بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ عبد القادر الجيلاني المتصوف المصلح
أ. د. قحطان عبد الرحمن الدوري
عَـمَّـان، المملكة الأُردنية الهاشمية
من الرجال الأفذاذ في التاريخ الإسلامي، الذين كان لهم الدور الكبير في إصلاح المجتمع وعلاج دائه الوبيل، الشيخ المتصوف عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى.
اسمه ونسبه:
هو محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد. ينتهي نسبه إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم[1].
وأُمّـه أُمّ الخير أَمَـة الجَـبَّـار فاطمة بنت أبي عبد الله الـصَّـوْمَـعِـيّ[2]. ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما[3].
وكان لها حظ وافر من الخير والصلاح[4].
والصومعي من جملة مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم، وله أحوال وكرامات[5].
فالشيخ عبد القادر رضي الله عنه حسني الأب، حسيني الأُمّ.
وهو خال السيد أحمد الرفاعي[6].
ميلاده:
اختلفوا في سنة مولده على قولين:
القول الأول: ولد سنة 470هـ[7].
قال ولده عبد الرزاق: سألت والدي عن مولده، فقال: لا أعلمه حقيقة، لكني قَـدِمـت بغداد في السنة التي مات فيها التميمي، وعمري إذ ذاك ثماني عشرة سنة. والتميمي توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة[8].
وعليه: يكون مولده سنة 470هـ[9].
القول الثاني: ولد سنة 471هـ[10].
وذكر بعضهم التاريخين معاً، ولم يجزم بواحد منهما[11].
وكانت ولادته في جِـيْـلان[12].
عصره:
عاصر الشيخ عبد القادر ستة خلفاء عباسيين، هم:
المقتدي بأمر الله، والمستظهر بالله، والمسترشد بالله، والراشد بالله، والمقتفي لأمر الله، والمستنجد بالله.
وفي أيام هؤلاء الخلفاء كان الصراع دائراً بينهم وسلاطين السلاجقة، الذين يريدون بسط نفوذهم على الدولة العباسية، مما أدى إلى اضطرابات سياسية عنيفة في البلاد[13].
ومما زاد الصراع عنفاً الدولة الفاطمية في مصر وشمال إفريقية، التي كانت تدين بمذهب الشيعة الإسماعيلية، الذي ينتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.
والإسماعيلية افترقت شعبتين:
أولاهما: وقفت في موت محمد بن إسماعيل، وقالت برجعته بعد موته. وهؤلاء هم القرامطة.
والشعبة الثانية: ساقت الإمامة من بعد إسماعيل في أئمة مستورين: أولهم: ابنه محمد المكتوم إلى أن ظهر عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية. ومن هؤلاء: الـبُـهْـرَة، والحشاشون، والخطابية... .
وكل هؤلاء من الغلاة تستروا بالتشيع. وظهرت منهم العقائد المرذولة، منها:
أن علياً هو الله الخالق البارئ المصور، والنبوة مكتسبة بالمجاهدة، والإمامة فرض.
وقولهم بالحلول والتناسخ.
وقولهم بتحريف القرآن الكريم، وتكفير الصحابة، وأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد[14].
وقولهم بإباحة الأُمَّـهَـات والبنات والأخوات والزنا والخمر وغير ذلك، وقالوا كل ما حرمه الشرع هو مباح.
وقولهم بقتل الناس، وأخذ أموالهم[15].
قال أبو الحسن القابسي:
إن الذين قتلهم عبيد الله (المهدي) وبنوه من العلماء والـعُـبَّـاد أربعة آلاف رجل، ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت[16].
لذل أَمَـرَ أبو سعيد الجَـنَّـابِـيّ ووَلَـدُهُ أبو طاهر عند تمكنهم في دارهم، بترك الصلاة وشرائع الإسلام، وبالاستخفاف بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبالبيت الحرام، وقتل الحجاج، وتخريب المساجد، وبنيان بيوت الشراب، وأمرهم بنكاح المحارم... إلخ.
وذهب ابنه أبو طاهر إلى مكة لإخرابها سنة 317هـ، فدخلها يوم التروية، وقتل من الحجاج في رواية الإمام المنصور بالله ستة آلاف، وفي رواية ابن مالك اثني عشر ألفاً، ورمى القتلى في زمزم، وقلع الحجر الأسود، وبقي عندهم اثنتين وعشرين سنة إلَّا شهراً.
وظل عندهم حتى جاءتهم رسل ابن ياقوت التركي، فردوه لخمس بقين من ذي القعدة سنة 339هـ.
وسلّم أبو طاهر مملكته إلى زِكْـرَوَيْـه المجوسي.
قال الراوي: وتالله لقد رأيتُ المصاحف أيام زِكْـرَوَيْـه يتغوط عليها، ويُمسح بها آثار الغائط تعمداً بذلك[17].
