الملخص
تتناول هذه الورقة الأبعاد التاريخية والحضارية والبيئية والجغرافية والنفسية المتوافقة وبعثة الأنبياء في الأرض المقدسة -شرقي نهر الأردن وغربه -منذ نوح وحتى محمد عليهم جميعا السلام؛ كما تتناول الآثار التي تركت لدى الأمم السابقة المعاصرة للأنبياء عليهم السلام والمحيطة بنا في الأرض المقدسة، وتأثير القيم التي حملها الأنبياء على التطور العقائدي والقيمي لدى الأمم والتي نلمس آثارها اليوم في حياتنا المعاصرة.
مقدمة
بين الله سبحانه وتعالى في عدد من الآيات الكريمة، اختصاص الأرض المقدسة بكونها مباركة للعالمين، كما في سورة الأعراف -137 "وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها للعالمين"، وبداية سورة الإسراء "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"؛ وفي سورة النور -35 نوه للشجرة المباركة مستوطن الأرض المقدسة "يوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غريبة"، والبركة هي الخصب والنماء، والأرض المقدسة تشمل الأردن وفلسطين؛ ومشارق الأرض ومغاربها شرقي الأردن وغربه (مجير الدين الحنبلي_ الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل).
وتفسير كون هذه الأرض مباركة للعالمين، يمكن أن يتضح عن طريق تحليل موقع الأرض المقدسة، والطرق البرية والبحرية، وتضاريسها الطبيعية، وطبيعة الطقس، وما يتبع هذا من تنوع بيولوجي، سواء كان هذا التنوع، في النبات أو الحيوان أو في السلالات بشرية، التي استوطنت الأرض المقدسة منذ أقدم الأزمنة؛ فهذه الأرض لا تعترف بالفصل العنصري، فهي ونباتاتها وحيواناتها تمثل مخلوقات الله في العالم أجمع وهي مباركة للعالمين.
تقع الأرض المقدسة عند نقطة التقاء ثلاث قارات، هي أوروبا وأفريقيا وآسيا، كما أنها نقطة التقاء الطرق البرية القادمة من أقصى الشرق والتي تتجه لأقصى الغرب، وهي أيضا ملتقى الطرق البحرية للعالم القديم، والتي كانت تتجه من الهند والصين لتعبر البحر الأحمر، ثم تصب حمولتها في الموانئ هناك لينقلها التجار العرب، ومن ثم إلى الموانئ الواقعة على البحر المتوسط، وليحملها تجار أوروبا غربا؛ ومن هنا كان إصرار الغربيين على احتلال الأرض المقدسة تحت ستار الدين. وعند اليأس من هذه السيطرة فضلوا الالتفاف حول الكرة الأرضية لئلا يستفيد تجار البلاد المقدسة من التجارة العالمية. وقد ذكر مجير الدين الحنبلي في الأنس الجليل أن الأمر وصل بالإفرنج إلى محاولة الاستيلاء على جسد الرسول الطاهر ونقله إلى بلادهم ووضع جعل لمن يريد زيارته.
وتتنوع التضاريس، كما ويتنوع المناخ في الأرض المقدسة، فإذا اتحهنا ستين كيلو مترا عرضا، من الغرب إلى الشرق، فإننا سوف نمر على مناخ شواطيء المتوسط الساحلية، ومن ثم المدارية في الأغوار، وعندما نرتفع عدة كيلومترات الى الشرق، يظهر المناخ المماثل لجبال أوروبا والقفقاس، ومن ثم المناخ المميز لسهول آسيا الوسطى، ليسود بعدها المناخ الصحراوي. ولا يوجد منطقة في العالم يتنوع المناخ والتضاريس فيها في بضعة عشرات من الكيلومترات كما في الأرض المقدسة؛ ويتبع هذا التنوع المناخي، التنوع البيولوجي، حيث تواجدت تاريخيا في تلك المناطق، سائر أنواع النباتات والحيوانات التي تستوطن المناطق المدارية والصحراوية وجبال القفقاس وسهول آسيا الصغرى، كما استوطنت سائر السلالات البشرية الأرض المقدسة، حيث وجدت كل من هذه السلالات المختلفة في بيئة الأرض المقدسة مناخا مشابها لبيئتها الأصلية.
وهذه الأرض مقدسة بمعنى مطهرة، ويشمل هذا الطهر الطهارة الحسية والمعنوية؛ فالطهارة الحسية كونها تضاريسها مفتوحة غربا على البحر وشرقا والصحراء، مما جعلها سريعة التخلص من ملوثاتها البيولوجية، ولهذا كان جو بيت المقدس وسائر المدن الجبلية التي استوطنها الأنبياء منذ القدم كالخليل ونابلس والسلط والكرك تتميز بالهواء العليل الشافي، مما يمنع استيطان الأمراض المعدية، وإنما تمر بها الأمراض مرورا عابرا من خلال التجارة والحروب.
والطهارة الأخرى هي الطهارة المعنوية، فهذه المناطق لا تحتمل الإصرار على الذنوب، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن السيئات تتضاعف في بيت المقدس كما تتضاعف الحسنات. وقد بين نوح فيهل (Fehl, 1967) أن لمناخ الأرض المقدسة تأثير على شدة الشعور الديني لساكنيها، فهذه المنطقة بالذات هي الحد الفاصل بين المناخ الذي يسود المناطق الصحراوية في الجنوب، والمناخ الذي يتميز بمرور الجبهات الهوائية الرطبة والمحملة بالأمطار الآتية من غرب المتوسط، فالقاطن في البيئة الصحراوية تكيف على قلة الأمطار، والقاطن شمال البحر المتوسط قلما يخيب توقعه ليلهج بالدعاء، نظرا لقدوم الجبهات الهوائية المحملة بالأمطار في موسمها على الدوام، مما يورث الغفلة والنظر إلى نعم الله كعطاء مفروغ منه، أما الأرض المقدسة فساكنها يزرع أرضها، ويلهج بالدعاء انتظارا لرحمته تعالى حيث احتمالية الخصب مساوية للجدب.
وكون هذه الأرض ممرا للطرق التجارية، يجعلها مفتوحة على سائر الثقافات ويورث نظرة عالمية لسكانها، يجعلهم يبعدون عن العنصرية وضيق الأفق، بل ينظرون إلى العالمين بنظرة الرحمة والرغبة، الرحمة في كونهم عابري سبيل، والرغبة في كونهم وسيلة لتبادل المنافع عن طريق التجارة؛ كما أن قصر الأنهار التي تمر به،ا وانفصال مناطقها عن بعضها البعض بالجبال الوعرة، منعها أن تكون مركز قيام الامبراطوريات الشمولية والتي يسود بها قوم على آخرين؛ فكان من مميزات المنطقة، سيادة الحكم العشائري، والتي تتبع بها كل قبيلة كبرى زعيمها المحلي، ونتج عنه أيضا نجاح الامبراطوريات الخارجية الكبرى ببسط حمايتها على المنطق،ة بسبب التحاسد الدائم وعدم الاتحاد بين القبائل، ومن جهة أخرى، كانت الحماية وقتية وفي ذروة قوة الامبراطورية والتي سرعان ما تزول لتعود القبائل المتناحرة الى ممارسة سلطتها المحلية عند أول بوادر الضعف بسبب وعورة المنطقة واستنزاف الموارد الامبراطورية الخارجية عند محاولتها العمل على استمرار هذه السيطرة؛ إن بسط السيادة من قبل الامبراطوريات الشمولية يعني سرعة تصدير الرسالات والقيم التي ترعرعت في هذه المنطقة، كما أن سرعة الانفصال عنها يسمح بمساحة حرية لابداء الراي وعدم الخنوع والاستعباد والذي يطبع سلوك مواطني المناطق التي استمرأت الحكم الشمولي.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الهلاك كان مصير الأمم التي استوطنت هذه الأرض واستغلت موقعها لإيذاء الناس وعابري السبيل كما في قوم لوط ومدين وأصحاب الأيكة.
هذا وتحاول هذه الورقة، ربط التطور العقائدي في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، بدعوة الرسل الذين عملوا على رد الناس عبر التاريخ للأصل الذي خلقوا لأجله، ألا وهو خلافة الله في أرضه وإصلاحها وإقامة العدل فيها، ونأمل من الله التوفيق في هذا الصدد.
نوح عليه السلام: الثورة الزراعية
تدل الآثار على أن النمو السكاني الكبير في الأرض المقدسة، تماشى مع انتهاء العصر الجليدي الأخير ما بين 10000-4000 قبل الميلاد، وبداية انحسار الجليد إلى خط 50 شمالا، ومع دور مطير ثانوي، حيث ازداد عدد سكان غرب آسيا في تلك الفترة 1600%؛ ولم تستطع هذه المناطق تقديم طعام كاف عن طريق جمع الثمار، فلجأ السكان لزراعة القمح، والذي كان متواجدا بصورة برية في المنطقة التي كانت موطن الفصيلة البرية أيضا من الأغنام والكلاب والحمير؛ وظهرت آثار الثورة الزراعية في منطقة البيضاء قرب البتراء، وفي وادي نتوف قرب أريحا (8000- 6000 قبل الميلاد). وقد أطلق العلماء على هذه الحضارة الحضارة النتوفية، نسبة إلى إلى هذا الوادي (وهيبة، 1972)؛ و أتقنت هذه الحضارة صناعة اللبن في أفران ضخمة لها قباب وصلت درجة حرارتها 1200مْ، كما وتم استخدام الآلات الكثيرة من معازق ومحارث وزوارق باستخدام الأخشاب، كما تم التنقل عبر الطرق الطبيعية (ديوارنت- الجزء الأول، 1988). ثم حدث تغير مناخي آخر حوالي 4000 ق.م، حيث حدث طوفان كاسح، بسبب تزايد الدفء والرطوبة والذي أدى إلى ذوبان الكثير من الثلوج، التي تمد الأنهار التي قامت قربها معظم هذه الحضارات، والى ارتفاع الأنهار الشديد والفجائي مع تزايد الأمطار مما يفسر تددمير هذه المدنيات (Cotterell, 1980).
إن هذه الآثار التاريخية تطابق ماورد في القرآن الكريم في سورة نوح، من كون قوم نوح كانوا قد عرفوا الزراعة، وازداد عددهم بشكل كبير وعمروا طويلا، وتنقلوا بين المناطق الطبيعية، مما يدل على ظروف بيئية جيدة جدا "يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا. مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا، ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا، والله أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا، والله جعل لكم الأرض بساطا، لتسلكوا منها سبلا فجاجا." وفي آيات أخرى في سورة هود -40، ما يدل على استخدامهم الأفران، و أن بداية الطوفان كان فوران التنور؛ كما أن صنع السفينة يدل على استخدام الأخشاب والآلات اللازمة لهذا العمل من مطارق ومسامير ومناشير " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوج اثنين". كما وتدل القصص القرآنية عن وصول أصحاب هذه المدنيات إلى درجة كبيرة من العلو والتكبر، بحيث أن القوي المتحذلق كان يحتقر من يبدي رأيه الفطري؛ كما أنهم كانوا مغترين بقدراتهم الذهنية؛ ومن هنا كان احتقارهم لأتباع نوح عليه السلام كما في سورة هود -27- "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"
وظل الطوفان عالقا بأذهان الأجيال التالية ومعروفا لديهم، ونقل الشعراء والعلماء منذ الألف الثالثة قبل الميلاد في الكتابات المحفوظة لدى البابليين، قصصا عن طوفان مروع غمر الأرض وخربها عقابا لأهلها "إن مردوك مالبث أن غضب على الناس فأرسل عليهم طوفانا عارما ليهلكهم ويمحو به سيء أعمالهم، وظل الطوفان مهتاجا وغص البحر بالخلق كأنهم السمك، وكان شمش –نيشتين قد بنى فلك،ا ونجا من الطوفان وحط على جبل نزير، وأرسل يمامة تستطلع وقرر أن يقرب قربانا وقبل مردوك القربان" ( ديوارنت، الجزء الثاني -ص 218). إن هذه القصص التي تداولها الناس عن الطوفان أشار لها القرآن الكريم في سورة الحاقة "إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية".
وتبع انتهاء عصر الطوفان استعمار الأراضي العالية البعيدة عن مجرى الأنهار، وبنى سام بن نوح، الجد الأعلى للعرب البائدة والحاضرة، القدس والمسجد الأقصى لعبادة الله سبحانه وتعالى، وأطلق على القدس اسم دار السلام، وكانت الكعبة بيت الله العتيق، قد محيت آثارها إثر الطوفان، (محير الدين الحنبلي -الأنس الجليل).
