
يمثل مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، القاعدة الثانية التي يمكن من خلالها “الممارسة العملية” للتعددية السياسية في المجتمع، والتحليل اللفظي يبين لنا ماهية “المعروف” وماهية “المنكر” في إطارهما العام، فالمعروف: “اسم لكل فعل يعرف حسنه بالعقل أو الشرع”[1]، و “المنكر” كل ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه: أو يقبحه الشرع أو يحرمه أو يكرهه”[2] *فالمعروف اسم جامع لكل ما ينبغي فعله من الخير، والمنكر اسم جامع لكل ما ينبغي تركه من الإثم أو المعصية أو غير ذلك مما يؤدي إليهما.
والمتأمل في قضية “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، يجد أن القرآن قدم لها عدة معالجات سواء على المستوي التاريخي- باستعراض الأمم التي عملت بهذه الفريضة أو لم تعمل- أو على المستوي السنني- بإبراز أهم النتائج والآثار للأخذ بهذا المبدأ أو إهماله.
يقول تعالى: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(79)] (المائدة)
[لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] (المائدة: 63)
[فَلَوْلَا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ] (هود: 116)
[فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] (الأعراف: 165 )، [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(106) ]( آل عمران).
يوضح لنا هذا العرض السابق عدة ملاحظات مهمة منها:
1- أن مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” كان واجباً على الأمم السابقة أي أنه من أصول الشرع التي لم تنسخ في شريعة الإسلام.
2 – إن فرض هذا المبدأ إنما جاء بهدف مواجهة “الفساد” و “الانحراف الذي يضر الصالح العام أو “المجتمع.
3 – أن هذا الفرض جاء- أيضاً- من أجل إحداث تغيير اجتماعي تربوي في نفسية الإنسان وسلوكه.
4 – أن المنوط بهذا الفرض هو المجتمع كله، إلا أنه يعول- بصفة خاصة- على الفئة التي تعرف شرع الله أكثر وهم ” العلماء”، وذلك انطلاقاً من كونها أكثر معرفة لأهمية هذه الفريضة من غيرها.
5 – إن التقاعس عن القيام بتطبيق هذا المبدأ من شأنه أن “يشيع” الانحراف والفساد في جنبات المجتمع.
لهذه الأسباب وغيرها وجه الله تعالى نداؤه إلى الجماعة المسلمة بأن يكون منها ما يقوم بهذه الفريضة ليتجنب المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن تضييعها أو إهمالها: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] (آل عمران:104) , وقد اختلف اللغويون حول كلمة “منكم” في هذه الآية، ففريق قال أن ” من” هنا للتبيين لا للتبعيض وعليه فإن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة كما في قوله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ] (آل عمران: 110 )، بينما ذكر فريق آخر أن “من” للتبعيض، ومن ثم فهناك فريق هم “العلماء” الذين يختص بهم القيام بهذا الأمر وذاك النهي.[3]
وقد حذرهم- جل شأنه- من مثل فعل أهل الكتاب، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص فقال: (ولا تكونوا) أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات (كالذين تفرقوا واختلفوا) من أهل الكتاب (من بعد ما جاءهم) في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة.. وأنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغاليين، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الألفة والمحبة بين أهل الحق والدين، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف.[4]
إن الهدف الأساسي لمبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” هو هدف “تغييري” أو إحداث “تغيير اجتماعي” عن طريق إزالة “الفساد” أو المنكر الموجود وإيجاد “الصلاح” أو المعروف غير الموجود وهذا كله من أجل “صيانة المجتمع من عوامل الفساد لإقامة مجتمع صالح”.[5]
وقد جاءت الرؤية النبوية تؤكد هدفية هذا المبدأ- كما أشرنا إليه سابقاً- واتجاهه نحو إنقاذ المجتمع من المفاسد على إطلاقها نظراً للأخطار التي تنتظر الجماعة جراء تعطيل هذه الفريضة ومنها حدوث الاضطرابات الاجتماعية، والشعور بالغبن، وقدوة المنكر، قال صلى الله عليه وسلم: “مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً”.[6]
وقد دل هذا الحديث على أن “الحق العام” المتعلق بمصالح المجتمع مما يجب أن يحفظ، وأن هذا الواجب يقع على عاتق كل إنسان حتى لا تتطاول يد العابثين إليه بما يخربه؛ لأن أفراد المجتمع ركاب سفينة واحدة، وأصحاب هدف مشترك ووحدة مصير، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يصور هذا المعني، وذلك حتى يتواصل الفرد مع الجماعة بالخير، ويتواصل معها في سبيل الله و الصالح العام بما يحقق مصلحة الناس جميعا.[7]
ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من عاقبة ترك هذه الفريضة سواء على المكلفين بها وهم مجموع الأمة، أو مرتكبي “المنكر” و “الفساد”، فعن حذيفة-رضي الله عنه- قال صلى الله عليه وسلم “والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”.[8]
والسنن التاريخية تبين لنا- بما لا يدع مجالاً للشك- أن “الاستبداد” هو أخطر أنواع العقاب التي تنزل بالأمم التي تترك فريضة “الأمر والنهي” وما يترتب على ذلك من أفول للحركة العلمية والثقافية، والتأخر، و التخلف التقني، وضعف الدخل القومي، وانتشار الرشوة والفساد.. إلخ من صفات “الدولة المستبدة” والشعب “الخاضع” لإله الدولة المزيف.
كما أثبتت السنن التاريخية، أن من يمارس هذه الفريضة حتى ولو لم يكن مسلماً يتمتع بثمارها ونتائجها من تقدم علمي وفكري وزيادة في الإنتاج والتقنية العلمية، وذلك لأن “حركة” إزالة المنكر ووضع المعروف بدلاً منه إنما يرتقي بجميع جوانب المجتمع النفسية والفكرية والعلمية، حيث يتم استبدال: “الاستبداد بالحرية”، و “الفساد بالصلاح”، و “الظلم بالعدل”.. وهكذا فيزيد ذلك من الطاقات العاملة المخلصة لخدمة الوطن والمجتمع في ضوء ممارسة فعلية وسليمة لهذا المبدأ الذي يقف في وجه أي ظلم أو استبداد أو طغيان.
ومن المعروف تاريخياً أن فريضة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” قد نظمت فقهياً في مؤسسة أطلق عليها “الحسبة”*، ويعد الماوردي (ت 450هـ) أول من كتب فيها وجعلها ضمن الولايات الدينية وميزها عن ولاية المظالم في كتابة “الأحكام السلطانية”، وقد قال عنها أنها- أي الحسبة- “من قواعد الأمور الدينية، وكان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها..”[9]، كما ذكر الغزالي- في الإحياء- بابين من المنكرات أطلق على الأولى: المنكرات المألوفة في العادات، والثاني في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلا أنه أكد في بداية حديثه أن الجائز مع السلاطين في ذلك هو: “التعريف والوعظ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان، فإن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر…”[10]، إلا أن الغزالي لا يقف عند ذلك أي إقرار أوضاع الأمراء والسلاطين “الفاسدة”، والاكتفاء بالموعظة بل يورد أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم تحض على مواجهة “السلاطين الجائرة”، قال – صلى الله عليه وسلم- “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلي إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك”[11]، ثم يورد- أيضاً- مجموعة من المواقف التاريخية للعلماء في مواجهة “جور” بعض الحكام.*
هذه المقالة تتبع سلسلة " التعددية السياسية"
إسلام أون لاين - د. حسان عبد الله
ابحث
أضف تعليقاً