وكان الباطنية يعيثون في الأرض فساداً، فاغتالوا الأعيان والأئمة، منهم: الروياني فخر الإسلام الشافعي الطبري، الذي قتلوه بجامع آمل سنة 502هـ.
ومنهم الحشاشون الذين كان لهم دور كبير في إثارة الرعب في المجتمع الإسلامي وقطع الطريق وتخريب البلاد.
لذلك أفتى العلماء بارتداد الإسماعيلية وزندقتهم، كما قال القاضي عياض: (أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عُـبَـيْـد حال المرتدين والزنادقة).
وكتب الإمام الغزالي كتابه (فضائح الباطنية) رد فيه مقالاتهم، وألزم تكفيرهم والتبري منهم.
وكتب محمد بن الحسن الديلمي كتابه (بيان مذهب الباطنية وبطلانه)[18].
وكتب الشيخ عبد القادر الكيلاني كتابه (الغنية لطالبي طريق الحق) الذي عقد به فصلاً (في بيان الفرق الضالة عن طريق الهدى)[19]، وتحدث فيه عن فرق الغلاة، والإسماعيلية والقرامطة منهم.
وبقي هؤلاء على ضلالهم وعبثهم بأمن البلاد، واتصالهم بالصليبيين، بل كانوا أدلَّاء لهم على المسلمين في الشام وغيرها.
إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي، فبدأ بهم، وأسقط الدولة الفاطمية العبيدية سنة 567هـ، ثم ثَـنَّـى بالصليبيين، لأنه يخشى أن لو بدأ بالصليبيين عاونهم الفاطميون.
ويقابل ذلك ما قام به الفرنجة من اعتداءات.
ففي سنة 492هـ، هاجم الفرنجة بيت المقدس، وقتلوا به أكثر من سبعين ألفاً، منهم العلماء والـعُـبَّـاد. وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم[20].
وفي سنة 543هـ، حاصر الفرنجة دمشق، فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب، وأخوه غازي صاحب الموصل، فـنُـصِـرَ المسلمون عليهم، وهُـزِمَ الفرنجة[21].
يضاف إلى ما تقدم دخول العناصر الأجنبية بعاداتها وتقاليدها، وظهور الفلسفات الوافدة، فتبعثرت المعايير الخلقية، وتكالب الناس على المادة وحب الدنيا، والمناصب.
هؤلاء الخلفاء الستة الذين عاصرهم الشيخ عبد القادر كان من صفاتهم الحزم والقوة ومعرفة السياسة.
إلَّا أنهم مهما أُوتوا من صفات جليلة فإن الظروف المحيطة بهم مما ذكرنا، والأوضاع المضطربة، لا يستطيعون معها أن يحققوا ما تصبو إليه نفوسهم من الاستقرار ورقي البلاد.
فيأتي هنا دور المصلح الذي يفتح الآفاق، فيربي النفوس، ويصف دواءها، وينهض بالمجتمع بهمة قوية، ونفس عازفة عن الشهوات. يملك لساناً ذرباً، يخاطب الناس على قدر عقولهم، العلماء منهم وعامة الناس، ويهدي الحائرين إلى سبيل الحق، ويهذب النفوس، ويجدد الصلة بالله تعالى، ويذكّر بالآخرة، ويُـخْـلِـص الدينَ لله تعالى، فيعيد صورة مجتمع الصحابة رضي الله عنهم.
ظهر الشيخ عبد القادر في هذه الظروف العصيبة متصوفاً، ومجدداً، وداعياً إلى رأب الصدع الذي حدث في النفوس.
فتسلّم الزعامة الدينية، والتفَّ حوله الناس، ورأوا فيه المنقذ المداوي أمراض المجتمع الوبيلة.
قدومه بغداد:
بغداد مركز العالم الإسلامي، ومؤئل الحضارة، وعاصمة الخلافة، فيها المدارس والمكتبات ودور العلم والشيوخ والحلقات العلمية، فلا غرابة أن تكون محط أنظار الطلبة من كل أنحاء البلاد.
قدم الشيخ عبد القادر بغدادَ شاباً، سنة 488هـ[22]، وله من العمر ثماني عشرة سنة[23].
وجاء إلى زاوية الشيخ حماد بن مسلم الدباس أول دخوله بغداد[24].
شيوخه:
كان الشيخ عبد القادر حريصاً على تحصيل العلوم الشرعية، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وأنه أبلغ حجة، وأرفع معارج اليقين. فَـشَـمَّـرَ عن ساعد الجد في طلب أُصوله وفروعه.
وقصد الشيوخ أعلام الهدى، ينهل من علومهم.
فقرأ القرآن الكريم حتى أتقنه[25].
وسمع الحديث من:
أبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأبي سعد محمد بن عبد الكريم بن خُـشَـيْـش[26]، وأبي بكر أحمد بن المظفر بن سُـوسَـن، وأبي القاسم علي بن أحمد الرزاز[27]، وغيرهم.
