wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التحولات السياسية في تونس بعد الثورة
الأربعاء, December 7, 2011 - 02:45

 قبل الثورة كان الحديث عن تونس يقتصر على جملتين: هناك ديكتاتور وهناك نظام مستبد، خَنَق الحريات وقتل السياسات وحاصر الفكر وجفف منابع الحرية، أما اليوم فإنَّ الثورة التي حصلت في تونس أعادت الاعتبار لهذا الوطن العزيز، كما أعادت الاعتبار للتونسي الذي أصبح يُستقبل بحفاوة في كل مكان، لأن هذه الثورة لم تكن مدرجة ضمن وعي المواطن العربي. 
  وعندما أستعيد جُزئية ما حصل قبل 17 ديسمبر الماضي وقبل هروب بن علي يوم 14 يناير، وأحاول أن أربطها فيما بينها، فلن أصل إلا لنتيجة واحدة، ألا وهي أنَّ الثورة التي حصلت في تونس كانت هبة من الله ورحمة منه للتونسيين ومن بعده بقية شعوب المنطقة العربية.
سأحاول في عجالة أن أضعكم في صورة: كيف هي تونس اليوم؟ وما هي التحولات والتحديات التي تواجه التونسيين وتواجه النُخب السياسية الجديدة في البلاد؟
  أجد نفسي مضطراً للعودة للخلف قليلاً بعد هروب بن علي يوم 14 يناير، وجدت النُخب السياسية في تونس نفسها أما خيارين وقد حصل بينهما تنازع:
الأول ذو طابع إصلاحي: حيث أنَّ مجموعة في السلطة ومجموعة خارج السلطة أو من ضمن المعارضة راهنت على المنهج الإصلاحي الذي يعتمد على الاحتفاظ بالمؤسسات التي كانت موجودة في زمن بن علي، ومحاولة تفعيل هذه المؤسسات من داخلها لإحداث عملية الارتقاء السياسي التدريجي لتحقيق الانتقال الديمقراطي، بمعنى توفير وتحقيق الاستمرارية في أجهزة الدولة والحكم، ولهذا وخلال الأشهر الثلاثة الأولى تمَّ التسليم بهذا الخيار من خلال حكومة السيد الغنوشي التي حاول بتنسيق منه التنويع في التحالف مع  حزبين من المعارضة في محاولة منه لتجسيد هذا الاختيار.
الثاني: ذو طابع ثوري: حيث يقوم على القطيعة مع المرحلة الماضية، ومحاولة إحداث تغيير هيكلي وجذري في بُنية المؤسسات الحاكمة في البلاد، وهؤلاء دعوا للإطاحة بحكومة الغنوشي، وكذلك دعوا لتعويض الجهاز الحكومي بمجلس أُطلق عليه "مجلس حماية الثورة"، وهذا المجلس تشكل من كل الأطياف السياسية الموجودة في المعارضة. وقد حصل صراع بين الخيارين.
هذا الصراع أدى لتطورات نوعية ساعدت في إحداث نقلة نوعية في الوضع السياسي العام في تونس. وأهم ما ترتب عن هذا الصراع هو تغيير الأجندة، ففي المرحلة الأولى كانت الأجندة بسيطة وواضحة، وهي: تعديل الدستور التونسي القديم خاصة في الفصول التي تعطي صلاحيات مطلقة للرئيس الجمهوري، وإلغاء قانون الانتخابات، أو النقاط الموجودة في الدستور والتي تُعطي مجالاً وحيداً لحماية الحزب الحاكم، وكذلك رئيس الجمهورية.. إلا أنَّ التغيير الثاني الذي فرض نفسه من خلال الإطاحة بالغنوشي كان يعتمد على منطق آخر وأولوية أخرى، فقد كان يدعو إلى تعليق الدستور باعتبار عدم صلاحيته لإدارة المرحلة القادمة، لأن الدستور القديم كان عبارة عن جملة من المتناقضات، وقد تمت صياغته على مقاس رئيس الجمهورية باعتباره صاحب السلطة المطلقة.