هود عليه السلام: بداية التاريخ وفرض منطق القوة المنظمة
ماذا حدث بعد الألف الرابعة قبل الميلاد؟ تشير الدلائل الى هجر الأماكن التي قامت عليها الحضارات الأولى قرب الأنهار، خوفا من الفيضانات واستبدالها بأعالي الجبال، والتي يتسم غالبها بالطابع الصحراوي الآن، ولكنها صالحة للزراعة في الألف الرابعة قبل الميلاد. واهتم الناس في ذلك الوقت بعلم الفلك والتنجيم لهدايتهم لأوقات زراعة المحصول، واتخذت المسلات بشكل اعمدة هرمية تقابل جوانبها مباشرة الاتجاهات الأربع للأفق، للدلالة على التوقيت سائر فصول السنة، ونشأ المجتمع المنظم الذي كان بحاجة الى قيادة للتكيف في المناطق الجافة نسبيا، كما نما منطق القوة المنظمة ((Cotterell, 1980)).
واستوطنت عاد ارم الجبال الصخرية جنوب الشام والأردن، ومن هنا جاء لفظ رم (الصخر) على جبال جنوب الأردن، ودعي القوم الذين جاؤا من تلك المناطق الصخرية فيما بعد بالآراميين، ومنهم السريان. كما أطلق لفظ العرب الصخرية أو عرب الصفا –رم- على سكان جنوب الأردن في القديم. إن الدليل على كون موطن قوم عاد الجبال الصخرية شرقي الأردن، أن القرآن الكريم بين محاورة قوم هود لقوم صالح (شمال الحجاز)، وكان سيدنا صالح عليه السلام يذكر ثمودا بما حدث لقوم عاد، القريبين من مكان إقامتهم؛ وعلى هذا فإن منطقة الجبال الصخرية شرقي الأردن، تصبح أرجح مكان لموطن عاد ارم لقربها من موطن ثمود. وقد كانت منطقة شرقي الأردن من أولى مناطق العالم التي استخدمت فيها الأعمدة للبناء، حيث يقول جورجي زيدان أن فكرة الأعمدة انتقلت من هذه المناطق إلى اليونان والرومان، وليس العكس، بدليل تمثيل الأعمدة و رؤوس تيجانها يالنخل، وموطن النخل المناطق الجافة الصحراوية وليس اليونان وروما؛ كما وتمتاز منطقة شرقي الأردن بسهولة تشكيل الصخور لاستخدامه في البناء؛ وهذا لا يعني عدم قيام اليونان والرومان بإنشاء الأعمدة في جرش وتدمر وسائر مناطق الشام، إلا أنهم لم يكونوا السباقين في هذا المضمار، بل أنهم أضافوا لما هو موجود أصلا (زيدان، العرب قبل الإسلام). وقد ذكر سيمونز وفينليSimonis, &Finlay, 1993)) أن أعمدة جرش لا يضاهيها مكان في الشرق الأوسط بكثرتها وتمثيل ممراتها كما كانت عليه في القديم. ولقد قضي على عاد لاعتدادها بقوتها بريح صرصر عاتية، مع ظهور موجات الجفاف التي حولت كثير من المناطق الى صحراء، ويقع مقام هود عليه السلام بالقرب من آثار جرش.
ومن الذين ذكر أنهم من بقايا من نجا من قوم عاد في الأرض المقدسة (شراب-2006): بني هلال، ومنهم الآن التياها في بئر السبع ومنهم:
البدينات: الخطاطبة والربايعة والمرابين والعوانسة والعايدي والقريناوية
الحكوك الهزيل الاسد البريقي ابو عبدون
النتوش: العطاونة، الشواربة، الطلالقة، النعامين، السلالمة، الحمادين، الزوايدة
اولاد عمري والبنيات والشتيات والصقيرات
الشلالين: غيوث، نواجعة، فنشان، قضاة، سعادنة.
صالح عليه السلام: بطش القوة والتعصب القبلي الجاهلي
تعتبر ثمود من العرب البائدة، وتمتد مساكنها من جنوب الأردن إلى شمال الحجاز، وذكر بطليموس أنها عاشت مابين اليمن إلى بصرى، وتلت ثمود قوم عاد في سكنى المناطق الجافة الآن، والتي ازدهرت بعد الطوفان، ولما تزال تلك المناطق دافئة ورطبة؛ ونحتت ثمود القصور داخل الجبال، ومن ضمنها مدائن صالح، وعرفوا في الألف الثالثة قبل الميلاد بالحوريين (سكان الكهوف)، ونجحوا بزراعة مساحة كبيرة من الأرض، وإنتاج فائض سمح بالتبادل التجاري لأول مرة في التاريخ (وهيبة، 1972). واحتفظت مناطق ثمود باسمها حتى القرنين الأخيرين قبل الميلاد؛ حيث جاء ذكرها في كتب اليونان باسم ثموديني Thamudeni. وبجانب الحجر مكان يسميه العرب فج الناقة فسماه بطليموس Badanata . وقد سكن الأنباط من ولد ينابت بن اسماعيل عليه السلام مناطقهم، والتي عرفت بمنطقة مديان، وعرفوا في الألف الأولى قبل الميلاد بالمديانيين، كما أن الأنباط لم يكونوا أول من عمر هذه المناطق، ومن ضمنها البتراء، ولكنهم قاموا بسكنى مساكن ثمود بعد هلاكهم، لوجود كتابة نبطية على أطلال الحجر ومدائن صالح (زيدان- العرب قبل الإسلام)، فالداخل الى السيق، قبل الوصول إلى الخزنة، يرى آثار لمجسم ناقة رابضة محفور في الصخر. وقد أضاف الأنباط منحوتات على المناطق التي سكنوها، تمثل ثقافتهم وثقافة غيرهم؛ فالمتفحص للأشكال المنحوتة في البتراء يكتشف أن تلك الآثار لا تمثل ثقافة واحدة بعينها، بل هي تجميع لثقافات محيطة تعرف عليها الأنباط عن طريق مرور التجارة والقوافل في تلك المنطقة، مثل الثقافة المصرية والأشورية واليونانية والرومانية.
إن امتحان قوم ثمود بترك الناقة في حال سبيلها، كان امتحانا لغرورهم، فقد ظنوا أن مبعث قوتهم هو تعصبهم الجاهلي المبني على الصلف الخالي من القيم، وظهر أن ناقة الله كانت تقدم الكثير بدون ما حاجة لهم، ولم تحتمل نفوس قوم ثمود ذلك فأهلكوها وهلكوا. وربما أن ترك حيوانات معينة سائبة في بعض الثقافات الآن يرجع لهذه الأصول القيمية الأولى الراسخة في القدم.
ومن القبائل العربية الحالية التي ترجع بأصولها الى أتباع صالح عليه السلام من ثمود: ثقيف والحويطات (شراب-2006) والتي تقع منازلها ما بين تيما جنوبا الى الكرك شمالا، ومن وادي السرحان والنفوذ الكبير شرقا الى سينا غربا، وتقسم الى ثلاثة اقسام:التهمة والعلويون و ابن جازي. ومن بطونهم: العمران، العميرات، المساعيد، الذبابين، الزماهرة، الطقيقات، السليمانيين، الجرافين، العبيات، المواسة، المشاهير، الفرعان، الجواهرة، القبيضات، الفحامين، المطالقة، العودات، الدراوشة، العطون، النواصرة، المراعية، النعيمات، السميحين، المصبحين، الفريجات، الركيبات، ولد سليمان، الدمانية، الفتة ،الهديار، الزوايد،ة الزلابية، البدول.
إبراهيم عليه السلام: الإسلام بوجه الاستبداد الشمولي–تطور التفكير النقدي والكتابة ومرجعية الشريعة السماوية
بعد مضي قرابة الألفي عام على الطوفان، أصبحت عبادة الكواكب والنجوم متفشية، باعتبارها تقرر بطالعها مصير البشر، كما وتجسد روحانية أشخاص عاشوا في السابق وقدموا من الأعمال المجيدة ما يكفي لتحويلهم الى آلهة؛ وقد اختلط ما تبقى من آثار الرسالات السماوية مع عبادة النجوم والكواكب، كما وتفشت عبادة الملوك على أنهم سليلو هؤلاء الأبطال الذين تحولوا الى آلهة، واعتبر الملك وكيلا للإله والخروج عليه كفرا. وكان الطعام والشراب أكثر ما يقرب من القرابين، وذلك لأن ما يتبقى منهما لا يتلف حتى إذا لم يطعمه الآلهة بل يبقى للكهنة(ديوارنت- الجزء الثاني، 1988 ص. 222- 250) .
في هذه البيئة نشأ سيدنا إبراهيم عليه السلام في دولة لارسا العمورية 1763-1822 قبل الميلاد (زيدان-العرب قبل الإسلام )؛ إن المنطقة التي ترعرع فيها ابراهيم عليه السلام هي نفس المنطقة التي ترعرعت فيها حضارة الأشوريين فيما بعد، منطقة الموصل وأرض الجزيرة والفرات، حيث دعيت سورية باسمهم. و أشار القرآن الكريم لأبي إبراهيم عليه السلام بآزر، وهو قريب من لفظ أشور، وظهر الأشوريون كفاتحين بعد وفاة ابراهيم عليه السلام بألف عام تقريبا، وهي مدة كافية لتحويل عائلة لقومية.
وقام سيدنا ابراهيم عليه السلام بفصل عبادة الله سبحانه وتعالى عن عبادة الأشخاص والكواكب. ولم تقنع الحجة التي استخدمها إبراهيم عليه السلام المتكبرين وأتباعهم من الضعفاء لاتباع الحق، ولجئوا إلى منطق القوة في دولة استبدادية في حضارة الرافدين. و قد هاجر ابراهيم عليه السلام إلى ربه إلى الأرض المقدسة والتي لم تكن تتبع الحكم الشمولي الاستبدادي، بل يتم تنظيم حياتهم خسب التقليد العشائري البدوي الحر.
وكانت الفترة التي عاش بها ابراهيم عليه السلام، تمثل المرحلة التي طورت فيها الأبجدية عن الهيروغليفية، ومن المرجح لدى سير شارلز مارتن أن يكون ابراهيم عليه السلام هو من طورها (ديوارنت، الجزء الثاني، 1988)؛ كما أن قوانين العموريين المكتوبة طورت بناء على صخف ابراهيم عليه السلام، كما في شريعة حمورابي - العين بالعين والسن بالسن، وهو ما يوضح تأثير شريعة ابراهيم عليه السلام في من عاصروه. إن تطوير الكتابة كان منة من الله سبحانه وتعالى ولتصبح كلمات الله غير قابلة للتحوير مع الزمن. وكانت أول آية أنزلت للرسول الكريم في سورة العلق "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم". وقد طورت الأحرف الهجائية عن الهيروغليفية بالشكل التالي: استخدمت الصورة الدالة على البيت للدلالة على الباء أيا كانت حركتها وفي أية كلمة كانت، والصورة الدالة على اليد لتعني الصوت د لأن معنى اليد باللغة المصرية دت، وهكذا في سائر الأحرف الهجائية، وكانت نتيجة هذا التطوير أن وجدت حروف هجائية عدتها أربعة وعشرون حرفا؛ وكان أول ظهور لها، بهذه الصورة، في جنوب الأرض المقدسة وسيناء 1600 قيل الميلاد، المكان الذي هاجر اليه ابراهيم عليه السلام، كما وأنزلت صحف التوراة في سيناء بالأحرف الأبجدية حوالي 1210ق.م (ديوارنت، الجزء الثاني). وتم استخدام الأحرف الهجائية المطورة في جنوب الأرض المقدسة من قبل العمالقة العرب- الكنعانيون والفينيقيون في ساحل بلاد الشام، وهم الذين قاموا بنقلها إلى سائر أنحاء العالم ((Cotterell, 1980)).
وعاش ابراهيم عليه السلام في الأرض المقدسة حياة بدوية قائمة على الكرم والشهامة، ونظربثاقب بصيرته وبهداية الله سبحانه وتعالى إلى أن هذه الأرض المقدسة قد تصبح هي الأخرى ممرا لهؤلاء الغازين الطامعين في الامبراطوريات الشمولية في الشمال والشرق والغرب، ولم يكن هناك من منفذ الا في الجنوب، حيث بيت الله الأول، والذي هجر بسبب اشتداد الجفاف والهجرة المستمرة الى الشمال والشرق والغرب، فكان أن ترك اسماعيل عليه السلام في رعاية الله في بيت الله العتيق والذي كان امتدادا جغرافيا معزولا عن الأرض المقدسة.
اسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط عليهم السلام: : نسب الأم والتربية الصالحة ووراثة النبوة –النموذج القيمي العالمي
من هم سكان الأرض المقدسة الذين قدم اليهم ابراهيم عليه السلام؟ تذكر المصادر العربية ابن آخر لسام بن نوح يالإضافة الى إرم وعابر أو عامر وهو لاد- لاق، و دعي أولاده بعملاق أي شعب لاق -تعني كلمة شعب في العربية القديمة عم. ولاشتهارهم بعظم أجسامهم، أصبح يطلق على كل من هو عظيم الجسم عملاق. وقد عاش هؤلاء في المنطقة الساحلية الغربية الممتدة من شمال سوريا- الفينيقيين، الى فلسطين وشرقي الأردن- الكنعانيين، الى الحجاز- جرهم، كما امتدوا غربا الى مصر، حيث حكموها باسم الهكسوس ودعوهم العرب بالعمالقة، وذكروا أنهم كانوا يحكمون مصر أيام يوسف عليه السلام. وأطلقت المصادر العربية عليهم جميعا بني عملاق –الجبارين؛ وذكرت هذه المصادر أنهم جميعا من العرب العاربة؛ وكانوا يعبدون بعلا، وتأثرت بهم قريش إذ أحضر عمرو بن لحي أصنامهم من الشام. و ذكر اين كثير أن العماليق هم الذين بقوا من العرب العاربة بعد عاد وثمود؛ وأن الله سلط عليهم ملوك الأرض فأفنتهم، وألحق بالروم وأنسابها بعض من بقي من بني عملاق؛ وتمثل زنوبيا آخر ملوكهم، حيث دعوا بالعبابيد؛ وكان عدي بن زيد العبادي والذي أوقع بين كسرى والنعمان بن المنذر منهم، وقد قال بهم الشاعر: مضى آل عملاق فلم يبق منهم خطير ولا ذو نخوة متشاوس، عتوا فأدال الله ملكهم وحكمه على الناس هذا وعده، وهو سائس (ابن كثير، 1991، المسعودي، 1989)، ومصادر النسب ترجع قبيلة العبادي في البلقاء الآن إليهم (شراب، 2006). لقد أورث العمالقة من العرب العاربة الثقافة واللغة والأسماء والكتابة الى الإسماعيليين، حيث تزوج إسماعيل عليه السلام من جرهم من عمالقة الحجاز، كما كانت هاجر عليها السلام من عمالقة الهكسوس بمصر ( السويدي، سبائك الذهب ).
وقد اتصف ابراهيم عليه السلام بالأخلاق الحميدة والكرم، وورث الموحدون من أمته هذه الصفات. وقد مدح تعالى سيدنا إسماعيل عليه السلام في سورة مريم "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا". فلم يذكر عن نبي اهتمامه بأهله كما ذكر عن سيدنا إسماعيل عليه السلام، ويبدو أن كان نتيجة هذا أن ظلت آثار التوحيد في أمة العرب مدة طويلة قبل أن يدخلها الشرك وتتخذ الأصنام حول الكعبة. إن وراثة علم النبوة لا تكون إلا عن طريق تنشئة الأجيال، وقد ظهر من ذرية اسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط عليهم السلام سلسلة من الأنبياء، كما في سورة البقرة "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون". وقد كانت وراثة علم التوحيد هي الغاية التي طلب سيدنا زكريا عليه السلام الولد لأجلها، كما في سورة آل عمران "يرثني وبرث من آل يعقوب". وساد العرب من ذرية اسماعيل بن ابراهيم عليه السلام، عن طريق ابنه نبايت، المناطق الشرقية من الأرض المقدسة؛ فساد المديانيون والأنباط، ثم تنوخ والضجاعمة وقضاعة وجذام وجرم ولخم وعامل والغساسنة. وقد نفى جورجي زيدان كون تنوخ وقضاعة ولخم وعامل جذام قدمت من اليمن بعد انهيار السد، واعتبر أن هذه القبائل من الإسماعيليين المتوطنين أصلا جنوب الأرض المقدسة، وأن العكس هو الصحيح، أي أن عرب اليمن جاؤا من جنوب الشام ويرجعون بأصولهم الأولى إلى عرب الشمال.
لوط وشعيب عليهما السلام: النقل الآمن للتجارة
ازدهرت التجارة الخارجية بين بابل وأشور وفلسطين ومصر في الألفية الثانية قبل الميلاد، و كان أول ذكر للحصان حوالي 2100 قبل الميلاد؛ وكان سكان الشرق الأوسط، قبل هذا، يستخدمون عربات تجري على عجل وتجرها الحمير. وقد انتشرت التجارة وامتدت عندما تم استخدام الحصان والجمل كوسائل انتقال. وكان انتشارها سببا في ارتباط أمم البحر المتوسط القديمة ارتباطا جنت من ورائه الخير والشر على السواء. وكانت التجارة تصادف كثيرا من الأخطار وتفرض عليها شتى الأتاوات. ولم يكن التجار يعرفون أي الأمرين يخشون، قطاع الطرق أم إتاوات الدول عبر الطريق. ولم تكن هذه الشعوب قد قامت بعد بصك النقود، ولكنها كانت تستخدم المقايضة بالإضافة للشعير والقمح وسبائك الذهب والفضة كمعيارا لتقدير قيم الأشياء ( ديوارنت الجزء الثاني، 1988).
لقد أدى ازدهار التجارة الخارجية إلى ظهور وازدهار المدن الواقعة على خط التجارة في المناطق الشرقية من الأرض المقدسة، والتي ظلت ممرا للتجارة البرية منذ فجر التاريخ، وكان لابد للقادم من العراق والجزيرة العربية الشام وذاهبا إلى فلسطين ومصر أن يمر بمنطقة الأيكة- جنوب منطقة السلط المغطاة بالغابات، ومنطقة البحر الميت - حيث ازدهرت سدوم وعمورة، ومدين- حيث منطقة معان حاليا، ما بين سيناء والحجاز وجنوب الأردن. وقد استغل هؤلاء الأقوام موقع مدنهم التجاري للإساءة للأقوام الأخرى تبعا لحاجاتهم، فاستغله قوم لوط (سدوم وعمورة) للاعتداء على المسافرين، بينما استغله قوم مدين وأصحاب الأيكة للإثراء على حساب الآخرين ببخس المارين من التجار أشياءهم.
وظل البحر الميت ممرا للمسافرين من آسيا إلى إفريقية حتى نكبة فلسطين. وظل يذكر الناس بما حل لقوم لوط، كما في سورة الحجر "وإنها لبسبيل مقيم". إن منطقة وادي الأردن تقع في حفرة الانهدام، ونهر الأردن يجري في مكانه منذ آلاف السنين، ولو لم تكن منطقة البحر الميت أخفض من غيرها مكان الخسف، لظل النهر يجري إلى أن يصل البحر الأحمر. وتظهر صحيفة المشرق العربي الصادرة من الأردن منطقة البحر الميت وقد حدثت بها شقوق عظيمة تتسع لبندقية مع دخان كثيف يتصاعد أثناء الزلزال الذي حدث عام 1927م. كما أن الزلزال الذي حدث في تركيا عام 1999م جعل مناطق بأكملها تنخسف بها الأرض ويبتلعها البحر. وقياسا على هذا، فلنا أن نتصور عظم الخسف الذي حدث وابتلع قرى قوم لوط بأكملها وليهبط مستوى الأرض إلى الأبد، ولتتجمع مياه نهر الأردن في ذلك الشق العظيم الذي حدث أيام سيدنا لوط عليه السلام.
وحلت مدين ، محل سدوم وعمورة، كمركز للتجارة بعد تدميرهما؛ وترجع مدين بالنسب إلى اسماعيل عليه السلام، ودعيت ذريته المنتشرة جنوب الأرض المقدسة وحتى سواد العراق في الفترة مابين حروب الإسكندر المقدوني وحتى الفتوحات الإسلامية بالنبيط نسبة إلى نبايت ابن اسماعيل عليه السلام. وقد أرسل الله الى مدين شعيبا عليه السلام لينهاهم عن بخس الناس أشياءهم، وتذكيرهم بعقاب قوم لوط الذين هم ليسوا بعيدا عن ديارهم، ولكنهم لم يتورعوا عن أعمالهم، فكان جزاءهم العذاب الأليم. ويبدو أن شعيبا عليه السلام قد أرسل لأمتين هما أصحاب مدين والأيكة. ويذكر الكتاب المقدس أن حوريب- شعيب عليه السلام- رافق موسى عليه السلام من مدين وتوفي في الطريق المؤدية إلى تلال الغسلين –الشونة الجنوبية اليوم. وهذا مؤيد بكون موقع أصحاب الأيكة ومقام شعيب عليه السلام في تلك المنطقة.
وفي حديث أن جذام ولخم وعاملة والذين يقطنون جنوب الشام منذ الألف الأولى قبل الميلاد يرجعون أساسا إلى يعفر ابن مدين، فقد رحب الرسول صلى الله غليه وسلم بجذام على أنهم من قوم شعيب عليه السلام، وأفخاذهم في الأردن:
1- قبيلة جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وجذام اخو لخم وعاملة وعم كندة وبقال عنهم ايضا ولد يعفر بن مدين. ومنهم الصحابي زياع بن سلامة. وجذام هم من المديانيون القدماء وترجع دولة معين في اليمن في أصولها القديمة الى منطقة معان والتي كانت حاضرة مدين القديمة. وقد انقسمت جذام الى حرام وحشم؛ ومن حرام بنو افصى وبنو نفاثة ومن بني نفاثة فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي الذي استشهد في عفرا، وكان عامل الروم على معان. وملك من جذام بنو مراديس في بلنسية وبني هود في سرقسطة
ومنهم الآن: المهادوة والحميدات وبنوحمار في الرملة
أ- اللياثنة: بنو عطا: السلامين: الفضول والفلاحات
والفرجات: الكراشين وتلتخق به العواد والعودالله وحلف العباد والعقايلة
والشرور: الرواضي
والعلايا: الشماسين والنوافلة والسعيدات:الحمادين، والمذاكير
العبيديين : الحسنات والحلالات : النصارات والمشاعلة والطويسات، والسعافين في غزة.
ب-الترابين في بئر السبع: حسنات ابي معيليق: النجمات ومن النجمات الصباح والنعيمات.
جراوين ابو غليون:غلانية، عوايضة، جلالدة، شناترة، غنيمات
ج- العواودة- بني عايد لدى القلقشندي،:ابو شرخ في مجدل عسقلان.
بنو خمار في الرملة ونابلس
د- بني عقبة ابن مخرمة ابن حرام: الحفاة –سيف وحيف ومنهم البرقاوي –ال المقدم في طرابلس
عقبة في التياها: قريش، صبيحات ، طورة، قطاطوة
الشبول والربيع في الاردن-فرقة من مشالخة عباد- وعرب السواحرة في بيت لحم وعشيرة الثبيت في رام الله والصورة في دير الغصون و وابناء ارشيد والحاج محمد في نابلس والنمورة.
هـ - الغوارنة "الحسن بن سويد بن زيد بن جرام بن جذام بطن من هلب بن مالك"
ابو غوش والبطاينة وابو بكر وا لاحمد اولاد عم البطاينة.
العوايسة: الشحادات والشمالات والخنازة والمرادات.
المحلف: الخطبا والهويمل وهم فرع من الحميدات.
و- بنو صخر في البلقاء والكرك.اعتبرهم القلقشندي من جذام ثم وضعهم في طي:
المشاريق في منطقة نابلس ومنهم فرع القضاة. والعناتير والجيلات والشماعين والمراجين والسخان في الكرك. و العيطان: الصدر والسخن والقصص وابو شامة في نابلس. و ال جبري باشا والعبوة وعناب الحصني في دمشق، وهواش وعوكل والبيت وعائلة الطاهر في نابلس والطواهروالضواحك والكنعانية في الخليل.