وقرأ الفقه على:
أبي الوفاء علي بن عقيل، وأبي الخطاب محفوظ الـكَـلْـوَذَانِـيّ[28]، والقاضي أبي الحسين بن الفراء، وأبي سعد الـمُـخَـرِّمِـيّ[29]، وغيرهم.
وقرأ الأدب على:
أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي[30].
وله شيوخ آخرون.
تلاميذه:
حَـدَّثَ عنه الكثير، منهم:
السمعاني صاحب الأنساب، وعمر بن علي القرشي، والحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، والشيخ موفق الدين بن قدامة، وعبد الرزاق، وموسى، ولداه، والشيخ علي بن إدريس. وخلق آخرون[31].
وانتمى إليه جمع من العلماء، والمشايخ، وأخذوا عنه من العلوم، منهم:
الشيخ الإمام القدوة أبو عمرو عثمان بن مرزوق القرشي. قال الشيخ عبد الرزاق: لما حج والدي رحمه الله في السنة التي كنت معه فيها، اجتمع به في عرفات الشيخان: ابن مرزوق وأبو مدين، ولبسا منه خرقة بركة، وسمعا عليه جزءاً من مروياته، وجلسا بين يديه.
وسرد التاذفي أسماء كثيرة لعلماء تلقوا العلم على يد الشيخ عبد القادر، وقال بعد ذلك: (وغيرهم ممن لا يمكن إثبات اسمه بهذا المختصر خوف الإطالة والضجر)[32].
مذهبه:
الشيخ عبد القادر حنبلي المذهب[33]. بل قال السمعاني: هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره[34].
عقيدته:
للشيخ عبد القادر كلام حسن في التوحيد، والصفات، والقدر، ونحوها، وكان متمسكاً فيها بالسنة، مبالغاً في الرد على من خالفها[35].
وكان يقول: مروا بأخبار الصفات على ما جاءت[36].
طريقه في التصوّف:
صحب الشيخ حماد الدباس[37]، وأخذ عنه علم الطريقة[38]، بعد أن لبس الخرقة من أبي سعد المبارك الـمُـخَـرِّمِـيّ[39].
ثم أظهره الله للناس، وحَـدَّثَ، وصَـنَّـفَ، ووقع له القبول التام[40].
وقال القاضي الـمُـخَـرِّمِـيّ:
لبس عبد القادر الجيلي مني خرقةً، ولبستُ منه خرقةً، يتبرك كل واحد منا بالآخر[41].
وكان أبو سعد الـمُـخَـرِّمِـيّ قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزَج، ففوضت إلى الشيخ عبد القادر، فتكلم بلسان الوعظ، وظهر له صيتٌ بالزهد.
فضاقت مدرسته بالناس، فكان يجلس عند سور بغداد بباب الحَـلْـبَـة مستنداً إلى الـرِّبَـاط.
فعمرت المدرسة ووسِّـعـت[42].
ولازم الانقطاع والخلوة والمجاهدة[43]، فانقطع عن الناس في مدرسته متشاغلاً بالتدريس والتذكير[44].
وكان قد تحمل الأحوال الشاقة، والدخول في الأُمور الصعبة من مخالفة النفس، وملازمة السهر والجوع والمقام في الخراب والصحاري[45].
وانتهت إليه تربية المريدين بالعراق[46].
ووضع الشيخ عبد القادر أُصول تربية المريدين، وآدابهم مع الشيخ، لأن المشايخ هم الطريق إلى الله عز وجل والأدلَّاء عليه، مع لزوم الاعتقاد بأنهم ليسوا بمعصومين.
وهذه التربية يؤكد الشيخ عليها في:
ذكر آداب المريد مع الشيخ، فالواجب عليه:
ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن.
وإن رأى فيه عيباً ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع.
وإذا غضب الشيخ، وعبس في وجهه، لم ينقطع عنه.
ومن آداب المريد:
أن لا يتكلم بين يدي شيخه إلَّا في حالة الضرورة. وإن رأى في جوابه نقصاً فلا يرد عليه، ولا يقول: أخطأ الشيخ في المسألة.
وعليه الانقياد والالتزام ما يأمر به شيخه من التأديب.
ثم انتقل الشيخ عبد القادر إلى ما يجب على الشيخ من تأديب المريد، فقال:
عليه أن يقبله لله عز وجل لا لنفسه، فيعاشره بحكم النصيحة، ويلاحظه بعين الشفقة، فيربيه تربية الوالدة لولدها...، وأسهب في ذلك.
ثم تحدث الشيخ عبد القادر عن الصحبة مع الإخوان بالإيثار والفتوة والصفح عنهم.
وعن الصحبة مع الأجانب، فينظر إليهم بعين الشفقة والرحمة.