  إذن، الأجندة الثانية والتي مفادها الدعوة لتعليق الدستور، وانتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد، وفي نفس السياق حل الحزب الحاكم السابق، وحل البرلمان ومجلس المستشارين، والذي يعني إفراغ كل المؤسسات القديمة وتجميدها تماماً، إنه منطلق ثوري، هذا المنطلق الذي لم يكتسب كل الوهج وكل الآليات المتوفرة عادة في الثورات، وذلك بسبب الثقافة الإصلاحية العميقة في تونس ولدى النُخب السياسية، حيث أنَّ الثورات التي عشناها كانت قصيرة وظرفية وسريعة، أمَّا الخط الذي كان سائداً فهو الخط الإصلاحي القائم على مبدأ الأخذ والعطاء، والتطوير التدريجي للأوضاع، وإدارة المفاوضات ومحاولة الوصول للحد الأدنى من الوفاق للارتقاء للأفضل.
  تلك هي الثقافة السياسية التونسية لكن عند حدوث الثورة حصلت تناقضات بين هذين الخطين الأمر الذي ترتب عليه صيغة وفاقية تجسدت في إيجاد هيئة تسمى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، وهي عبارة عن برلمان مُصغَّر يقوم على أساس الحوار الوفاقي لكنه غير منتخب وله مهام ظرفية وآنية.
  وتمَّ في إطار هذه الهيئة اختيار الأحزاب المعروفة سابقاً، المُرخّص منها قانونياً أو التي لعبت دوراً في مقاومة الدكتاتورية، ومع وجود هذه الأحزاب تم تطعيمها بممثلين بعدد من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني والتي صمدت أمام نظام بن علي، بالإضافة لعدد من المستقلين، الأمر الذي جعلنا أمام هيئة شبه برلمانية لكنها غير منتخبة.. تلك الصيغة لم توجد في مصر، لأنَّ المؤسسة العسكرية في مصر هي التي أمسكت بالسلطة وشكلت الحكومة، وأدارت العملية السياسية الانتقالية.
  إنَّ أهم منجزات الهيئة العليا قدرتها على رسم وضبط الحياة السياسية بشكل سليم: ففي داخلها تمَّ انتخاب هيئة عُليا، مهمتها الإشراف المباشر على الانتخابات، وهذه الهيئة ولأول مرة في تاريخ تونس تقوم على تنظيم الانتخابات من ألفها إلى يائها دون تدخل أي هيئة حكومية، الأمر الذي أضفى على هذه الهيئة كل الشفافية والموضوعية والنزاهة المطلوبة، أضف إلى ذلك أنَّه تمَّ من داخلها التوافق حول قانون انتخابي، وبمقتضاه تمَّ تأسيس هيئة عليا مستقلة تولت تنظيم الانتخابات التي تمت في يوم 23 أكتوبر، حيث اجمع الآلاف من المراقبين أنَّ الانتخابات الأخيرة كانت حرة ونزيهة وديمقراطية، وإن حصلت بعض الخروقات والتجاوزات التي لم ترتق لمستوى الطعن في نتائج الانتخابات.
  هذه الانتخابات قد أفرزت بعض النتائج التي أثارت جدلاً واسعاً في تونس وخارجها، من أهمها: 
1- صعود حركة النهضة كقوة رئيسية في البلاد، الأمر الذي لفت النظر إليها خاصة قبل 17 ديسمبر حيث كانت مفككة وضعيفة ووجودها في الداخل كان محصوراً ضمن عدد من الأفراد، أمَّا في الخارج فكان لها أنصارها وكان لها تأثيرها على ما يحصل في تونس، لكنها وبعد الانتخابات استطاعت إحياء شبكاتها القديمة وخلق اللحمة بين كوادرها في الداخل والخارج وبلورة خطة سياسية وتنظيمية، كما أنها أعطت أنطباعاً جعلت الكثيرين يرونها قوة رئيسية في البلد، مما سمح بعدد كبير من الأشخاص للالتحاق بالحركة خلال الأشهر الماضية.. وبالرغم من أنَّ التقديرات كانت تشير إلى أنَّ حركة النهضة لن تتجاوز الـ25% من المقاعد أو الـ 30% في أقصاها، لكن جاءت الانتخابات لتعطيها 41% من المقاعد.