الدعجة: اعتبرهم بيك باشا من الحمايدة الا انهم من الصخور لدى القلقشندي
الشقور الحمادين الغنيم، والغوين
السردية في جبل الدروز: العون والكليب وفواز بعجلون
بني عمرو وأصولهم من الكرك: الرواملة والشلالمة والفوائدة والغشاشمة واللصايمة والخصيلات- ومنهم هملان في البلقاء- والجرادات في نابلس- ومنهم الصغيرين في عجلون و العبابنة في سال من جدهم عون اما جد الجرادات محمد.
الدهامشة: الرمامنة والعلي :العطشة والرشايدة والرمحة والشروان. الجراجرة في الكرك
فروع بني صخر في منطقة البلقاء- الآن:
الطوقة: الخضير: القنوة
الغفول: المراهيف و الفضل والهقيش والقنوة والعثمان والهليل ومنه محمد
العامر: عثمان –نويران. و مسلم
زبن:النوفل و عبد القادر- فارس، شموط ومنهم السعيد، فاضل
الغبين وربما هم الغوين عند القلقشندي
الحامد: المعيدي، الفياض، المناحي، الكايد، الدغيم
الفايز: الدياب والسطام والبخيت والجنيبات والجعدان والنمر والمحمود والصقر الكنيعان والمطيرات: الدهمان الجهين الطعامسة البصيص الطفالة
الكعابنة: ومنهم في الطور في سينا: الخريشة- ابو محمد : القضاة والحامد والصالح والسليمان والكليب والقدور والعيطان منهم جرم طي -والثمد والحنيف .
الجبور: الدهام- الجمعان والنويمي، الشرعة –ومنهم في بني حسن، الفريج ومنهم الخنان والعويدات (جهينة من قضاعة في مواضع)
صخور الغور- الخرشان والغيالين: الظهيرات واللبون والمراونة.
2- كندة: المقداد بن الاسود الكندي: الصقور والمقدادي: علي وشاهين وشبيب وياسين، وسويدة
3- لخم يقال ان الذي انتشل يوسف من البئر مالك بن دغر اللخمي من جزيلة من لخم ومنهم بنو نمارة ملوك المناذرة، واهل الكهف، ومنهم موسى بن نصير وقد سبي نصير من الجليل وولد له موسى ببلدة كفر مثرى. وملك من لخم بنو عباد في الاندلس
ا- بنو الدار-تميم الداري في الخليل-تميم بن اوس بن خارجة بن سواد بن جذيمة بن ذراع بن عبري بن الدار صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهم:
التكروري والصاحب وكعكور والدودة وبعارة وسالم اليحي ابو رجب وبيوض وابو رميلة والقاضي والحلواني وعودة ومجاهد وبهية الاعرج، البيومي، الزرو، الداعور، الدرشاع، داري، القاعود، ابو خالد، غبد الباسط، حنون، الصرصور، الكيال، الخلابة، والسلطان نسبة إلى مصطفى سلطان التميمي في نابلس ويلحق بهم من صفهم الشتيوات وابو الروس وكلبونة والحامد والزاغة والعالول ومنهم العطعوط وشبانة و ال الخطيب؛ الدويكات: وتفرع ابو عودة وجردانة، ابو منصور
المعايطة :الرشايدة: الطالب وتتبعهم المدادحة ومنهم خليل وعيد-
الزقايلة: السليم ومن السليم عايد
والمجالي: سلهب اليوسف: محمد وسالم ومزعل واولاد وخليل واحمد والقواسمة والجبور
السحاقات: الجديد
السليمان: المصطفى والداود والجد ..
ب- بنو نبهان من قبيلة الحناجرة من بئر السبع وال النبهاني في اجزم من حيفا
جـ- المساعيد في الغور النابلسي
د- دار الديك في كفر الديك نابلس
هـ- القفة في سيلة الظهر
و- ارسلان في لبنان
ز- بني غنيم –الغنيمات وينقسمون الى عبد الله وعلي وحمد ومنهم السيوف والدحيات والمقبلين في الشوبك
4- عاملة
العملة: الحجاوي نسبة الى قريتهم حجة قرب نابلس
العواملة في السلط
مخطوط، الكيلاني-2009)
موسى عليه السلام:انهيار الإمبراطوريات السلطوية والديمقراطية العشائرية ذات المرجعية السماوية
بعد قرون من استقرار ذرية اسماعيل بن ابراهيم عليه السلام في الجزء الشرقي والجنوبي من الأرض المقدسة، أخذوا شيئا فشيئا يبتعدون عن رسالتهم بكونهم نموذجا للقيم التوحيدية، وتم استبدالهم بنموذج يحمل شريعة مكتوبة؛ وحمل موسى عليه السلام الرسالة إلى بني إسرائيل ليكونوا النموذج التوحيدي القيمي في الأرض المقدسة بعد خلاصهم من استعباد رمسيس الثاني1292-1225 ق.م. (ديوارنت- الجزء الثاني، 1988). وتعلم سيدنا موسى عليه السلام الكتابة، وسيلة نقل الشريعة، في قصر فرعون "ولتصنع على عيني". وحملت الرسالة إلى الأرض التي وجد بها موسى ملاذا آمنا من قبل، لدى حميه شعيب عليهما السلام في مدين أثناء فراره من الطاغية؛ ووجد موسى في شعيب صلة الوصل مع جدهما الأكبر ابراهيم عليهم جميعا السلام، وميراث النبوة الذي خوطب به مباشرة فيما بعد من جبل الطور. وكما هاجر ابراهيم عليه السلام من قبل الى الأرض المقدسة فرارا من الوهية النمرود، وجد موسى عليه السلام فيها ملاذا آمنا من استعباد فرعون. وكان المفروض أن يكون أسلوب الحياة لدى بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر، مماثلا لبني إسماعيل، باستعمار المناطق شبه الجافة في جنوبي وشرق الأرض المقدسة، واعتماد حياة الصيد والقنص والتجارة وما يصاحبها من استقلالية، إلا أن بني إسرائيل فضلوا عليها الحياة الزراعية من استنبات الفوم والعدس والبصل، مع ما يصاحبه من استعباد للأرض تحت نير المغيرين؛ وعندما طلب منهم حينئذ دخول الأرض الخصبة والتي يقطنها العمالقة الجبارون، طلبوا مقاتلة موسى وربه نيابة عنهم.
وتدل الكشوف الأثرية على أن عهد منفتاح- رمسيس الثالث، والمتزامن مع دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، تميز بفقدان ميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث زالت سيطرة المصريين عن الأرض المقدسة، وتحطمت الاميراطورية الحثية في الأناضول وسوريا، وكان هؤلاء هم الحلفاء والأعداء التقليديين للفراعنة، وشركائهم في المحافظة على هذا الميزان للقوى، كما تم تدمير قوم مدين وأصحاب الأيكة، مما أدى إلى خلق فراغ سياسي في الأرض المقدسة؛ وكانت لحظة مناسبة جدا لبني إسرائيل لدخولها لملأ هذا الفراغ، لكنهم نكصوا على أعقابهم خوفا من العمالقة الجبارين، وقد توفي سيدنا هارون عليه السلام بعد الخروج من التيه في منطقة البتراء في جبل يطل على البلدة ويدعى جبل هارون في منطقة وادي موسى..
وقد قضى الله سبحانه وتعالى بالتيه لمدة أربعين سنة على بني إسرائيل لحكمة، وهي استبدال الجيل الذي اعتاد العبودية، بجيل آخر ترعرع في الصحراء واعتاد الحرية وتحمل المسؤولية، فلما انقضت الأربعون سنة، ظهر هذا الجيل الذي قارع العماليق الجبارين؛ وتم دخول الأرض المقدسة بعد خروج بني إسرائيل من التيه، على يد يوشع بن نون خليفة رسول الله موسى عليهما السلام. إن الطلب من بني إسرائيل بالتوجه إلى الأرض المقدسة، لايعني أنها تخصهم بمفردهم، إنها مباركة للعالمين بمعنى التواجد مع الأمم الأخرى لنشر التوحيد الذي أدخل عليه التبليس، فمعلوم أنه من المهم استبدال نموذج مدين وأصحاب الأيكة، الذين استغلوا التجار وعابري الطريق بنموذج مبني على الأخلاق المستقيمة التوحيدية؛ وهذا يرد على تلبيس اليهود المعاصرين من اعتبار قتل النساء والأطفال قربة لله افتراء عليه؛ وقد فضح الله أكاذيبهم "ذلك بأنهم قالوا أن ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون". ويبين كلوب باشا Glubb, 1983)) أن عدد أفراد بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، لا يسمح باستعمار المنطقة بمفردهم، فتكاثر اثني عشر فردا (عدد الأسباط- يوسف واخوته عليهم السلام) خلال ثلاثمائة عام، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن فرعون قضى على كثير منهم، يعني تكوين قبيلة مؤلفة من حوالي بضعة آلاف على الأكثر. إن دخول بني إسرائيل زمن يوشع عليه السلام، يشبه دخول الصحابة أثناء الفتوحات الإسلامية، لقد قاتل الصحابة جيش الروم، ولكنهم لم يبيدوا الشعوب الأخرى بل عملوا على نشر الإسلام بينها.
إن الظروف الصعبة التي رافقت تلقي بني إسرائيل الرسالة، اعقبه قساوة في قلوبهم، فقد ظلوا غير واثقين بالتكريم الذي خصهم الله به، يحاكون الأمم الأخرى في عاداتهم وعباداتهم، كما ظل فهمهم للتوحيد قاصرا عن تفهم كشفه سبحانه وتعالى لسرائر النفوس، والتسليم لأوامره. وكان تنظيم مجتمع بني اسرائيل قائما على البناء العشائري، وقطعناهم أمما أسباطا؛ بينما توجه الإسلام لمخاطبة الناس كافة. وقد عرف عن بني اسرائيل على مر التاريخ، سكوتهم على الباطل، لعدم تفرق الصفوف، والتزامهم القومي القلوب الشتى.
طالوت عليه السلام: العصر الحديدي- محكات القيادة الوطنية المركزية؛ العلم والجسم
بعد فتح بني إسرائيل للأرض المقدسة، قاموا بحكم أنفسهم على الطريقة البدوية؛ فقد قطعت لكل عشيرة(سبط) منطقة، وكانوا يرجعون لقضاة عشائرهم،أسباطهم، لفض نزاعاتهم، وكان قضاتهم أنبياء، رائين، يقضون إلهاميا من الله سبحانه وتعالى. وقد وكلت مهمة إقامة شعائر الدين للاويين من ذرية هارون بن عمران عليه السلام، آل عمران. وكانت نسخ التوراة الأصلية التي أنزلت على موسى عليه السلام، محفوظة داخل تابوت، يحملونه معهم أثناء القتال (ولا يزال التقليد سائرا عند اليهود فعندما تتقادم نسخ الكتاب المقدس يدفنونها في تابوت في قاع الكنيس). ولكن هذه الطريقة في الحياة، أضعفت بني إسرائيل، وكانت البداية مهاجمة رجال البحر، قبائل بالستا، الأرض المقدسة، والذين أخذت فلسطين اسمها منهم. وكانوا وقد توجهوا للأرض المقدسة، بعد انهيار حضارات آسية الصغرى في الشمال، إثر الكوارث الطبيعية والحروب المدمرة ومنها سقوط Troy ، طروادة؛ وقد خلد ما حدث في آسية الصغرى في ذلك الوقت في الإلياذة. وتظهر الآثار أن رجال البحر حملوا معهم أحدث ما توصلت إليه الحضارة المسينية من فنون الحرب، فكانوا يضعون خوذا على رؤوسهم ويحملون دروعا، ويقاتلون بالسيف والرمح، ويلبسون تنانير معدنية تطابق في وصفها ما كان عليه مقاتلي مسينا؛ كما أن الفخار الذي تم استعماله في فلسطين، يطابق ما صنعه المسينيون. وقد سكنت هذه القبائل الساحل الفلسطيني من حيفا وحتى عسقلان وأسدود وغزة، إلا أنهم لم يستطيعوا التغلب على العماليق في صور وصيدا في الشمال، والذين لقبهم اليونان بالفبنيقيين نسبة للصبغة الأرجوانية التي كانوا يتاجرون بها ((Cotterell, 1980)).