وعن الصحبة مع الأغنياء، بترك الطمع مما في أيديهم.
وعن الصحبة مع الفقراء، بإيثارهم وتقديمهم على النفس بالمأكول والمشروب، واحذر أن تمنّ عليهم بذلك.
وذكر الشيخ آداب الـعِـشْـرَة مع إخوانه، فيكون منبسط الوجه معهم، ولا يخالفهم بشرط أن لا يكون فيه خرق للشرع.
ولا يكون ممارياً، ويكون مساعداً صبوراً ساتراً للعيوب.
وتحدث الشيخ عن آداب الفقراء عند الأكل، فلا يأكلوا بالشره، وأن يذكروا اسم الله بقلوبهم عند الأكل.
وأن لا يمدوا أيديهم قبل من هو فوقهم.
وذكر آداب الفقراء فيما بينهم، ومنها:
أن يجتهد المريد في تقديم الطعام إلى الفقراء، وأن يكون أنظف ما يمكنه.
ولا ينبغي له أن يرفع صوته بينهم بتسبيحه وقراءته، بل يخفيه عنهم.
ولا يكثر من النوافل بين أيديهم... .
وذكر الشيخ آدابهم مع الأهل والولد، ومنها:
حسن الخلق، والإنفاق عليهم بالمعروف بما أمكنه، وعدم إطعامهم الحرام، ويجب أن يؤدب أهله بملازمة ظاهر العلم والشريعة.
وذكر الشيخ آدابهم في السفر، منها:
أن يعاشر أصحابه في سفره بحسن الخلق، وجميل المداراة، وترك اللجاج في جميع الأشياء.
وتكلم عن آداب السماع ولبس الخرقة.
ثم قال الشيخ عبد القادر:
وهذا آخر ما أَلِـفْـنَـا من آداب القوم على وجه الاختصار والإقلال[47].
والذي ذكرته هنا إنما هو إشارات مما أفاض به الشيخ في كتابه الغنية لطالبي طريق الحق.
وقد سبقه في كثير منها الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وغيره.
مجالسه ووعظه:
كان أول جلوسه للوعظ في شوال سنة 521هـ[48]، وكان المجلس بالحَـلْـبَـة الـبَـرَّانِـيَّـة[49].
واعتقد الناس صلاحه وديانته، وانتصر أهل السنة بظهوره، واشتهرت أحواله وكراماته ومكاشفاته[50].
وازدحم الخلق عليه، وكان الناس يجيئون على الخيل والبغال والحمير والجمال، وبعضهم يأتي بالليل بالشمع والمشاعل.
ولما ضاق المجلس أُخرج كرسي الشيخ إلى خارج البلد، وجُـعِـلَ في الـمُـصَـلَّـى[51].
وبعد الفراغ من بناء مدرسة أبي سعد الـمُـخَـرِّمِـيّ سنة 528هـ تصدّر فيها الشيخ عبد القادر للتدريس والفتوى والوعظ[52].
وقُـصِـدَت بالزيارات والنذور، واجتمع عنده بها من العلماء والفقهاء والصالحين جماعة من الآفاق، فحملوا عنه[53].
وأقام فيها يدرس ويعظ إلى أن توفي[54].
وكان يكتب ما يقول في مجلسه أربعمائة محبرة عالم وغيره[55].
وما كان يخرج من مدرسته إلَّا يوم الجمعة إلى الجامع أو إلى الرباط. وما كان أحد يراه إلَّا في أوقات الصلاة[56].
وقال ابنه الشيخ عبد الوهاب: كان والدي يتكلم في الأُسبوع ثلاث مرات، بالمدرسة بكرة الجمعة، وعشية الثلاثاء، وبالرباط بكرة الأحد[57].
وكان سكوت الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلم على خواطر أهل المجلس، ويواجههم بالكشف. فظهر له صيت عظيم[58].
سعة علمه:
برع الشيخ عبد القادر في المذهب والخلاف والأُصول[59].
وكان يتكلم في ثلاثة عشر علماً: التفسير، والحديث، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأُصول، والنحو.
وكان يقرئ القرآن بالقراءات بعد الظهر[60].
كتبه:
أَلَّـفَ الكثير من الكتب والرسائل، على رأسها:
الغنية لطالبي طريق الحق، وفتوح الغيب، والفتح الرباني والفيض الرحماني، والفيوضات الربانية. وهذه كلها مطبوعة.
وله كتب ورسائل لا زالت مخطوطة.
وهذا يدل على علمه الواسع وفهمه الثاقب.
فتاواه:
قال الشيخ عمر البزار: كانت الفتاوى تأتيه من بلاد العراق وغيره، وما رأيناه تبيت عنده فتوى ليطالع عليها، أو يفكر بها، بل يكتب عليها عقيب قراءتها.
وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام أحمد رحمهما الله تعالى[61].
