
تمهيد
نوّه مقالي السابق بعنوان "الاقتصاد الاسلامي: لماذا يجب أن نهتم؟" الى العجز الواضح في العالم العربي والاسلامي في تحقيق هدف "النمو التشاركيInclusive Growth "، أي ذلك النمو الذي يساهم فيه ويشترك في ثماره مجمل ومختلف فئات السكان، والقادر على تخفيض نسبة الفقر وانتشاره وعلى تقليل عدم المساواة الاقتصادية، وتوفير فرص العمل الكريم، وتوسيع الطبقة الوسطى، من خلال التركيز على استدامة النمو الاقتصادي وتوزيعه وسرعته ضمن رؤية موحدة وفي اطار تنفيذي متسق ومتكامل. وقد ساهم هذا العجز المستمر في بروز اختلالات وتوترات اجتماعية هامة نلمسها جميعاً.
ومع ان الاقتصاديون يختلفون في الأسباب الجذرية للنجاح والفشل الاقتصادي عموما، سواءً قبل الأزمة المالية العالمية وبالتأكيد بعدها، الا ان هنالك اتفاقاً متزايداً على أهمية الحوكمة والمؤسسات، سواء المؤسسات الرسمية منها (التنفيذية والتشريعية والرقابية والمالية) أو المؤسسات غير الرسمية (القيم والتقاليد)، في تشكيل الأداء الاقتصادي للدول. بل ان بعض الباحثين يؤكدون بالتحديد على دور المؤسسات التشاركية Inclusive Institutions في تفسير اخفاق الاقتصاديات ونجاحها كما فعل العالمان Acemoglu and Robinson في كتابهم الهام "لماذا تفشل الأمم؟" (2012). سنتعرف في هذا المقال المكمل على أهمية المعايير الأخلاقية الطوعية في الاقتصاد الاسلامي كمؤسسة رئيسية داعمة للنمو التشاركي على وجه الخصوص وللتنمية الشاملة والمستدامة بصورة أعم.
الأخلاقية من المزايا الفريدة للاقتصاد الاسلامي
كما أكد الكاتب في الحلقة الأولى من مقال "الاقتصاد الاسلامي: لماذا يجب أن نهتم؟"، فان ما يميز النظام الاسلامي عن الأنظمة الاقتصادية القائمة هو ليس اقرار كل من الملكية الخاصة وحرية تأسيس الأعمال والتدخل الحكومي في الأسواق، وانما خصائص رئيسية ثلاثة: ربانية الأصول وأخلاقية التعامل الاقتصادي والأسبقية التاريخية. هذا المقال مخصص لشرح الأهمية الاستراتيجية والمساهمة الفريدة لخاصية "اخلاقية الاقتصاد الاسلامي" في تحقيق الكفاءة والعدالة، بصورة تؤهلها لتصنيفها أهم المحركات التسعة للنمو التشاركي في النظام الاقتصادي الاسلامي.
الأخلاقية هي مكون ثابت وأصيل
للنظام الاقتصادي الاسلامي مكون ثابت غير قابل للتعديل والتغيير، وهذا الجزء رباني المصدر ومستمد من قطعيات القرآن والسنة النبوية والاجماع، مثل أهمية الأخلاق وسلطة الضمير (ما يمكن تسميته برأس المال الأخلاقي)، واعتبار المال وسيلة وليس غاية في حد ذاته، واعتبار الانسان مستخلف في المال ومسؤول عن طرق كسبه وانفاقه، وكذلك تشريع الزكاة وتحريم الربا، الى جانب جزء متغير ورحب وقابل للتعديل والتكيف حسب متطلبات ومستجدات البيئة والظروف الاقتصادية في اطار المصالح المرسلة المستندة الى مقاصد ونصوص الشرع. ومن الأمثلة على هذا الجانب المتغير: درجة ونمط التدخل الحكومي في الأسواق (مع الحفاظ على مبدأ الملكية الفردية)، وتحديد مفهوم الفقر والفقراء الذي يحقق المقصد من نظام الزكاة ضمن بيئة زمانية ومكانية معينة ودون أن يؤثر في الانتاجية الاجتماعية، وكذلك التطبيقات العملية والقوالب المؤسسية التي تحقق مبدأ المشاركة في المخاطر في المشروعات الاستثمارية بما يدعم النمو التشاركي.