تغلب الفلسطينيون، المتكاثفون تحت قيادة ملك واحد، والمتسلحون بكل نواتج الحضارة المسينية، من دروع وتروس وخوذ، على الإسرائيليين، الأمة النصف بدوية، ونجحوا بالاستيلاء على مدنهم واحدة بعد الأخرى، ودفعهم نحو الصحراء؛ كما استولوا على التابوت الذي يضم نسخ التوراة، وهنا لجأ بنو إسرائيل لنبيهم وقاضيهم في ذلك الوقت، لتعيين الملك، ليقاتلوا مجتمعين تحت إمرته. وتعرض القصة في سورة البقرة " فلما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين. فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء". حدث هذا على الأرجح، حوالي 1100 ق.م في العصر الحديدي؛ وتنبه القصة أن العبرة ليس في الكثرة، بل في الصبر، فلو كان هناك الآلاف من المقاتلين الأشداء، واندس بينهم قليل من الخوارين فإنهم سوف يعملون على تثبيط عزيمة الجيش بأكمله، وإضعاف روحه المعنوية، كما فعل المؤلفة قلوبهم، بجيش المسلمين في معركة حنين. ولقد تنبه طالوت لهذه النقطة، فقال لهم، إن الله مبتليكم بنهر، وربما هو الأردن، وكان يريد أن يتخلص من الفئة الخوارة، وظهر له أن معظمهم كانوا كذلك، ولكن القلة الباقية،، وبينهم داوود عليه السلام وكان صغيرا في الرابعة عشرة من عمره، وضع حجرا في المقلاع، وصوبه إلي عين جالوت، ملك الفلسطينيين، المسلح بالخوذ،ة فأرداه قتيلا. وفي برنامج تلفزيوني بثته محطة A.B.C.الأمريكية إثر الانتفاضة الأولى، بينت أن استخدام أطفال المسلمين الآن لمقلاع الحجارة، ضد الجنود الإسرائيليين، المسلحين بأنواع الأسلحة الحديثة، يطابق فعل داوود عليه السلام بحالوت، والذي يدعونه جليات.
داود وسليمان عليهما السلام: الخلافة على جميع مخلوقات الله، الجمع بين الحكمة والعلم والتكنولوحيا والآداب والفنون.
خلف داوود، ومن بعده ابنه سليمان، طالوت، عليهم جميعا السلام، في حكم الأرض المقدسة؛ وقد دانت الأمم المحيطة بالأرض المقدسة بالقيم التوحيدية لداوود وسليمان عليهما السلام، كخلفاء لله في أرضه، وحاكمين بشرع الله، ولم تحصر ولايتهما بقومية بني إسرائيل الضيقة، وحكم داوود وسليمان عليهما السلام مابين 1000 -922 ق. م ((Cotterell, 1980)).
وقد توافرت في سيدنا داود، ومن بعده سيدنا سليمان عليهما السلام، جميع صفات الخلافة في الأرض، فقد جمعا بالإضافة الى القدرة القتالية، القيادة الحكيمة، والعلم بفنون الحرب، وتسخير التكنولوجيا؛ فقد تنبه سيدنا داود عليه السلام إلى أهمية الحديد الذي كان مصدر قوة الفلسطينيين، فأخذ يصنع منه التروس والخوذ والدروع كما في سورة الأنبياء-80 "وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرين". وبالإضافة إلى هذا، فقد سخر لسليمان عليه السلام جميع الكائنات الحية، وغير الحية، وماوراء العلم المرئي، من طير وخيل ورياح و علم الكتاب وجن وعفاريت، كما في سورة النمل " وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين. وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون". و كما في سورة سبأ "ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور". واستحدم سليمان عليه السلام الطير لمراقبة ملكه، كطائرات الاستطلاع اليوم، وجاءه الهدهد بأخبار مملكة سبأ، والراجح أنهم من بقايا المديانيين الذين نزحوا جنوبا من مدين؛ وكانت الصحراء تفصل سبأ عن الأرض المقدسة، فكانت تعرف مايحدث من التجار، ولا يعرف أحد عن قوم سبأ شيئا؛ ولم تكن سبأ دولة فتح، بل تجارة، وكانت تستغل أموالها في البناء والزراعة والتجارة، بين الهند والحبشة ومصر والشام والعراق، وبنت السدود والقصور، وتفننت في تزيينها، وحولت الرمال إلى تربة خصبة، واغترست الحدائق ( زيدان، العرب قبل الإسلام)، ولهذا كان وصف الهدهد لملكتهم بأنها "أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم".
كما كانت خلافتهما عليهما السلام تتسم التناغم مع الكون العابد لله بالتسبيح والتهليل، وفهم بفنون الصنعة؛ وكان سيدنا داود عليه السلام أول من ابتكر الموشحات الدينية لمناجاته سبحانه وتعالى كما في سورة الإسراء "وآتينا داود زبورا." وكان يتلوه بصوت جميل حتى ضرب المثل فيمن كان حسن الصوت بالقول "كأنما أوتي مزمارا من مزامير داود". وكانت الجبال والطير ترجع تسبيح سيدنا داود عليه السلام بصوته الحسن كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء "وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين". و في سورة سيأ " ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد. أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير".
وقد اتخذ داوود وسليمان، مركز العبادة والحكم بيت المقدس، كما كانت أيام جدهما الأول سام بن نوح عليهم جميعا السلام، وكانت تدعى دار السلام -أور سالم، من قبل العمالقة (كما في رسائل تل العمارنة)، وكانت مقدسة مثلها مثل مكة المكرمة. وقد ورد في الحديث الشريف بأن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد بني قي الأرض لعبادته تعالى بعد بيت الله الحرام، وقد جدده سام بن نوح عليهما السلام بعد الطوفان. والراجح أن سيدنا داود هيأ له موضع المسجد الأقصى الذي كان مقاما من قبل، ودرست آثاره، تماما كما هو الحال مع سيدنا ابراهيم عليه السلام، عندما هيأ له مكان المسجد الحرام، الذي كان مقاما من قبل ودرست آثاره. وكما أن سيدنا إبراهيم وإسماعيل اجتمعا على إعادة بناء المسجد الحرام، فقد اجتمع سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام على إعادة بناء المسجد الأقصى، وكما كانت قدسية المسجد الحرام، معروفة عند الأمم الغابرة ومشوبة بالشرك، فأيضا كانت قدسية بيت المقدس معروفة عند العمالقة ومشوبة بالشرك. وقد أطلق سليمان عليه السلام لفظ بيت المقدس-بيت مكداش في العبرية، على المسجد الأقصى الذي تمت توسعته عن بناء سيدنا داوود عليه السلام، فكان إطلاق عمر بن الخطاب هذا الاسم على ماكان يعرف بإيلياء هو رجوع للأصل الذي ابتدأ به داوود وسليمان عليهما السلام. وقد دمر بختنصر المسجد الأقصى ثم أعيد بناؤه، وقام الرومان بتدميره بعد قيام هيرودتس ببنائه على الطريقة الوثنية، وظل خرابا حتى أم الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به جميع الأنبياء عليهم السلام في موضعه. وعندما افتتح المسلمون بيت المقدس أعادوا بناءه على يد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما عرف عنه من بساطة، وقام عبد الملك بن مروان فيما بعد بتفخيمه وتزيينه.
إلياس واليسع وذا الكفل عليهم السلام: ترسيخ التوحيد ومقاومة الشرك.
بعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام، ، لم تعد الأرض المقدسة مركز خلافة وقدوة في القيم التوحيدية الفاضلة، وعلى العكس من هذا، تبع بنو إسرائيل محيطيهم من العمالقة في الشرك وعبادة بعل. وسقطت الأرض المقدسة تحت يد الفاتحين من الامبراطوريات المحيطة، من أشوريين ثم كلدانيين ثم فرس ثم يونان ثم رومان. وقد تعرضت الأمم الغازية لكلمة التوحيد عن طريق تبشير الأنبياء الذين لم يجدوا آذانا صاغية من قبل اليهود، وكأنه أذان من الله سبحانه وتعالى بنشر رسالته في أصقاع الأرض المعمورة.
وعندما تفشت عبادة بعل بين بني إسرائيل في السبعين سنة التالية لوفاة سيدنا سليمان عليه السلام، قام سيدنا إلياس عليه السلام بتحذيرهم من عاقبة هذا الفعل، كما في سورة الصافات"وإن إلياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين، الله ربكم ورب آبائكم الأولين، فكذبوه فإنهم لمحضرون، إلا عباد الله المخلصين، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إل ياسين، إنا كذلك نجزي المحسنين، إنه من عبادنا المؤمنين".
وبعد رفع سيدنا إلياس عليه السلام الى السماء (والروايات تذكر أن مكان رفعه كان شرقي الأردن في الجبل المقابل لأريحا)، قام وريثه سيدنا اليسع عليه السلام، بحمل الأمانة وتحذير بني سرائيل من عبادة بعل، وقرب وفاته، تكفل ذا الكفل بهذه المهمة؛ وهكذا كانت الرسل تترا لنبذ الشرك كما في سورة ص "واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار".
يونس عليه السلام: تبعية الأرض المقدسة للامبراطوريات الكبرى، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
استولى الأشوريون على الجزء الأكبر من الأرض المقدسة 732-722، حيث تفشت عبادة بعل، وامتد حكمهم من طرطوس في الشمال حتى سيناء في الجنوب. و قام سرجون الثاني بجعل جميع الدويلات العربية في جزيرة العرب، ومناطق الأناضول (مملكة ميداس،) وعيلام في الشرق وبابل في الجنوب، جزءا من مملكته، بحكم مباشر أو عن طريق دفع الجزية. وربما كان الأشوريون يرجعون أصلا لعائلة ابراهيم عليه السلام من أبيه آزر، حيث أن ابراهيم عليه السلام قدم في السابق من نفس مناطقهم، وأخذت سوريا اسمها منهم- أسور.
وقد صاحب استيلاء الأشوريين على البلاد المفتوحة، نقل قسم من سكانها الى نينوى، حتى أصبحت مدينة عظيمة تعج بالسكان من جميع الأمم والثقافات المتعددة، كما غلبت الآرامية على لغة السبي ((Cotterell, 1980)). وهنا طلب الله سبحانه وتعالى من يونس عليه السلام أن يتجه من الأرض المقدسة إلى نينوى لدعوة أهلها إلى عبادته، فشق عليه بداية هذا، إذ كان هذا امتحانا عظيما في دعوة أمة عسكرية من غير قومه قهرت العالم القديم؛ وركب يونس عليه السلام السفينة في البحر المتوسط ليتجه إلى منطقة لا يصلها نفوذ الأشوريين، وابتلعه الحوت ونبذه في الجزر الأيونية من سواحل الأناضول الآن، والتي تتبع حكم الأشوريين أيضا، وصدع يونس بأمر ربه بالذهاب إلى نينوى، حيث أخر الله سقوط المدينة مائة سنة كاملة و دمرت نينوى 612 ق.م ((Cotterell, 1980). وكما قال الله تعالى في سورة يونس "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين".
إن وصول رسالة التوحيد لمدينة عالمية تموج بخليط من الأمم كنينوى، ساعد على نشر رسالة التوحيد لدى السبي الممثلين لكل من: مملكة ميداس الهلينية، وعيلام وفارس في الشرق وبابل في الجنوب، ومن ثم انتقل التوحيد من نينوى إلى بلاد السبي بعد سقوط نينوى وتحرر السبي من استعبادها؛ فنجد آثار التوحيد في فلسفة المدنيات العظيمة التي نهضت بعد أشور كالميديين، الفرس (زرادشت أحد فلاسفتها660-583)، والهلينيين والذين يطلق اسمهم على الجزر اليونانية وبلاد الأناضول؛ وهناك تطابق في الاسم بين يونان ويونس، وربما دعوا بهذا الاسم نسبة إليه لتأثرهم بتعاليمه، كحال أن نطلق لفظ مسيحيين نسبة إلى المسيح؛ وقصة سيدنا يونس عليه السلام منقولة بحذافيرها في المسرحيات اليونانية التي كانت تقام على مسارحهم في القرن الخامس قبل الميلاد، عن قديس ألقى به الحوت على سواحل بحر إيجة (ديوارنت، الجزء الثاني، 1988)؛ ومن يراجع أفكار فلاسفة اليونان، ومنهم أرسطو معلم ذو القرنين، يلاحظ بقايا آثار التوحيد في هذه الأفكار، وإن شوهت جميعا بالأفكار الوثنية فيما بعد.
العزير عليه السلام: استرجاع الأصول
كان الإفساد في الأرض المقدسة يصاحبه دوما تدمير القوم المفسدين، كما في أوائل سورة الإسراء "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، عسى ربكم أن يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا." إن إقامة الأصنام في المسجد الأقصى وإيذاء الأنبياء الذين نهوا عن هذه الأفعال، صاحبه غزو بختنصر وتدمير بيت المقدس الأول عام 597- 586، كما تم نفي بني إسرائيل إلى بابل ( ديوارنت، الجزء الثاني، 1988).
