
لقد أحدث الإسلام انقلاباً واسعاً في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية التي كانت سائدة في العالم، والتي كانت تتمحور في جملتها حول النزوع إلى الفردية والاستبداد والاستحواذ، والظلم والعنصرية، وحرمان الضعفاء من كل الحقوق وحتى الكرامة الإنسانية، فجاء الإسلام محارباً لكل هذه المفاسد، داعياً للعدالة، معززاً من شأن الإنسان، محارباً للظلم بمختلف أشكاله، مؤكداً على وحدة الجنس البشري، وأنه لا فرق بين أبيض وأسود وعربي وأعجمي إلا بالتقوى، مؤكداً في نفس الوقت على أن حرية الإنسان مصانة بأمر من رب السماء، فلا يجوز الاعتداء عليها تحت أي ظرف من الظروف، فرحم الله فاروق الأمة عمر رضي الله عنه حين أعلنها مدوية وهو يضرب ابن عمرو بن العاص، الذي استغل نفوذ والده في مصر وضرب أحد العامة الذي اشتكى بدوره لعمر: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً».
وقد أوضح القرآن الكريم أن معادلة التكافل الاجتماعي تقوم على محاربة الفقر في المجتمع من خلال التزام الأغنياء بإطعام الطعام، فقد أكد القرآن الكريم في أكثر من ثلاثين موضعاً على الدعوة إلى إطعام الفقراء والمساكين وسد حاجاتهم الأساسية، وفي أكثر من أربعين موضعاً يؤكد على فرضية الزكاة والصدقات والتنديد بمانعيها ، وفي أكثر من سبعين موضعاً يتردد ذكر الإنفاق وتسليط الأضواء عليه من كافة الزوايا، قال الله تعالى : «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً»، وفي مناسبة أخرى يصف الرعيل الأول من الصحابة الكرام بأن من صفاتهم البارزة بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم حاجة أو فقر: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون».
ولم يكتف القرآن الكريم دستور الأمة الخالد بفرض حقوق مالية لمصلحة الفقراء على الأموال، بمختلف أنواعها، بل فرض على المسلمين أن يدفعوا للفقراء على الأموال بمختلف أنواعها، بل فرض على المسلمين أن يدفعوا للفقراء صدقات مالية عند كل مخالفة لأحكام الشريعة للتكفير عنها، وهذا ما يسمى في الفقه الإسلامي بالكفارات والتي منها :كفارات الأيمان، والإفطار في رمضان، والظهار، وكفارات ارتكاب المحظورات في الحج وغيرها، وفي هذا تأكيد على ضرورة سمو الحس عند أفراد المجتمع الإسلامي، حتى لا يبقى فيه صاحب حاجة.
وكما هو معلوم أن تفشي الفقر يصاحبه انتشار الجهل والمرض بالإضافة إلى ما يثيره من مشاعر الحقد والحسد والكراهية التي يترتب عليها زلزلة أركان المجتمع بظهور روح التمرد على قيمه وأعرافه وتقاليده، لهذا نجد أعداء الأمة يحرصون كل الحرص على أن تبقى هذه الأمة غير قادرة على سد حاجياتها لتبقى مجتمعاتها دائمة الغليان يأكل بعضها بعضاً، تستورد الطعام والسلاح، وتزداد فقراً عاماً بعد عام، حتى غدت أداة طيعة في أيدي أعدائها، لهذا وجب على الأمة العربية والإسلامية أن تتضافر جهودها على درء المخاطر المحيطة بها، والتي وطنت في حضنها وأهمها الفقر الذي يزداد يوماً بعد يوم، والأمة إن عادت إلى خالقها فإنها تملك المقومات السليمة لوضع الخطط والبرامج الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، إذا تجرد فيها أصحاب القرار عن الأنانية والطمع وتقديم المصالح الشخصية على مصالح الأمة العليا، عندها تنتهض الأمة من كبوتها وعثراتها إذا توفر الإيمان بالله والإخلاص الجاد الذي يحطم أغلال الذات الضيقة، ويرفع شأن الأمة معتزة بخالقها وقيمها وحبها للتغيير إلى الأفضل، وصدق الله العظيم :«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
منقول عن صحيفة الرأي الأردنية
بتاريخ: 24/7/2010
ابحث
أضف تعليقاً