صفته:
كان جميل الصفات، شريف الأخلاق، كامل الأدب والمروءة، دائم البشر، وافر العلم والعقل، مُـعَـظِّـمـاً لأهل العلم، مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى الموت، سخي اليد، كريم النفس على أجمل طريقة[62].
وكان ذا هيبة عظيمة، إذا نظر إلى أحد يكاد يرعد من هيبته[63].
وكان شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله عز وجل[64].
وكان في وسط الشتاء وقوة برده يلبس قميصاً واحداً، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يُـرَوِّحـه بمروحة، كما يكون في شدة الحر[65].
إنفاقه على الفقراء:
قال ابن النجار:
قال الشيخ عبد القادر: فتشت الأعمال كلها، فما وجدتُ فيها أفضل من إطعام الطعام، أودُّ لو كانت الدنيا بيدي فأُطعمها الجياع[66].
وقال الشيخ عبد القادر أيضاً:
كفي مثقوبة، لا تضبط شيئاً، لو جاءني ألف دينار لم أُبَـيِّـتْـهَـا، وكان إذا جاءه أحد بذهب، يقول: ضَـعْـهُ تحت السجّادة[67]، ولا يمسّه، فإذا جاء خادمه قال: خذ ما تحت الوسادة، وأعطه الخباز والبقال[68].
وكان إذا جاءته خلعة من الخليفة، يقول: أعطوها الطحان.
وكان له حنطة مرباة من الحلال بيد بعض أصحابه، يطحنها ويخبز له كل يوم أربعة أرغفة أو خمسة، فكان الشيخ يفرق منها على من حضره كسرة كسرة، والباقي يدخره لنفسه.
وكان إذا أُهديت له هدية يفرق منها على من حضره ذلك الوقت. وكان يقبل الهدية ويكافئ عليها.
ويقبل النذور ويأكل منها[69].
وذكر بعض الذين ترجموا له قصصاً في إنفاقه وتفقده المحتاجين.
قوله الحق وموقفه من السلطان والمنافقين:
كان الشيخ عبد القادر يصدع بالحق على المنبر، وينكر على من يُـوَلِّـي الـظَّـلَـمَـة على الناس.
فلما وَلَّـى المقتفي القاضيَ ابن الـمُـرَخِّـم، وكان ظالماً، قال الشيخ على المنبر: وَلَّـيْـتَ على المسلمين أظلم الظالمين، ما جوابك غداً عند رب العالمين؟[70].
فارتعد الخليفة وبكى، وعزل القاضي المذكور لوقته[71].
وحكى محمد بن الخضر، عن أبيه قال:
خدمتُ سيدي الشيخ عبد القادر ثلاث عشرة سنة فما رأيته قام لأحد من العظماء، ولا أَلَـمَّ بباب ذي سلطان، ولا جلس على بساطه، ولا أكل من طعامه إلَّا مرة واحدة[72].
وكان الشيخ ينكر على المنافقين، ويخاطبهم بكل صراحة:
يا خونة في العلم والعمل، أنتم في ظلم ظاهر ونفاق ظاهر، كم تنافقون الملوك والسلاطين، حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها.
أنتم وأكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة خونة في مال الله عز وجل في عباده[73].
إجلال الناس له:
كان الشيخ عبد القادر إذا قام فوق الكرسي يقوم الناس لجلالته، وإذا قال لهم: اسكتوا، سكتوا، حتى لم يُـسْـمَـعْ منهم سوى أنفاسهم، هيبة له[74].
ثناء المشايخ عليه:
كلمات الثناء من المشايخ والأكابر على الشيخ عبد القادر تكاد لا تحصر.
فقد وصفه السمعاني، وهو ممن أخذ عن الشيخ عبد القادر، بقوله: كان عبد القادر من أهل جيلان، إمامَ الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه، صالح، دَيِّـن، خَـيِّـر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، كتبتُ عنه[75].
وقال الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه (المتوفى سنة 557هـ):
كانت الأوقات التي جالسنا فيها الشيخ عبد القادر رضي الله عنه، كأنها في المنام، كانت أخلاقة رضية، وأوصافه زكية، ونفسه أبية، وكفه سخية[76].
وقال الشيخ أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الواعظ (المتوفى سنة 575هـ):
ما رأت عيناي أحسنَ خُـلُـقـاً، ولا أوسع صدراً، ولا أكرم نفساً، ولا أعطف قلباً، ولا أحفظ عهداً ووداً من الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلي رضي الله عنه[77].
وسئل عنه الشيخ أبو مدين شعيب بن حسين الأندلسي، المدفون في تلمسان بالجزائر، المتوفى سنة 590هـ، وهو من كبار تلاميذ الشيخ عبد القادر، فقال:
كان ظاهر الوضاءة، دائم البشرة، كثير البهاء، شديد الحياء، ما رأيتُ أنزه لساناً، ولا أظهر لفظاً منه.