وتظهر الآثار، أن بختنصر كان معاصرا لعدنان الجد الأعلى للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رجوع بني إسرائيل من السبي على يد كورش الفارسي 530ق.م، كما بوشر بإعادة بناء المسجد الأقصى لإقامة شعائر الدين فيه، ولزم هذا الرجوع للنصوص الأصلية في التوراة، وقد فقد حافظيها كما فقد المتن أثناء السبي البابلي. وكان العزير عليه السلام هو أحد حفظة التوراة، وكان إحياؤه بعد مائة عام، في وقت كان بنو إسرائيل في أمس الحاجة اليه. كان العزير قد مر على بيت المقدس إثر سقوطها على يد بختنصر متعجبا مما آلت إليه، كما في سورة البقرة "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدبر." لقد بعث العزير عليه السلام في وقت عصيب، فلم يكن هناك من يصل التسلسل المنقطع بالعلم الرباني بعد النفي؛ وقال ابن كثير أن التواتر قد انقطع بالسبي، وكان بعث العزير عليه السلام لحكمة، فلقد أشار إلى مكان دفن التوراة، وكانوا يدفنونها وقت الأخطار خشية أن تمتد لها اليد، وقال ابن كثير أنه تم دفنها في موضع لم يعرفه أحد من المعاصرين خلا العزير، لأنه لم يكن هناك بعد أحد من السابقين على قيد الحياة، فانطلق إلى ذلك الموضع فحفره واستخرجها (ابن كثير، 1991). ويطلق اليهود على العزير اسم عزرا، ويعترفون أن نسخ التوراة المتداولة بعد السبي ترجع إليه، ولكنهم لا يتداولون قصة بعثه كما جاءت في القرآن الكريم.
أيوب عليه السلام –الفردية الصابرة المسؤولة
صاحب العودة من السبي، انتشار مباديء التوحيد في الأرض المقدسة والمناطق المحيطة، ولم يكن هناك دولة مسيطرة موحدة ملتزمة بحماية شرع الله، وهذا أدى إلى نشوء ظاهرة الفردية الصابرة المسؤولة في الأرض المقدسة، وهي مشابهة لظاهرة التصوف الذي ترعرع في الأرض المقدسة وعالمنا الإسلامي إثر تدهور التأثير السياسي والاجتماعي والحضاري للخلافة في العالم الإسلامي، فليس على الفرد أن يكون نسخة عن المحيطين، ليعم البلاء الجميع، بل على كل فرد أن يكون مسؤولا وواعيا وصابرا على حوادث الدهر؛ كما أنه ليس حتميا أن ينال الفرد المؤمن ثمار إيمانه سريعا، بل عليه الصبر طالما كان واعيا أنه على حق. إن فضيلة الصبر هو ماتمثله قصة سيدنا أيوب عليه السلام؛ إن سيرة داود وسليمان ويونس عليهم السلام تبين أن المؤمن يثاب بالحياة الصالحة في الدنيا والآخرة، ويقابلها العبد الصالح بالشكر، بينما تبين قصة أيوب عليه السلام، أن المؤمن لا ينتظر إسراع النعم في الدنيا مقابل إيمانه، فقد يبتلى الله سبحانه وتعالى عبده الصالح بالرغم من قيامه بواجب الشكر، وهنا يظهر مقام الصبر بأن الإنسان لا يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة؛ كما أن عاقبة الصبر الفرج كما في سورة الأنبياء" وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين". وقد عاش سيدنا أيوب عليه السلام، كنبي موحد عربي في شرق الأردن، ويوجد مقام له بالقرب من قرية يرقا في ضواحي مدينة السلط وهي منطقة خصبة تنتشر فيها البساتين والحقول.
آل عمران عليهم السلام: الإرث التوحيدي ومواجهة الوثنية العالمية في الأرض المقدسة
تبعت الأرض المقدسة البطالمة ثم السلوقيين اليونانيين، الذين ورثوا عرش الاسكندر لثلاث قرون قبل الميلاد؛ ولم يقتصر الإيمان بالشريعة السماوية على بني إسرائيل، إذ كان هناك العديد من أفراد الأمم المجاورة من أنباط وأدوميين دخلوا في دين التوحيد، كما انتقل الكثير من اليهود إلى المناطق التي كانت تحت السيطرة الهلينية، كمصر وأفريقيا وأنطاكيا، ومن ثم إلى روما عند استيلاء الرومان على المنطقة. وكانت المدن العشر في شرق الأرض المقدسة (ديكابولس) تمثل التأثير الكبير للطابع الهليني الأممي. وتبنى اليهود الثقافة الهيلينية، حتى وصل الأمر بفريق منهم إلى هجر لغته الأصلية وترجمة الكتاب المقدس إلى اليونانية؛ وانقسم بنو إسرائيل إلى فريقين، الفريق الأول يريد الانجراف في التراث الهليني، والفريق الآخر اهتم بالمحافظة على التشريعات الموسوية، وكانت الشحناء بين هذين الفريقين عظيمة، لأن الاختلاف في وجهات النظر تضمن جميع نواحي الحياة العامة بما فيها الثقافة والدين والاقتصاد والاجتماع والسياسة. كما أن إرجاع القوانين الى الحكام الموالين للامبراطوريات الكبرى، بعكس حال القرون التي تلت الرجوع من السبي البابلي، قاد إلى نفس الحالة التي عانى منها النبيون والصديقون في الأيام التي سبقت السبي، فكانوا يقتلون ويهانون علي يد المتولين للسلطة من بني إسرائيل لإخماد الحقائق التي يدعونها بشأن الكتاب المقدس (1967 (Rappaport, Uriel. وعندما حكم الرومان سنة 63 ق.م، أثار احتلالهم غبطة كبيرة لدى اليهود الهلينيين، وفرض الرومان هيرودتس من عائلة أدومية كحاكم على بيت المقدس، وما يعرف بسوريا الكبرى الآن 34-4 ق.م، خلا المناطق الجنوبية والشرقية والتي ظل الأنباط يحكمون السيطرة عليها. وعمل هيرودتس على هدم المسجد الأقصى، وإعادة بناءه على الطريقة الرومانية موشحا في أحجاره الخارجية بالتماثيل، كمثال البتراء، وابنه هيرودتس أنتباس هو المشهور بقصته مع يحي عليه السلام، عندما قتله لطلب منه التقيد بأوامر الشريعة الموسوية بشأن زواجه من امرأة أخيه. ويوجد قصر لهيرودتس في منطقة المكاور في الأردن، وكان حكمه مشوبا بتدخل ملوك الأنباط، الذين تزاوجوا من ملوك بني إسرائيل، وشاركوهم في اقتسام أراضي البلاد المقدسة، وكل يستعين بحاكم روماني من جهته.
وقد وصف المؤرخ يوسف فلافيوس الذي عاش في القرن الأول للميلاد طوائف بني إسرائيل حسب الآتي:
1- الصديقيون: ويمثلون التيار السلفي في بني إسرائيل، اقتصر إيمانهم على التوراة، و تجاهلوا الشروحات عليه من قبل النبيين والربانيين في القرون التي تلت، وأنكروا البعث والحساب وآمنوا بفناء الروح مع الجسد، بدليل زعمهم، أن الوصايا العشر لم تظهر صراحة خلود الروح، واقتصروا على القول عن الميت بكونه اضطجع مع آبائه.
2- الفريسيون ويمثلون رجال الدين اليهود القائمين على تنفيذ الأحكام الدينية في المسجد الأقصى أيام يحي وعيسى عليهم السلام، وكانوا يؤثرون على العامة الدهماء من بني إسرائيل من حيث تمثيلهم للشريعة بصورتها الظاهرية السطحية،مع ممالئتهم للحكام الرومان واليونانييين من قبل. وقد عنفهم عيسى عليهم السلام بسبب نفاقهم هذا.
3-الأسيون (المسلمون). وكانوا يسلمون وجوههم لله، ويؤمنون بالقدر خيره وشره، وبخلود الروح، وبالبعث والنشور والثواب والعقاب، وأن هدف الإنسان في الحياة، مجاهدة النفس للوصول إلى طريق الهداية والحق. وكانوا يزاولون طرقا محددة في التطهر والغسل والصلاة عدة مرات في اليوم و تقديم الأضاحي؛ وعملوا على مزاولة الشعائر الدينية بأنفسهم في أماكن عبادة خاصة بهم شرقي القدس، على الضفاف الشرقية والغربية لنهر الأردن، بعيدا عن فسق هيرودوتس وممالئة كهنة بيت المقدس لفسق،ه خاصة بعد هدم المسجد الأقصى وإعادة بنائه على الطريقة الوثنية؛ وكانت أخلاقهم رفيعة، ومارسوا الزراعة بجد. وقد قال يوسف فلافيوس المؤرخ اليهودي الذي عاش في القرن الأول للميلاد أن قسما منهم كان يتزوج وقسما آخر كان يعيش برهبانية بدون زواج (Rappaport, Uriel, 1967).
إن أعمال هيرودتس وبلوغ السيل الزبى قوى الأمل في قلوب المستضعفين في ظهورالمسيح الذي يبين شريعة الله، وعاش زكريا ويحي عليهما السلام هذه الفترة كشاهدين ربانين من آل عمران على الإرث الموسوي، ومبشرين بفرب ظهوره عليه السلام. وكلمة المسيح تعني ملك بالعبرية، وأصل التسمية ترجع إلى العادة المتبعة في بني إسرائيل عند تنصيب الملك، حيث كان يقوم النبي بمسح رأس الملك بالزيت، ومن ثم أطلق على الملك لفظ المسيح، وظهر المسيح من مريم ابنة عمران، من آل هارون بن عمران، سدنة المسجد الأقصى والقائمين بالدين، كما لمحت آيات القرآن الكريم، بعكس ما يتردد في الأناجيل المتداولة الآن، في وقت كانت الأرض المقدسة بأمس الحاجة إليه، وكانت معجزته في إحياء الموتى، حجة على فئة الصدوقيين الذين أنكروا البعث، ولا يزال معظم اليهود الشكنازيم من أتباع موسى بن ميمون إلى الآن ينكرون البعث.
وكانت سيدتنا مريم عليها السلام، تمارس عبادة الله سبحانه وتعالى، بعيدا عن هذا المجتمع المضطرب، مع الفئة المؤمنة من الإسيين المسلمين في البرية شرقي القدس. ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المكان في سورة مريم "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا". والذي يظهر أن المكان الذي يحتفل به النصارى، كمكان لولادة عيسى عليه السلام في مغارة بيت لحم، هو مخالف لما ورد في القرآن الكريم في الآية "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا، وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا، فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا". إن الآيات الكريمة تدل على أن مكان ولادة سيدنا عليه السلام في موضع نخل عند ينبوع ماء، وهذه الصفات لا تتوافر في بيت لحم التي لا ينبت فيها نخل، عدا عن حمل الرطب في هذا المكان المرتفع، وأيضا لا يوجد ينبوع ماء في مغارة كنيسة المهد؛ والأرجح أن يكون هذا المكان هو الكنيسة التي اكتشفت في غور الكفرين شرقي نهر الأردن، حيث أن صفات المنطقة تتوافق وما جاء في القرآن الكريم. والذي يؤيد هذا القول، هو عادة النصارى إلى اليوم، بالاحتفال بمولده بتزيين الشجرة بكرات حمراء أشبه بالرطب، وهذه العادة أخذت عن قدامى النصارى الذين جاءتهم القصة كما حدثت حقيقة، واندثرت القصة الحقيقية مع الزمن، ولم يبق منها إلا عادة تزيين الشجرة.
وشيء آخر ورد في ذكر ولادته عليه السلام، وهو مخاطبة بني إسرائيل لمريم عليها السلام في سورة آل عمران "يا أخت هارون". إن من الواضح أن آل هارون بن عمران كانوا سدنة المسجد الأقصى وسيدتنا مريم عليها السلام ابنة عمران هي من آل هارون بن عمران، وتحمل اسم مريم أخت هارون التي راقبت مسير الصندوق الذي وضع به موسى بن عمران ساعة ولادته، وراقبته حتى وصل لآل فرعون وأخبرت والدتها بخبره. فسميت مريم والدة عيسى عليه السلام باسم مريم أخت موسى وهارون عليهما السلام، فكان خطاب بني إسرائيل لها تمثيل حالها بحال مريم الأولى سميتها في وشبيهتها في الصلاح والنسكه والعبادة، وكونها من ذرية آل هارون بن عمران، سدنة المسجد الذين كفلوها ونشأت بينهم. ويبدو أن نشأة مريم عليها السلام في الأقصى كان قبل هدمه من قبل هيرودتس، وأن فئة الأسيين آثرت اعتزال المكان، وعبادة الله في غور الأردن، إثر هدمه وإعادة بنائه على الطريقة الوثنية من قبل هيرودتس المشرك.