2- تراجع الأحزاب الليبرالية بشكل كبير رغم توقع الكثيرون باحتلالها للمرتبة الثانية، وخاصة الحزب الديمقراطي التقدمي الذي وجد نفسه في المرتبة الخامسة بعدما كان من المفترض أن يكون في المرتبة الثانية.
3- الانهيار المدوي لليسار الذي يتبنى المنظومة الماركسية، حيث وجد نفسه تقريباً خارج اللعبة السياسية، ووجد علاقته بالتونسيين قائمة على فرضيات أكثر منها على حقائق.
4- فشل المستقلين الذين فشلوا في فرض نفسهم ككتلة رئيسية في المجلس.
5- صعود لقائمات تحت عنوان "العريضة الشعبية" التي كانت ملتفة حول شخص من شباب حركة النهضة في الثمانينات ويدعى هاشم الحامدي، ولم يكن أحداً متوقعا هذه المفاجأة، خاصة وأنَّ ما يزيد عن الـ 250 ألف شخص صوتوا لهذه العريضة.
    يذكر أنَّ حركة النهضة لم تكن تملك الأغلبية التي تمكنها من تشكيل الحكومة بشكل منفرد الأمر، حيث وجدت نفسها مدعوة للتحالف من أجل تشكيل الائتلاف، وقد أبدت تعاوناً واضحاً في تشكيله على نطاق واسع، حيث تحالفت مع حزبين لا تشترك معهما في التراث أو الثقافة أو الخلفية السياسية والفكرية العامة، وهما حزب المرزوقي: "المؤتمر من أجل الجمهورية"، وهو حزب ليبرالي يتبنى قضية الحريات بشكل أساسي، ويدعو لإقامة جمهورية ثانية، لأنه يعتبر أنَّ الجمهورية الأولى قد تمَّ إجهاضها ولم تعد تملك مقومات النظام الجمهوري، الحزب الثاني هو حزب "التكتل من أجل العمل والحريات"، وهو حزب ليبرالي ذو بُعد اشتراكي، وبهذا التحالف أصبح هناك أغلبية واسعة مكنت من انبثاق الحكومة الجديدة.
  ولكنني أرى أنَّ الحكومة الجديدة التي تقودها حركة النهضة ستخوض مغامرة كبيرة غير محسوبة العواقب من وجهة نظري، خاصة أنَّ حركة النهضة وبعد أن كانت في السجون والمنافي أصبحت تتولى السلطة وتقود الحكومة.
  المعضلة التي واجهها الائتلاف خلال الفترة الأخيرة والتي عطلت تشكيل الحكومة هو قضية الصلاحيات، فحركة النهضة أرادت أن تكون الصلاحيات الأساسية بيد رئيس الحكومة الذي من المفترض أن يكون عضواً منها، وإعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات شكلية، وهذا تطلب نقاش وصراع دام أكثر من خمس أسابيع من أجل إعادة توزيع الصلاحيات بشكل يبقي لرئيس الحكومة دوراً ما، حيث تم الوصول لاتفاق مفاده أنْ يكون رئيس الجمهورية بمثابة المسؤول عن السياسة الخارجية بالتنسيق مع رئيس الحكومة ويكون هو الرئيس الأعلى للقوات المسلحة، وأن يسمح له بالتدخل في التعيينات سواء العسكرية أو الدبلوماسية .
  الأمر الآخر الذي أربك هذا الائتلاف هو ظهور معارضة قوية متحالفة مع صعود قوي لدور المجتمع المدني والجمعيات المستقلة، ولهذا ما زلنا نشاهد على شاشات التلفزة ما لا يقل عن 1000 شخص معتصمين أمام المجلس لممارسة الضغط عليه وعلى الحكومة القادمة من خلال العديد من المطالب.