ان اتمام البناء الأخلاقي للبشرية هو سبب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث النبوي. ومع ان البناء القانوني الرسمي هام في الاقتصاد الاسلامي وهو من مقومات الدولة، الا ان المعايير الاخلاقية هامة أيضاً وكثيراً ما يتم تجاهلها كأحد دعائم ومزايا الاقتصاد الاسلامي التشاركي. ومع ان هنالك اجماع على محوريتها وخلاف حول مفهومها وشموليتها، فان ما يعرف ب"آيات الأحكام" العملية والصريحة في القرآن الكريم -المصدر الأول للشريعة الاسلامية- ذات الصبغة القانونية لا تتجاوز 500 آية حسب رأي العديد من علماء اصول الفقه، مشكّلة أقل من 10% من اجمالي عدد آيات القرآن والبالغة أكثر من 6200 آية قرآنية. أما بقية الأيات القرآنية فتبحث في العقيدة والأخلاق وسنن عمل الكون، وخلق الانسان والكون، والقصص القرآني.
ومع ان العلاقة والفصل بين الحيز القانوني والفضاء الاخلاقي في الأحكام الاقتصادية الاسلامية امر عسير التحقيق ويحتاج الى بحث معمّق ومستقل بسبب تعاضد الجانب الأخلاقي للأحكام القانونية (مثال: نظام النفقات والزكاة)، فان "أيات الأحكام" التشريعية المدعومة بقوة القانون تتركز في الاحتكار والزكاة والنفقات والبيع والربا والقرض والرهن والمواريث والشركة والمضاربة والاجارة والرشوة.
يقابل ذلك، هنالك العديد من المعايير الاخلاقية المرتبطة بالشأن الاقتصادي، كالصدق في التعامل وأداء الأمانة والنصيحة والايفاء بالعقود، والحث على العمل وعلى اتقانه وعلى طلب العلم والمعرفة كعامل قوة، والترغيب بالوقف والصدقة الجارية والقرض الحسن وامهال المعسر، والتنفير من مداومة الاستدانة والتحذير من المماطلة في وفاء الدين مع القدرة، والنهي عن التسول للقادر، والحث على ايفاء الكيل والميزان بالقسط وعلى الانفاق الاجتماعي والصدقة والايثار والتعاون على البر، والدعوة للاحسان لليتيم وللجار ولذي القربى، وتحريم الغش والغبن والتدليس وبخس الناس أشياهم، والحث على حماية البيئة الطبيعية، والنهي عن الاضرار بالآخرين وعن الترف والاسراف والشح والتقتير وعن اكتناز المال وتعطيله. هذه المعايير الأخلاقية مجتمعة تشكل ثروة اقتصادية لا تقدر بثمن لتحقيق النمو التشاركي والمستدام كما سيتوضح لاحقاً.
مفهوم الأخلاقية ومشكلتها في النظم القائمة
على عكس ما قد يظن البعض، يقع مفهوم "الأخلاقية" في صميم المشكلة الاقتصادية الأساسية التي يواجهها أي نظام اقتصادي: كيف نوفق بين المصالح المتناقضة –جزئياً أو كلياً- للأفراد اثناء سعيهم الذاتي لتحقيق مصالحهم الاقتصادية الأنانية، سواء أكانوا منتجين أو وسطاء أو تجاراً أو مستوردين أو عاملين أو ممولين أو مستثمرين أو مستهلكين أو بيروقراطيين (عاملين في القطاع العام) أو متلقين للمعونة الاجتماعية وما شابه؟
ويقصد بالأخلاقية هنا: ميل القرار والسلوك الاقتصادي الفردي للالتزام طواعية ودون الزام مركزي بالمصلحة العامة والمسؤولية المجتمعية، مما يقلل من الأنانية والانتهازية الاقتصادية بين الأفراد والمؤسسات ويهيئ لمستوى عال من التنسيق والحرية معاً في التنظيم الاقتصادي الاسلامي. وفي واقع الحال، فان الانظمة الاقتصادية العلمانية المعاصرة تعاني مما يمكن تسميته ب"المشكلة الأخلاقية" فيما يخص التزام الفرد في هذا النظام بالمسؤولية المجتمعية. لقد لخص "فريد هيرش" في كتابه "القيود الاجتماعية للنمو الاقتصادي" (1976) هذه المشكلة بصورة متناهية الدقة كالتالي:
"لماذا أتبنى (أنا) المعايير الاخلاقية المفيدة للنظام ]الاقتصادي[ اذا لم يكن بالامكان جعل النظام صالحاً بالنسبة لي على أساس المعايير الأخلاقية؟ صحيح انه يقال ان النظام –عندئذ- يعمل بنجاح بالنسبة الى البشر ككل بالمقارنة مع البدائل، لكنني لست البشر ككل، فأنا لست سوى نفسي، واذا لم يكن بالامكان اقامة الدليل على أن هذا النظام يمنحني نصيباً عادلاً من العملة الوحيدة التي يتداولها – أي المنفعة المادية- فليس بامكان هذا النظام أن يطلب اليّ اسداء خدمات أخلاقية له".