الحواريون والكيتان ومخطوطات قمران: الإسلام والنصرانية واليهودية
ماذا حدث بعد ذلك العهد، ساده تشويش كبير، بسبب الاقتتال الداخلي بين طوائف بني إسرائيل، ومحاربة الرومان لأتباع عيسى عليه السلام؛ ونحن لا نستطيع أن نستند إلا لما أخبر به القرآن الكريم عن هذه الفترة، وقد بين الخديث الشريف أنه سوف يتم العثور على النسخ الأصلية للتوراة والإنجيل في بحيرة على نهر الأردن ليحاج به أهل الكتاب عن مطابقة ماورد في القرآن الكريم لالنسخ الأصلية من كتبهم. وكما أن رجوع بني إسرائيل من السبي البابلي، رافقه العثور على النسخ الأصلية من التوراة، فإن المعجزة الإلهية ظهرت في العثور على مخطوطات قمران بالتزان مع إعلان قيام إسرائيل، ولتكون حجة لله على اليهود، فإذا كان الاستيلاء على فلسطين بحجة التمكن من إقامة الشرائع اليهودية، فها هي المخطوطات تنبؤهم عن شرع الله على الحقيقة، وليس عن أهواء من حرفوه في السنين التي سبقت سقوط بيت المقدس، ولتبيان أن المسلمين هم أتباع موسى وعيسى عليهما السلام بحق، وهم الذين انتظرهم النبيون والصديقون.
فقد ظهر في المخطوطات أن بقايا المؤمنين من بني إسرائيل كانوا أشبه ما يكون بالمسلمين في وضوئهم وطهورهم وصلاتهم وإيمانهم بالقدر وتوحيدهم وفي طبيعة إيمانهم برسالة عيسى عليه السلام بعدم تمكين الله لأعدائه منه، ولكن هذا لم يغير شيئا من تفكير رجال الدين اليهود في عصرنا الحاضر، حيث أنهم اعتبروا أن كتابة هذه الطائفة ليست ملزمة لهم، بل بالعكس كانت تعليقاتهم مليئة بالسخرية "من حيث اعتبار الطائفة لنفسها أنها تدين دين الحق وأن سائر اليهود كانوا على ضلالة"، وأيضا للتخلص من فكرة أن هؤلاء يمثلون فجر النصرانية الأولى، فقد تم الادعاء أن الطائفة عاشت في القرنين الأولين قبل الميلاد وليس في السنين الأولى للميلاد، أيام عيسى غليه السلام.
إن أكثر ما يؤيد أن بعض الكتابات وخاصة التعليق على حبقوق ترجع للطائفة المؤمنة الإسيين في فترة يحي وعيسى عليهما السلام أيام حكم الرومان، هو استخدام لفظ الكيتان، فقد تم استخدام نفس اللفظ من قبل ابن خلدون بمعنى الرومان، وأيضا فقد تكلمت المخطوطات عن استخدام العربة التي تحمل الجند، وقد استخدمت العربة من قبل الرومان وليس اليونان. و سوف يتم تناول ماتحمله هذه الوثائق والتي تمثل وجهة نظر الإسيين- المسلمين، أتباع عبسى ويحي عليهما السلام، من حيث:
1- الحياة الدينية والروحية لبني إسرائيل والحركات والطوائف الدينية. كانت المسائل الرئيسية التي اختلف عليها بني إسرائيل هي الإيمان بضرورة تطبيق الشريعة الموسوية وخلود الروح والإيمان بالثواب والعقاب يوم القيامة، والإيمان بالقدر. وهذه هي المسائل الرئيسية التي تناولتها بالبحث مخطوطات وادي قمران، والتي يظهر من محتواها أن كاتبيها كانوا ينتمون للفريق الثالث (المسلمين-الإسيين) Rappaport, Uriel, 1967)).
2-فجر النصرانية ألقت كتابة هذه الطائفة الضوء على فجر النصرانية من حيث أنها: أطلقت على المسيح عليه السلام لقب المعلم والهادي إلى الحق، زعيم الجماعة الذي ألقي القبض عليه من قبل كهنة القدس الشريرين، ولكنه سوف عاد وخرج إليهم وسوف يعود آخر الزمن؛ ولم تطلق المخطوطات عليه لقب المخلص ابن الرب، ولم تشر إلى صلبه، وأيضا تم استخدام لفظ العهد الجديد عن تعاليمه. إن عدم اعتبار المسيح عليه السلام، المخلص الذي يضمن دخول الجنة بمجرد الإيمان بغض النظر عن جنس العمل، وعدم ذكر حكاية الصلب، وعدم اعتباره ابنا للرب، جعل رجال الدين المسيحي الذين نقبوا في المخطوطات يعتبرون أن هذه الطائفة لم تعاصر المسيح عليه السلام، بل عاصرت الفترة التي سبقته في الجروب بين المكابيين واليونان؛ إلا أن المحققين منهم اعتبر أن كتابات هذه الطائفة لايمكن إلا أن تمثل فجر النصرانية بدليل استخدام العربة وأدوات الحرب التي تخص الرومان، وأن تجاهل هذه الحقائق من قبل علماء النصارى يرجع لكونها لم تشر إلى الأسس التي تقوم عليها النصرانية في الوقت الحاضرRappaport, Uriel, 1967)).
3 - مجموعة القوانين التي تنظم شؤون الحياة: تبين كتابات الطائفة أنهم قاموا بالانعزال في برية قمران لأجل أداء الشعائر الدينية بحرية، استعدادا ليوم الحساب، والابتعاد عن أبناء الظلام. وكانوا يتسمون بالزهد، والمشاركة بالأموال ،والالتزام بتعاليم الجماعة. وتتصف العادات اليومية لهم بالقيام بالتطهرعدة مرات في اليوموالاستنجاء من الحدث الأصغر؛ كما كانوا يستخدمون أدوات خاصة لحفر ووضع البراز. ويفترقون عن يهود اليوم، من حيث أن الأخيرين لا يعتبرون من المنجسات التي تمنع أداء الصلاة أو تلاوة التوراة، بدون الرجوع للتطهر إلا مجرد لمس الميت؛ ويبدو أن بعضا من ساكني قمران كانوا يهبون المولود للترهب (,1956 Burrows, Millar)، وهو مطابق لقصة مريم ويحي عليهما السلام اللذان لم يتزوجا قط.
4- الكتابات الخاصة بالصلاة والمدائح والحمد لله. دلت الكتابات أنهم كانوا يواظبون على الصلاة عدة مرات في اليوم بوقت مجدد، حسب ظل الشمس، بقيادة شيخ الجماعة بطريقة جماعية، ويتناول الدعاء عظمة الله تعالى وحكمته وعدله، وأن علمه أزلي، ولاشيء يحصل إلا بإرادتهن وأن على الإنسان أن يعمل في الحياة الدنيا، لتحضير نفسه لليوم الآخر، حيث يسود الحق الكون، وكانوا يقومون بطلب البركة عند كل وجبة طعام.(,1956 Burrows Millar).
5- الشروحات على الكتاب المقدس. كان من أهم الشروحات التعليق على حبقوق، أحد الأنبياء، ولم تذكر الشخصيات بالاسم، بل باللقب، وتقول الشروحات على تنبؤات حبقوق، بأن شيخ الجماعة المعلم الهادي إلى الصراط المستقيم حاول أن يعيد تنظيم مجتمع بيت المقدس، إلا أن كاهن بيت المقدس الشرير، تعاون مع الكيتان للإمساك به، وأن أتباعه من جماعة قمران لحقوا به للبرية ولم ينسوه، وظلوا على احترامهم له واتباع تعاليمه، مع ذكر أنه سوف يرجع في آخر الزمن. وهذه بعض التنبؤات. "بقايا كهنة القدس سوف تعطى للكيتان "" لقد قضى الله أمره في يوم واحد برأس بني إسرائيل وذيلها"، الرأس هو معلم البر، والذيل هو الكاهن الشرير. ويبدو أن الذي عذب في النهاية هو الكاهن الذي وشى بمعلم البر، "إن الكاهن الشرير عوقب على الجرائم التي ارتكبها بحق المعلم بأن سلمه الله لأيدي أعدائه الذين أحاطوا به؛ لقد كانوا يريدون التخلص من المعلم ولكن المعلم ظهر لهؤلاء الكذبة في يوم عيدهم، ليظهر لهم بطلان عيدهم، ويأخذهم على بغتة فصمتوا مدهوشين، ورأوا أنه لم يحل يه شيئا مما ظنوا أنه واقع به". ولقد ظهر من التفسير أنه كان هناك مفارقة في التوقيت بين ما كان المعلم وأتباعه يعتبرونه يوم عيد، واليوم المسجل كيوم عيد عند كهنة بيت المقدس. وأن المعلم كان يحتفل بالعيد مع أتباعه عندما ظهر لهم الكاهن الشرير وقبض على المعلم؛ و أن الكاهن أثناء وقت كتابة المخطوطات كان قد دفع ثمن بعضا من أعماله ولكن لا يزال ينتظره الكثير في المستقبل (أي أن كاهن الشر كان لا يزال حيا ولم ينل كامل عقابه)، وهو المقصود بالقول "أن الثورة في لبنان سوف تلحق بك" (,1956 Burrows, Millar).
إن هذه الكتابات تعطي دليلا إضافيا لكون معلم البر هو عيسى عليه السلام، فقد ورد في القرآن الكريم في سورة المائدة أن الحواريين في الليلة الأخيرة لرفعه ليلة العيد، طلبوا منه أن ينزل إليهم مائدة من السماء، تكون لهم عيدا مستمرا، و لتثبيت قلوبهم للحوادث الجسام التي تلي، كما أن النصارى يتداولون قصة العشاء الأخير يوم عيد الفصح، يوم خروج بني إسرائيل من مصر، ويطابق يوم عاشوراء لدى المسلمين. ويمكن تفسير الاختلاف في توقيت العيد لدى أصحاب قمران وكهنة بيت المقدس من اليهود، أن هذه هي الفترة التي قام بها يوليوس قيصر وكليوبترا بالفصل بين التوقيت الشمسي والقمري، وقد سميت بعض أسماءالشهور نسبة إليهم، فيوليو نسبة ليوليوس قيصر، واكتوبر نسبة لأكتافيوس، وأغسطس نسبة لأغسطس قيصر، وفصل يوليوس قيصر التوقيت الشمسي عن القمري بالظريقة التي لا تزال سائرة إلى يومنا هذا، وكان أن قام كهنة القدس بمطاوعة الرومان الكيتان في تغيير التوقيت، ورفضت جماعة قمران هذا التحوير.
وكان تصديق نبوءة الذين علقوا على حبقوق "من أن هؤلاء الذين تعرضوا لمعلم البر سوف ينالون عقوبة ما اقترفوا وأنهم سوف يجعلون بيت المقدس مدينة للدم". بتدمير بيت المقدس الثاني على يد الرومان بعد كتابة المخطوطات بفترة قصيرة، حيث أن تآمر الكفرة من بني إسرائيل على عيسى وحوارييه انتهى بتدمبر بيت المقدس وطرد اليهود منها على بد تيطس على أثر ثورة من قبل الفريسيين، وبعد ثورة أخرى قام هرديان بمنع اليهود من سكن المدينة عام 135م.
كما تتوافق الكتابة مع ما هو مذكور في القرآن الكريم عن استخدام الترميز للمؤمنين من بني إسرائيل في قصة زكريا عليه السلام، حتى أن المحققين صعب عليهم تحديد الشخصيات المذكورة.
