
الرؤية الإسلامية تقوم على أن الأصل في الإنسان والكون هو الصلاح والحق والفطرة والطهارة، بعكس بعض المعتقدات الأخرى التي ترى أن الأصل هو الفساد أو النقص أو المعصية، فالقرآن الكريم يخبرنا أن الله عز وجل، خلق الكون بإحكام ودقة وتوازن "الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور" (الملك 3)، وأن سلوك البشر السيئ يحدث خللاً واضطراباً في البيئة كما قال تعالى "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس" (الروم 41)، ولذلك قال الإمام ابن القيم:" ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه يعرف أن جميع الفساد في جوه ونباته وحيوانه، وأحوال أهله حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه، ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام، والأمراض، والأسقام، والطواعين والقحوط، والجدوب، وسلب بركات الأرض، وثمارها، ونباتها، وسلب منافعها، أو نقصانها أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا،... وكلما أحدث الناس ظلما وفجورا، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وأهويتهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم. ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكثر مما هي اليوم، كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها هذا كان ينبت أيام العدل".
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" متفق عليه، فالبشر جميعاً يولدون على الفطرة والطهارة والإيمان، وأن الكفر والعصيان والفساد هو أمر حادث بسبب التدخل البشري !!
ومن أجل إعادة الإنسان والبيئة لوضع الصلاح بعث الله عز وجل الرسل والأنبياء وأنزل الكتب السماوية، كما قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" (هود88)، "أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة" (تفسير القرطبي).
وقضية الإصلاح ما لم ترتبط بمنهج الله عز وجل فإنها في الحقيقة هي عين الإفساد قال تعالى:"وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" (البقرة 12،11).
والإصلاح على منهج الرسل والأنبياء يقول إن الصلاح هو الأصل والأساس وإن الفساد طارئ وحادث، فلذلك فإن قبول الحق والخير الموجود في الواقع والانطلاق منه هو الخيار الأصوب، والطريقة المثلى للإصلاح، وفي قوله صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" إشارة لذلك.
يضرب بعض المفكرين مثالاً لطريقة الإصلاح بقوله: لديك منزل يحتاج إلى تبديل زجاج بعض نوافذه وصيانة تمديداته الصحية والكهربائية، وإعادة طلائه وتصليحات أخرى في الحديقة والمدخل، فهل من الحكمة القيام بهدمه لعمل هذه التصليحات ؟؟
إن الإصلاح غاية نبيلة تحتاج إلى نوايا صادقة وأدوات سليمة، وخطة مستقيمة، ليتجسد في واقع الناس، ولا يصح أن يتخذ الإصلاح شماعة لتسوية الحسابات بين الفرقاء المتخاصمين على حساب الإصلاح وبقية الناس. نحتاج في هذه المرحلة من الجميع أن يلتزموا بتقوى الله عز وجل أولاً، والحرص على مصلحة الوطن والمواطن، من خلال العمل الجاد والمثمر والبعد عن المكاسب الخاصة والجزئية والسعي لترسيخ قيم الحق والعدالة والكرامة، والتنازل عن التصلب في الرأي لإثبات الذات أو استغلالاً للمناخ العام، كما نحتاج لنبذ سياسة تقطيع الوقت وشرائه للتخلص من مسيرة الإصلاح.
وختاماً إن الإصلاح المطلوب اليوم لنكون مجتمعاً قوياً ودولة مزدهرة لا يقتصر على الإصلاح السياسي والاقتصادي كما هو سجال النخب في الصالونات، بل نحتاج إلى إصلاح حقيقي في بيوتنا ومساجدنا ومدارسنا وشركاتنا، إصلاح يقوم به كل شخص منا بإعطاء كل ذي حق حقه، لأن الإصلاح الأخلاقي والديني هو الكفيل بإنجاح الإصلاح السياسي والاقتصادي، وجزء كبير من الفساد السياسي والاقتصادي هو أصلاً نتيجة لفساد ديني وأخلاقي عند مرتكبيه.
الغد:18/3/2011
أسامة شحادة
ابحث
أضف تعليقاً