حلول للمشكلة الأخلاقية؟
هذا وتتفاوت الانظمة الاقتصادية في آليات حل هذه "المشكلة التنظيمية" المتفاقمة. الانظمة الرأسمالية تاريخياً وجدت في السوق والتنافس الآلية المناسبة، والأنظمة الاشتراكية ضحّت بالحرية الفردية واعتقدت –خطأً- ان الحل هو في السيطرة المركزية على القرار الاقتصادي الفردي من خلال تحريم الملكية الفردية لوسائل الانتاج والتخطيط المركزي الالزامي للاقتصاد ككل.
التجارب التنموية العملية خلال العقود الستة الماضية اثبتت ان اي من هاتين الآليتين (السوق والدولة) غير كافية – لوحدها- لتحقيق الضبط الاقتصادي المطلوب لانجاز أهداف التنمية الاقتصادية، وان مزيجاً معيناً من السوق الحر والتدخل الحكومي -في اطار ما أصبح يعرف بالاقتصاد المختلط Mixed Economy- ربما يشكل الحل المناسب لهذه المشكلة التنظيمية الآخذة في التعمق مع ضخامة وتعقيد الاقتصاد وتنامي التوقعات برفاهية أعلى.
وبصورة أكثر تفصيلاً، فقد عمدت الاقتصاديات الغربية المعاصرة خلال مسيرتها الاقتصادية الى كبح الأسواق الحرة وتأمين انضباطها لصالح الأغلبية غير المنظمة (المستهلكين والعاملين الأفراد) من خلال:
وهكذا، تحاول الدول الغربية أن تتعلم من أخطاء الماضي ولكن يبدو ليس بما يكفي لتتمكن من تجنب الأزمة المالية العالمية المعاصرة!، والتي يعزوها كثير من المحللين الى ضعف التنظيم الحكومي للأسواق المالية والافراط في الرفع المالي (أو الاقتراض بفائدة) من قبل المؤسسات المالية. وفي الواقع، فان الحدوث المفاجئ للأزمة المالية والاقتصادية العالمية لعام 2008 مرتبط بقانون يعرف ب”قانون درور “Dror Law الذي ينص على انه "في حين تزداد القدرات البشرية لتشكيل البيئة والمجتمع والانسان بصورة متسارعة، فان قدرات صنع السياسة لاستغلال هذه القدرات في حل مشكلات البشرية تبقى على حالها" وذلك بسبب افتقاد الحكمة اللازمة للتوجيه الصحيح للاقتصاد والمجتمع البشري.
وفي المقابل، فان العالم العربي والاسلامي يعاني من التشرذم الى اقتصاديات صغيرة بحيث أن حجم الاقتصاديات العربية مجتمعة، مقاساً بالناتج المحلي الاجمالي لعام 2013، يماثل حجم الاقتصاد البريطاني لوحده، كما ان الهيئات والتشريعات الداعمة للمنافسة والتنظيم الحكومي والرقابة على الأسواق وحماية المستهلك اما غائبة أو حديثة النشأة وضعيفة مالياً وبشرياً في مواجهة الاحتكارات المحلية والعالمية.
وبلغة فنية دقيقة، فان اقتصاديات الدول النامية تعاني حسب النظريات الاقتصادية المتقدمة من نمطين من الاخفاق في تحقيق النمو التشاركي: "اخفاق الأسواق Market Failures" بسبب شيوع الاحتكارات والممارسات المخلة بالمنافسة وعدم استقرار الأسواق بل وغيابها أحياناً وغيرها من أنماط فشل الأسواق، و"اخفاق الحكوماتGovernment Failures " بسبب ضعف الاطار المؤسسي المسؤول عن التدخل الحكومي والرقابة على الأسواق وضمان كفاءتها وعدالتها بمختلف الأدوات المتاحة، ولهذا الاخفاق المزدوج في عمل الأسواق وفي مؤسسات ادارة وتوجيه الأسواق مساهمة جوهرية في تفسير ضعف أداء النمو التشاركي في العالم العربي والاسلامي بالمقارنة مع العالم الغربي، كما نوهنا في مقدمة هذا المقال.
