي، يقول:
«لقيت متعصبين كثيرين، ودرست عن كثب أحوالهم النفسية والفكرية، فوجدت آفتين تفتكان بهم:
الأولى: العجز العلمي، أو قلة المعرفة! هؤلاء يحفظون نصاً وينسون آخر، أو يفهمون دلالةً للكلام هنا، ويجهلون أخرى، وهم يحسبون ما أدركوه الدين كلّه.
ولو أن هؤلاء اكتفوا بمنزلة المتعلم التابع ما عابهم ذلك كثيرًا، فليس كل مسلم مطالباً بمعرفة جميع الأقوال الواردة والدلالات المحتملة.
المصيبة أن يشتغلوا مفتين أو موجهين، وهم بهذا المستوى الهابط!...
والآفة الثانية في التعصب المذهبي: سوء النية، ووجود أمراض نفسية دفينة وراء السلوك الإنساني المعوج، ويغلب أن تكون آفات الظهور والاستعلاء أو رذائل القسوة والتسلط. كنت في مجلس قرآن ختم القارئ فيه التلاوة بقوله: صدق الله العظيم. فإذا جالس ينتفض كأنما لسعته عقرب يقول: هذه بدعة.. قلت له: لا أبحث معك أنها بدعة أو سنّة، وإنـّما أسالك: ما هذا الفزع؟ لكأنما سقط على رأسك حجر!! الأمر ما يعالج بهذه العاصفة. إجلس.
هذا الصنف من الناس لم يهذّب نفسه بالأخلاق التي بُعث بها صاحب الرسالة ليتمّم مكارمها.. إن صور العبادة عنده غطاء لقلب غليظ، وغرائزٍ فجّة. وهو يجد متعة في قضايا الخلاف ليثور ويفور، وظاهر الأمر الغضب للدين، وهو في الحقيقة ينفّس عن طبيعة معتلّة، وتربية ناقصة أو مفقودة».
مرضى القلوب
حين تحدّث الغزالي عن آفة المتعصبين لخصها في آفة العجز العلمي وآفة سوء النية، الأولى: علمية، والثانية: نفسية. والواقع أن الرجل يهتم بالعامل النفسي أكثر، وهذه هي النقطة البارزة في مشروع الشيخ. يخصص فصلاً للانحرافات النفسية والبدنية، ويرى أن الانحرافات النفسية أخطر من البدنية، فالمعاصي البدنية «شهوات محددة الخطر على قبحها وسوء مغبتها فالإسراف في الطعام مثلاً، يسلب المرء عفّته. وربّما كان للبدن تطلّعات أشدّ ضراوة، ومع ذلك فهو أدنى من جنون العظمة أو عبادة الذات التي تقود إلى الفرعنة وقسوة القلب وإهلاك الحرث والنسل في سبيل المجد الشخصي!!».
«والاغترار بالنفس أو الدوران حول الذات لا يبدو في طلب الرياسة بالأساليب القذرة وحسب، كلاّ إنه قد يبدو في تنقّص رجل معروف أو اعتناق رأي شاذ، أو المكابرة في حوار، أو ما شابه ذلك من مواقف لأناس يعملون في الميدان الديني أو الميدان المدني على سواء...».
«وفي ميدان التدين تعتبر الطاعات التي يقوم بها هؤلاء ستاراًُ لنيات مغشوشة أو ترجمة معكوسة لما يكمن في عقولهم الباطنة...».
ويظهر أن الشيخ الغزالي مثله مثل كل الدعاة المخلصين قد عانى من مرضى النفوس كثيرًا، ولذلك فإنه يحاول أن يبحث عن جذور هذا المرض. يقول: «لقد عناني من أمر العلل النفسية أو معاصي القلوب لأني اكتويت بنارها، ورأيت من أدعياء التدين ما يدعو للجزع».
ويخاطب هؤلاء الأدعياء المتزمتين الذين يكيلون التهم للآخرين، ويدورون مع ذواتهم أينما دارت بلغة غاضبة فيقول: «ونحن نعرف أن آباءكم قتلوا علياً بإسم الدفاع عن الوحدة الإسلامية، وقتلوا عثمان بإسم الدفاع عن النزاهة الإسلامية، وقتلوا عمر بإسم الدفاع عن العدالة الإسلامية، فيا أولاد الأفاعي إلى متى تتسترون بالإسلام لضرب الرجال الذين يعيشون له ويجاهدون لنصرته؟! ولحساب مَن تكنّون هذه الضغائن عليهم، وتسعون جاهدين للإيقاع بهم وتحريش السلطات عليهم..؟!».
ويقول أيضا في لغة حادّة: «وهؤلاء المرضى المعتوهون يفهمون في المرويات فهماً ما، ثم يقولون: هذا هو النص! ما نراه نحن هو رأي الله ورسوله، أي حكم الله ورسوله!
ومعنى ذلك أنك حين تقاومهم تقاوم الإسلام نفسه وتحارب الله ورسوله. وهذا هو البلاء المبين.
ونقول جادين: إن الإسلام لن يحكم ولا يجوز أن يحكم إذا كان أولئك العميان قادة قافلته والمتحدثين بإسمه، فإن أمراضكم النفسية والفكرية تمحق دين الله ودنيا الناس على سواء..
الإسلام نور وهؤلاء ظلمة، إنه طهر وهؤلاء قذى!!».
موقف الشيخ الغزالي من هؤلاء المرضى ليس ردّ فعل لما وجهوه إليه من إساءات، بل إنه يأتي في إطار حديثه عن «الوحدة الثقافية بين المسلمين» لأنّ «كثيرًا من الخصومات الفكرية القديمة في علم الكلام كان مظهراً للعلل النفسية أكثر مما هو لخدمة الإسلام..».
أهمّ ما يجول حولـه فكر الشيخ الغزالي بشأن سبب الانحرافات النفسية هو «انعدام الإخلاص». فالإخلاص «روح الدين وآية الصدق، وسياج العمل، وضمان قبوله في الدنيا والآخرة.. وهو عنصر نادر بين الناس، لأننا نقصد بالإخلاص تجريد القصد لله وحده، وابتغاء وجهه الكريم.. وأغلب الناس يدورن حول أنفسهم فيما يعملون أو يتركون، وينشدون مصالحهم الخاصة، أو منافعهم العاجلة».
استخلص من التجربتين ومن تجربة بلدي في هذا المجال ما يلي من ضرورات:
1 - الأخذ بنظر الاعتبار العامل النفسي ضمن العوامل المؤدية إلى الإرهاب.
2- طرح المشروع الإسلامي بأبعاده الشاملة، خاصة في ما يرتبط بأهدافه الإنسانية الكبرى، وبمقاصده الحضارية.
3- إشاعة روح الحوار والشفافية والعقلانية والوسطية والإعتدال في المجتمع.
4- التركيز على تنمية الأمل في النفوس واقتلاع الشعور باليأس والإحباط والهزيمة النفسية.
5- إشاعة ثقافة الجمال والفن الرفيع وغرس العواطف الإنسانية في التربية والتعليم والإعلام.
* أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة طهران
ورئيس مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية ورئيس مركز أبحاث وحدة العالم الإسلامي.
ابحث
أضف تعليقاً