وكان يقول:
إن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه سريع الدمعة، شديد الخشية، كثير الهيبة، مجاب الدعوة، كريم الأخلاق، طيب الأعراق، أبعد الناس عن الفحش، أقرب الناس للحق، شديد البأس إذا انتهكت محارم الله عز وجل، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لغير ربه، ولا يرد سائله. كان التوفيق رائده، والأُنس نديمه، والبسط نسيمه، والصدق رايته، والفتح بضاعته، والـذِّكْـر وزيره، والفكر سميره، والمكاشفة غذاءه، والمشاهدة شفاءه، وآداب الشريعة ظَـاهِـرَهُ، وأوصاف الحقيقة سرائره[78].
والكلمات في وصفه كثيرة جداً.
لقبه:
كان الشيخ عبد القادر يلقب بالباز الأشهب[79].
تواضعه:
قال الشيخ الـمُـعَـمَّـر جرادة:
ولقد كان مع جلالة قَـدْره، وعُـلُـوّ منزلته، وسَـعَـة علمه، يقف مع الصغير، ويوقر الكبير، ويبدأ بالسلام، ويجالس الضعفاء، ويتواضع للفقراء[80].
التوبة على يديه:
تاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم معظم اليهود والنصارى[81].
قال الجبائي:
قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر: أراد الله عز وجل مني منفعة الخَـلْـق، فإنه قد أسلم على يَـدَيَّ أكثر من خمس مئة من اليهود والنصارى، وتاب على يَـدَيَّ من الـعَـيَّـارِيْـن والمسالحة وقطاع الطرق أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير[82].
عبادته:
قال الشيخ أبو الفتح الهَـرَوِيّ:
خدمتُ سيدي الشيخ عبد القادر أربعين سنة، فكان في مدتها يصلي الصبح بوضوء العشاء.
وكان يصلي العشاء ويدخل خَـلْـوَتَـهُ، ولا يدخلها معه أحدٌ.
قال: وبتُّ عنده ليالي، فكان يصلي أول الليل يسيراً، ثم يذكر الله إلى أن يمضي الثلث الأول، ثم يصلي قائماً على قدميه يتلو إلى أن يذهب الثلث الثاني، وكان يطيل في سجوده جداً.
ثم يجلس متوجهاً إلى قريب طلوع الفجر، ثم يدعو ويبتهل ويتذلل إلى صلاة الصبح[83].
توكله على الله تعالى:
قال أبو عبد الله النجار:
قال لي سيدنا الشيخ عبد القادر: تَـرِدُ عَـلَـيَّ الأثقالُ الكبيرة، لو وُضِـعَـت على الجبال تفسَّخت، فإذا كثرت عَـلَـيَّ وضعتُ جنبي على الأرض، وقلت: (فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً) – الشرح: 5-6.
ثم أرفع رأسي، وقد انفرجت عني تلك الأثقال[84].
كراماته:
غالب من ترجم للشيخ عبد القادر ذكر من كراماته.
قال موفق الدين بن قدامة صاحب المغني:
لم اسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه – أي: عن الشيخ عبد القادر -، ولا رأيتُ أحداً يُـعَـظِّـمُـهُ الناسُ للدين أكثر منه[85].
وقال الشيخ العز بن عبد السلام:
ما نُـقِـلَـت إلينا كراماتُ أحدٍ بالتواتر، إلَّا الشيخ عبد القادر[86].
ونحو ذلك قول النووي[87]، واليافعي[88]، وغيرهم[89].
أولاده:
قال الشيخ عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر:
ولد لوالدي تسعة وأربعون ولداً: سبعة وعشرون ذكوراً، والباقي إناثاً. رحمه الله تعالى[90].
وكان قد تزوج أربع زوجات[91].
وفاته:
توفي الشيخ عبد القادر ليلة السبت، ثامن ربيع الآخر سنة 561هـ إحدى وستين وخمسمائة[92].
ودفن بمدرسته[93] من وقته[94] في الليل من كثرة الزحام[95].
وصلى عليه ولده عبد الوهاب[96]، وشَـيَّـعَـهُ خلق لا يحصون[97].
وضريح الشيخ عبد القادر في جامعه في جانب الرصافة ببغداد، وهو من أجمل جوامعها وأوسعها اليوم.
عمره:
عمر الشيخ عبد القادر تجاوز تسعين سنة.
وعند احتضاره سأله ولده الشيخ عبد الجبار:
ماذا يؤلمك من جسمك؟
فقال رضي الله عنه: جميع أعضائي تؤلمني إلَّا قلبي، فما به من ألم، وهو مع الله عز وجل.
ثم أتاه الموت، فكان رضي الله عنه يقول:
استعنتُ بلا إله إلَّا الله سبحانه وتعالى، والحي الذي لا يخشى الفوت، سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر عباده بالموت، لا إله إلَّا الله محمد رسول الله.