  من المفترض أنه وبعد أيام قليلة سيكون بإمكاننا الإطلاع على قائمة أعضاء الحكومة الجديد،ة لكن فيما يبدو أنهم بالأغلب سيكونون أعضاء دون خبرة سابقة، وهذا ليس عائقاً بحد ذاته لكنه سيؤدي لنتائج تنعكس على تونس الوطن ونحن في غنى عنها في هذا الوقت.
هؤلاء السياسيون الجدد سيواجهون ستة تحديات جديدة أبرزها :
1- التحدي الاقتصادي: خاصة وأنَّ التركة في المرحلة السابقة وتركة الثمانية أشهر من الصراعات ما بعد الثورة، في ظل غياب شرعية سياسية جعلت الوضع الاقتصادي خطراً جداً، الأمر الذي سيجعل الحكومة الجديدة أمام تحد صعب، وهل هي قادرة على مواجه هذا الخطر في بُعديه الهيكلي وتحقيق الحد الأدنى من مطالب المواطن.
2- التحدي الأمني: ومدى حاجتنا لبناء نظام أمني.
3- السلفيون: في التاريخ التونسي أو المغرب العربي لم يكن هناك سلفية بمفهومها كما في المشرق، فالسلفية تعني بالنسبة لنا التيار الوطني، إلا أنه ومنذ عام 1999-2000 ظهر التيار السلفي كتيار ديني، وذلك من خلال الفضائيات التي ساهمت بنشره بسبب حالة الفراغ الموجودة في البلاد مما توفرت القابلية لدى العديد للانسياق له.. إنَّ السلفيين بعد أن كانوا يقبعون في السجون وبمجيء الثورة حرروا وباتوا يسعون لفرض أنفسهم والهيمنة والسيطرة على الشارع بعد أن كانوا يتحركون بحذر فدخلوا في مواجهات مع العديد من الجهات.. الإشكال الآن يكمن في حقهم في المحافظة على حريتهم بالتعبير وعدم التدخل في حريات الآخرين أو فرض أمر ما، وهذا سيشكل مشكلة لحركة النهضة التي إلى حد الآن لم تبادر إلى ضبط هذه الحركات حسب القانون.
4- عودة استقطاب الثنائي والصراع بين العلمانيين والإسلاميين: والخوف أن يكون له تداعيات في المرحلة المقبلة، الأمر الذي سيؤدي لتهديد الوحدة الوطنية وخلق اضطراب في التعايش بين مختلف الأطياف.
5-  إلى أي مدى سيصمد الائتلاف الحكومي غير المتجانس في بنيته، وتوفير سياسة مشتركة وقدرته على الحفاظ على رؤية مشتركة على المستوى الداخلي والخارجي.
6- التحدي السادس بمثابة اختبار تمر به الحركة الإسلامية التونسية: وهو هل ستستطيع الحركة الإسلامية التونسية أن تطور أطروحاتها بشكل عميق، والانتقال من حركة ذات خطاب ديني لحركة ذات خطاب ومنهج سياسي، وهذا يجب ترجمته في ثلاث مسائل:
أ‌- تبني فكرة بناء الدولة المدنية من خلال بنائها نكون قد أعدنا النظر بمسائل كثيرة متعلقة بالفكر الإسلامي القديم والجديد، ومقولة الدولة المدنية هي التي ستستطيع إخراجنا من منظومة الدولة الإسلامية وتجعلنا أمام منطلقات وأسس الدولة الديمقراطية الحديثة .
ب‌- اختبار الحركة الإسلامية في أن تكون في صدارة المدافعين عن الحريات العامة والفردية.
ج‌- تحديد هويتهم: بتحديد أي البرنامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي ستعتمد عليها لبناء دولة جديدة وجمهورية جديدة في تونس، وما الذي سيميزها عن الآخرين ويجمعها بهم في ذات الوقت.

 
* محاضرة ألقاها الدكتور الجورشي في عمان بدعوة من المنتدى العالمي للوسطية، 7/12/2011م

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.