6-التنبؤات. كان هناك إيمانا مطلقا في المخطوطات كما في أنشودة الحرب، بتدخل الله العلي القدير لنصرة عباده، حيث أنه لا يتحقق هذا بدون معونته تعالى، وأن هذا لابد أن يحصل لأنه مقدر عند الله في الكتاب منذ الأزل، من نصرة قوى الخيروالنور على قوى الشر والظلام لإقامة مملكته. كما تقول أنشودة الحرب أن المؤمنين والكفار سوف يتحاربون عددا من المعارك يتحقق النصر المبين الذي يطرد قوى الكيتان نهائيا من الأرض المقدسة في المعركة السابعة. كما تقول المخطوطة "أنه ليس معلم البر ولكن من يجيء بعده أتباع المصطفى هم الذين سوف يقضون على الشريرين". وقد كان الاختلاف في تفسير باحثي المخطوطات هل المقصود بالمصطفى، معلم البر، أم أنهما شخصان مختلفان تفصل بينهما مدة زمنية. وقد وصف كتاب الحرب أيضا طريقة حياة المعسكر أثناء الحرب، حيث أن المحاربين سوف يحافظوا على طهارتهم المعنوية والفيزيائية أثناء المعركة لنيل نصر الله،، لأن الحرب جهاد ضد قوى الشيطان وعلى من يشترك بها أن يكون طاهرا، وملائكة الله سوف تشترك بالحرب معهم((,1956 , (Burrows, Millar
إن هذه الأنشودة هي مصداق للآية الكريمة "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار". وللغرابة كان كثير من السخرية من قبل المترجمين بالقول يبدو أن كاتبي هذه التنبؤات لا يعرفون أن هناك قواعد عسكرية للنصر". لقد لجأ الحواريون إلى البرية شرق القدس منتظرين اليوم الذي يأتي لتطهير الأماكن المقدسة من رجس الكيتان على يد جنود النور؛ وظلت هذه الأمنية في الصدور يورثها المخلصون لدين الله لبعضهم البعض حتى مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما في بشارة بحيرى الراهب و ورقة بن نوفل للرسول صلى الله عليه وسلم.
وحمل الحواريون الرسالة بعد زفع عيسى عليه السلام، وبلغوها لأمم الأرض؛ وهذا يعني أن حكم الأرض المقدسة من قبل الرومان، ساعد في نقل رسالة التوحيد لجميع لأمم المحكومة من قبلهم، كمثل حال انتشار الرسالة عند السبي البابلي. وكان رفع عيسى عليه السلام زمن تيبريوس والذي حكم ما بين 14-37م. تعرضأعمال الحواريين في أوائل سورة ياسين، "واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاها المرسلون، فأرسنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث". إن تفاسيرالقرآن الكريم، تذكر أن القرية هي أنطاكيا، وهذا لا يطابق الآيات الكريمة، فقد انتشرت النصرانية في أنطاكيا سلميا على يد بولس الرسول منذ المئة الأولى للميلاد، ولم يرد في التاريخ كون عدد الرسل ثلاثا، كما لم يرد تعرض منطقة أنطاكية لكارثة طبيعية في ذلك الزمن. إن وصف القرآن الكريم يطابق ما حدث في إيطاليا وبالذات بومبي وروما في ذلك الحين، فقد ذهب بولس الرسول إلى إيطاليا بعد أن فرغ من مهمته في أنطاكيا، وكان هناك بطرس من قبله، ولحق بهم لوقا، وتعرض هؤلاء الرسل للتعذيب من قبل الرومان بحجة تطيرهم منهم وأن مصائب حرق روما زمن نيرون، وزلزال بومبي 63 بعد الميلاد، من شؤمهم، وقد استشهد بولس وبطرس في وقت واحد في طريق استيا بين نابولي وروما عام 64 بعد الميلاد، وكان لوقا مرافقا لبول في سجنه. وكان اتنقام الله سبحانه وتعالى لمقتلهم في بركان فيزوف قرب روما والذي دمر بومبي وما حولها وحولها إلى رماد سنة 79 بعد الميلاد، ومن رآه اعتبره يوم القيامة أو شبيها به، ولا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.
أصحاب الكهف: الفترة والسبات
رافق انتشار المسيحية اضطهاد عظيم لمعتنقيها. وكانت عمان احدى مدن الديكابولس التي اصطبغت بالصبغة الهلينية، من أوائل المدن التي تعرضت لدعوة عيسى عليه السلام؛ وقد مرت ثلاثة قرون وإيمان المؤمنين يتسم بالخفاء ويتلقون صنوف العذاب، حتى آمن قسطنطين 333 م، إلا أنه لم يصبح دينا رسميا للبلاد، حتى عهد ثيودوسيوس 379-395. وقد ذكر آرثر كوتريل أن الصراع بين المسيحية والوثنية استمر 300 عام كاملة ((Cotterell, 1980) )، ويبدو أن قصة أهل الكهف حدثت في نهاية القرن الأول للميلاد حيث آمن فتية من رفيعي القوم من أهل عمان بالدين الجديد واختبئوا في أحد الكهوف، وكان من العادة وجود تهوية في أعلى الكهف محدودبة لا تظهر من أسفل منها، بينما يتم إغلاق مدخل الكهف بصخرة من الداخل، فأماتهم الله ثلاثمائة عام كاملة وازدادوا تسعا- الفرق بين السنين الشمية والقمرية. وقد استيقظوا في نهاية القرن الرابع للميلاد حوالي 400م حين أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي، وكان ظهورهم آية وقطعا للجدل الدائر بكون البعث بالروح فقط أم بالروح والجسد. .وقد وردت الآية في القرآن الكريم "أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف". ومن الراجح أن الكهف هو الكهف الموجود في قرية الرجيب (وهو تحريف عن الرقيم) قرب عمان.فيقول الشاعر مخاطبا يزيد بن عبد الملك يزرن على تناثيه يزيدا بأكناف الموقر والرقيم. وقال المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم "الرقيم قرية على فرسخ من عمان. على تخوم البادية فيها مغارة وفي المغارة ثلاثة قبور." ( زيدان، العرب قبل الإسلام). والكهف في عمان يوجد على ظهره آثار مسجد بيزنطي وهو الذي ذكره القرآن "قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا" ، كما ويوجد أمام الكهف آثار مسجد بني في عهد الأمويين.
إن ظهور المسيحية مترافقا مع تسلط امبراطورية عظمى سهل انتشارها الخفي، فقد انتشرت بين قبائل الأنباط من بقايا المديانيين من جضاعمة وتنوخ وجذام وعاملة ولخم وغسان، حيث تذكر القصص أن أصحاب الكهف كانوا من جذام؛ إلا أن إيمان الرومان الرسمي بالنصرانية لاحقلا رافقه تلبيس على المعاني الحقيقية التي حملها عيسى عليه السلام، وتعرض للاضطهاد من لم يؤمن بدين الدولة الرسمي، وهنا كان لابد من رسالة تبين دين الله الحق ويحملها أهلها بقوة، وكان هذا في الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه.
ظهور الإسلام وتدمير أصحاب الفيل : الإيذان بتحقق دعوة إبراهيم عليه السلام وانتهاء منطق القوة بالتدخل المباشر من جنود الله سبحانه وتعالى
إن المتتبع للمنطق الرباني يرى أن الله سبحانه وتعالى لم يحاب قومـا على حساب آخرين، فلم يكن هنـاك احتكارا للحقيقة لقوم معينين، والرسالة يحملها من لا يخاف في الله لومة لائم، وهي أمة انتظر ظهورها جميع الرسل عليهم السلام، قد شبه الله سبحانه وتعالى أتباع سيدنا محمد عليـه الصـلاة والسـلام وأتباعه فى سورة محمد بالزرع الذي فرع بعد أن أعطـي مـدة كافية لاشتداد عوده "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعـا سجدا يبتغون مغفرة من الله ورضوانا. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع اخـرج شطأه فاستوى فاشتد على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار". وكان هذا إيذانا بتحقق دعوة إبراهيم عليه السلام وانتهاء منطق القوة بالتدخل المباشر من جنود الله سبحانه وتعالى.
لقد كان لموقع الأرض المقدسة عند ملتقى قارات العالم القديم، فائدة كبرى في سهولة انتشار الرسالة، إلا أنه أدى أيضا إلى سهولة سيطرة الأمم الوثنية على الأرض المقدسة، مما ساعد في دخول أباطيلهم على الدين السماوي. إن توطن الدعوة السماوية في الجزيرة العربية أدى إلى إعطاء مدة كـافية لنموها قبـل أن تستعد لمواجهة إمبراطوريات الظلم التي حـاولت منع كلمة الله أن تصل إلى من يسـمعها، تلك الإمبراطوريات التي تلقفت الدعوة السماوية ولم تسمح للرسالة أن تنتشر إلا بعد أن نفثـت فيها سموم الوثنية. إن الجزيرة العربية مشهورة بجفافها ولم يكن لجيش أن يقتحمها إلا إذا كان على علم بمنابع المياه، وهلك الكثير من جيوش الروم لأنهم ضللوا بالصحراء، فلم يبح شخص لنفسه أن يكون سببا باقتحام بيت الله الحرام، وكان هذا استجابة لدعوة ابراهيم عليه السلام بجعله حرما آمنا. وقد كان المناخ عامل النصر الحـاسم للروس على أعدائهم حيث لم تسـتطع جيوش المغيرين كنابليون وهتلر تحمل قسوة الثلوج. وكان موقع الجزر البريطانية واليابانية والولايات المتجدة النائية اولمفصولة في البحر عاملا حاسـما في الإبقاء على استقلالها. ,كان خروج العرب المسلمين لنشر الرسالة خروج قوة, وكان العرب أمة و سطا لتوسط بلادهم ولاطلاعهم على ثقافة الشرق والغرب عن طريق التجارة ، كما كانوا أجدر الناس بحمل الرسالة، بعد أن تنبهوا لأباطيل مدعو النصرانية أمثال أبرهة الأشرم من الذين حاولوا اقتحام المسجد الحرام بحجة نشر دين الله ظاهرا وللاستعلاء في الأرض باطنا. وكان مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لملاقاة الأنبياء الذين ترقبوا مبعثه منذ فجر التاريخ، لعلمهم أن رسالة الله لن تصل بقوة إلا على يد رسول وقوم يحملونها بقوة وكان هذا واضحا في مخطوطات قمران.
المر اجع
1- ابن خلدون،عبد الرحمن "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر" دار الجيل، بيروت
2- ابن كثير، عماد الدين اسماعيل " قصص الأنبياء" تحقيـق بلطجـي و سليمان . دار الخير، 1991 .
3- الثعلبي، أحمد بن محمد النيسابوري "قصص الأنبياء". دار القلـم الطبعـة الرابعـة،متوفى427 هـ
4- الحنبلي، مجير الدين "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل" الجزء الأول-مكتبة المحتسب عمان (1973)
5- السويدي ، ابو الفوز محمد أمين البغدادى "سبائك الذهب فى معرفة قبـائل وأنسـاب وتاريخ العرب"
6- العهد القديم . ص 87- 385
7- المسعودى، أبو الحسن علي بن الحـسين "مروج الذهب ومعادن الجوهـر" المجلـد الثاني . تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر بيروت . النشر 1989 .
8- الكيلاني، صفا "وصل ما انفصل من أنساب عرب حنوب الشام"- مخطوط، 2009.
11- ديوارنت ، ويل تصة الحضارة ترجمة صابر، محيي الدين ومحمـود، زكـي . دار الجيل . الجزء الأول (1988).
12- ديوارنت ، ويل "قصة الحضارة" . ترجمة صابر، محيى الحين ومحمـود، زكـي . دار الجيل . الجزء الثاني (1988).
- 13 زيدان ، جورجي "العرب قبل الإسلام" . دار مكتبة الحياة . بيروت .
14- شراب، محمد ، الجذور التاريخية للعرب في بلاد الشام، دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا (2006).
15- وهيبة، عبد الفتاح . "مصر و العالم القديم : جغرافية تاريخية". دار النهضـة العربيـة، 1972
16- Burrows, Millar. “The Dead Sea Scrolls”. The Viking Press. New york. 1956.
17- Cotterell, Arthur. “The Encyclopedia of Ancient Civilization” Rainbird Publishing Group Limited. London. 1980.
- 18 Fehl, Noah, “The Culture of Science” Chung Chi Publication. The Chinese University of Hong Kong. (1965)
19- Glubb, John, "The changing scenes of life autobiography" (1983)
20- Rappaport, Uriel “The Story of Dead Sea Scrolls” History House. Inc. New York.
21-Simonis, Damien., &Finlay, Hugh" Jordan &Syria" Lonely Planet Publication, Australia (1993).
ابحث
أضف تعليقاً