ثم خرجت روحه الكريمة[98].
ورثاه كثيرون.
هذه الصفات التي ذكرناها في الشيخ، وحرصه على نشر العلم والفضائل، ومسيرته الطويلة في تربية المريدين، وإنفاقه على الفقراء، وتفقده المحتاجين، وما يتصل بذلك من سجايا، هذه كلها تؤهله للصدارة في المجتمع مرشداً، ومربياً، ومعلماً، وداعياً إلى الله سبحانه.
فكان المجدد لهذا الدين، ومصلحاً، متمسكاً بالكتاب والسنة، لا يلتفت إلى أعراض الدنيا، متأسياً بما كان عليه الصحابة والتابعون.
وهذه غايته التي كان ينشدها في حياته.
ورأى أن هذه الغاية لا تتحقق إلَّا بسلوكه طريق التصوف الصافي، والزهد.
فكان تأثيره كبيراً في إصلاح المجتمع.
تصوّف الشيخ عبد القادر:
اسم التصوف والصوفية اشتهر قبل المائتين للهجرة، لعدد من الأكابر، مثل:
إبراهيم بن أدهم البلخي، المتوفى سنة 161هـ.
وداود بن نصير الطائي، المتوفى سنة 165هـ.
والفضيل بن عياض، المتوفى سنة 187هـ.
وشقيق بن إبراهيم البلخي، المتوفى سنة 194هـ.
ومعروف الكرخي، المتوفى سنة 200هـ.
وبشر الحافي، المتوفى سنة 227هـ.
والحارث بن أسد المحاسبي، المتوفى سنة 243هـ.
وغيرهم[99].
والعلماء اختلفوا في اشتقاق لفظ التصوف في أصل اللغة على أقوال:
أنه منسوب إلى أهل الصفة، أو من الصف الأول، أو من الصفاء، أو من لبس الصوف. واختلفوا في إثباتها.
وأُثرت عن المتقدمين معانٍ اصطلاحية للتصوف:
فأبو محمد الجريري يقول: التصوف هو الدخول في كل خُـلُـق سَـنِـيّ، والخروج من كل خُـلُـق دَنِـيّ.
وللعلماء المتصوفة تعاريف كثيرة ذكر جملةً منها القشيريُّ في رسالته، وابن الجوزي في تلبيس إبليس، وغيرهما.
وكلها تدور حول ما ذكره أوائلهم من التعويل على الكتاب والسنة.
قال الجنيد البغدادي، المتوفى سنة 297هـ: مذهبنا هذا مقيد بالأُصول: الكتاب والسنة.
وقال أيضاً:
علمنا منوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به[100].
ونقل الشيخ عبد القادر أن التصوف هو الصدق مع الحق، وحسن الخُـلُـق مع الخَـلْـق[101].
وقال: التصوف مشتق من الصفاء، فليس كل من لبس الصوف صادقاً في تصوفه، يصفو قلبه عما سوى مولاه عز وجل. هذا شيء لا يجيء بتغيير الخرق، وتصفير الوجوه، وجمع الأكتاف، ولقلقة اللسان بحكايات الصالحين، وتحريك الاصابع بالتسبيح والتهليل، وإنما يجيء بالصدق في طلب الحق عز وجل، والزهد في الدنيا[102].
وقال الشيخ عبد القادر أيضاً:
أُوصيك بتقوى الله وطاعته، ولزوم ظاهر الشرع، وسلامة الصدر، وسخاء النفس، وبشاشة الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى، وحمل الأذى والفقر، وحفظ حرمات المشايخ، والعشرة مع الإخوان، والنصيحة للأصاغر والأكابر، وترك الخصومة، والإرفاق، وملازمة الإيثار، ومجانبة الادخار[103].
وقال الشيخ عبد القادر في ضابط التصوف كما يراه:
كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طِـرْ إلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة[104].
وقال أيضاً:
ترك العبادات المفروضات زندقة، وارتكاب المحظورات معصية، لا تُـسْـقِـط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال[105].
وهذا التمسك بأهداب الشريعة الإسلامية تكون نتيجته الابتعاد الكامل عن كل ما طرأ على التصوف من أفكار بعيدة عن الدين.
وكانت تلك الأفكار الفلسفية، كفكرة الفيض، ونظرية الاتحاد، ووحدة الوجود، والشطحات التي ظهرت عندهم، والتي أحدثت فجوة كبيرة بين الصوفية والفقهاء والـمُـحَـدِّثِـيْـن، لم تجد لها قبولاً عند العلماء، بل دعا بعضَ علماء التصوف إلى أن يضع قواعد للتصوف.
فكتب الكلاباذي المتوفى سنة 380هـ كتابه: التعرف لمذهب أهل التصوف، والقشيري المتوفى سنة 465هـ: الرسالة القشيرية، والغزالي المتوفى سنة 505هـ كتابه: إحياء علوم الدين، الشيخ عبد القادر الكيلاني كتابه: الغنية، وغير ذلك.