محركات الأخلاقية والتعاون في الاقتصاد الاسلامي
هذه الخلفية حول مفهوم الأخلاقية وموقعها وأهميتها الاستراتيجية في الاقتصاد الاسلامي لتعويض ضعف الأسواق الحرة والمؤسسات الرسمية في الدول النامية على وجه الخصوص، ينقلنا الى تساؤل أساسي: لماذا ومتى يمكن ان نتوقع من الأفراد ان ينظموا سلوكهم وفقاً لحاجة عامة، وأن يكبحوا مواصلة سعيهم الحثيث وراء منفعة فردية ولو على حساب مصالح الآخرين أو "الخير المشترك"؟ وهل الأخلاقية في الاقتصاد الاسلامي مجرد تفكير قائم على الرغبات Wishful Thinking أو حلم يوتوبي يصعب تحقيقه؟
يمكن القول ان هنالك نوعين من العوامل المساعدة في قيام التعاون بين الأفراد في الاقتصاد الاسلامي:
لكن ما هي العواقب الناجمة عن غياب العوامل الداعمة للتعاون المذكورة أعلاه؟ بكلمات اخرى ما هي نتيجة "المباراة الاقتصادية" عندما يسعى كل لاعب فيها الى تعظيم منفعته الفردية دون أخذ المسؤولية الاجتماعية والمصلحة العامة بعين الاعتبار؟ ان محصلة هذه المباراة الانانية غير التعاونية هي ان يصبح جميع "اللاعبين" بوضع أسوأ مقارنة بالوضع التعاوني، وهذه النتيجة التنموية المثيرة وغير السّارة تجد دعماً من حقل علمي متقدم ومعروف في العلوم الانسانية يُعرف بنظرية المباريات Game Theory وتحديداً ضمن نموذج يُعرف ب"معضلة السجين Prisoner’s Dilemma".
ونموذج معضلة السجين - من بين نظريات اخرى كنظرية اخفاق الأسواق- يدل بصورة واضحة على عدم انسجام المصلحة والعقلانية الفردية مع المصلحة والعقلانية الجماعية في كثير من الحالات، وعلى صعوبة التعاون التلقائي في الاقتصاد العلماني، على عكس ما افترضته المدرسة الاقتصادية الليبرالية، التقليدية منها والمحدثة، ويقع هذا النموذج الهام في صلب "المشكلة الأخلاقية" المشار اليها سابقاً، خصوصاً في المجتمعات الكبيرة والمعقدة المعاصرة. وبالطبع، فان الاقتصاد الاسلامي يلجأ الى المعايير الأخلاقية الطوعية كمكمل وليس كبديل عن القوانين (التشريعات) والحوافز المادية (الضرائب والاعانات المالية)، مما يتيح لهذا الاقتصاد آليات أوسع لحل المشكلة التنظيمية الأساسية لأي نظام اقتصادي يسعى لتحقيق النمو التشاركي.
وأنوه هنا برأي الكاتب "فريد هيرش" في كتابه "القيود الاجتماعية للنمو الاقتصادي" حول دور الدين في تحقيق التنسيق المجتمعي والنمو التشاركي ومفاده ان "الالتزام الديني أدى وظيفة دنيوية، أصبحت مع تطور المجتمع الحديث ذات أهمية أكبر لا أصغر، وساعد هذا الالتزام على تسوية النزاع بين الحاجات الخاصة والحاجات الاجتماعية".
وأختم بالتذكير بأن من مزايا الاقتصاد الاسلامي استعانته بأسمى وأرقى الدوافع الانسانية (الاهتمام بالآخرين)، في حين تستغل الرأسمالية احد أقوى الدوافع الانسانية وأكثرها أنانية (الاهتمام بالمصلحة الذاتية)، والنظام الاقتصادي الأمثل هو ذلك الذي يجمع بين أقوى الدوافع البشرية وأسماها. وبالاستعانة بالمعايير الأخلاقية، تصبح الحياة الاقتصادية أكثر ازدهاراً ويستعيد "الرجل الاقتصادي" روحه وتوازنه.
ابحث
أضف تعليقاً