وكتبهم كلها تبين أن الصوفي الحَـقَّ مسلم صافٍ لا يخرج عن الكتاب والسنة.
وممن كتب في هذا الباب الإمام النووي المتوفى سنة 676هـ، الذي ذكر خلاصة ما قاله السابقون، ونَـسَّـقَـهُ في كتابه (المقاصد)، وانتهى فيه إلى أن أُصول طريق التصوف خمسة، وهي تمثل الإسلام الصحيح في صفائه، واستقامته.
وسترى هذه الأُصول الخمسة في كلام الشيخ عبد القادر واضحة بينة، كما سأُوضحه فيما يأتي:
الأصل الأول: تقوى الله في السر والعلانية.
وتحقيق هذا الأصل يكون بالورع، وهو التجنب عن المحرمات والمكروهات والمشبوهات، وبالاستقامة على الطاعات[106].
قال الشيخ عبد القادر:
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله). ثم قال الشيخ من كلام طويل:
... من أحب الغنى في الدين والدنيا فليتق الله عز وجل دون غيره، ويقف على بابه[107].
وبَـيَّـنَ كلام العلماء في معنى التقوى وحقيقة المتقي، حين شرح قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) – الحجرات: 13، واستعرض أقوال عدد من الصحابة والتابعين وأتباعهم وأعلام المتصوفة، ثم قال: طريق التقوى، أولاً: التخلص من مظالم العباد وحقوقهم، ثم من المعاصي الكبائر منها والصغائر، ثم الاشتغال بترك ذنوب القلب التي هي أُمَّـهَـات الذنوب وأُصولها[108].
الأصل الثاني: متابعة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم في العقائد والأقوال والافعال والأخلاق.
وتحقيق هذا الأصل يكون بكمال الاتباع، والتحفظ من الابتداع، وحسن الخلق[109].
وترجم الشيخ عبد القادر ذلك في كتبه، وعلى رأسها كتابه الغنية، فَـبَـيَّـنَ فيه أن ما يجب على من يريد الدخول في ديننا أولاً: أن يتلفظ بالشهادتين. ثم أوضح أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج والآداب العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم بَـيَّـنَ معرفة الصانع والإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والبدع، والفرق الإسلامية، والاتعاظ بمواعظ القرآن، والتوبة، والتقوى. وختم الكتاب ببيان آداب المريدين والتصوف وما يتصل به.
الأصل الثالث: الأعراض عن الخَـلْـق في الإقبال والإدبار.
وتحقيق هذا الاصل يكون بالصبر على تحمل المشقة على أذى الناس، وتفويض الحال إلى الباري عز وجل[110].
والشيخ عبد القادر بَـيَّـنَ هذا الاصل حين تكلم عن النجاة، بإيراده قول الحسن البصري: ما نجا من نجا إلَّا بالإعراض عن الدنيا وأهلها، قال تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) – الحديد: 20.
وأقوال أُخرى[111].
الأصل الرابع: الرضا عن الله تعالى في القليل والكثير.
وتحقيق هذا الأصل يكون بالقناعة، والرضا بالدون، والتسليم لله[112].
قال الشيخ عبد القادر:
أرضَ بالدون، والزمه جداً حتى يبلغ الكتاب أجله، فتنقل إلى الأعلى والأنفس، وبه تهنأ... .
واعلم أن الـقَـسْـمَ لا يفوتك بترك الطلب، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطلب والجد والاجتهاد، فاصبر والزم الحال، وارضَ به[113].
الأصل الخامس: الرجوع إلى الله تعالى في السراء والضراء.
وتحقيق هذا الأصل: يكون بالشكر له في السراء، أي: الرجاء والصحة والغنى. وباللجوء إليه في الضراء، أي: الشدة والفقر والعناء[114].
قال الشيخ عبد القادر:
لا تَـشْـكُ لأحد ما نزل بك من ضر كائناً ما كان، صديقاً أو قريباً، ولا تتهمنَّ ربك فيما فعل فيك، ونزل بك من إرادته، بل أظهر الخير والشكر، ... لا فاعل سوى ربك، (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلَّا هو) – الأنعام: 17[115].
وهذا يوضح أن الشيخ عبد القادر لم يخرج عن الكتاب والسنة. وهذه الأُصول الخمسة التي هي أُصول التصوف الرشيد، والتي لخصها الإمام النووي من كلام الصوفية الأصفياء، تجلت واضحة في كتابات الشيخ عبد القادر، فلا تطرف في فكره، ولا غلو، ولا إفراط، ولا تفريط. ولا تجد فيه أثراً للنظريات الفلسفية كالحلول، ووحدة الوجود، وغيرها.
أما السماع الذي اشتهر عند المتصوفة، فقد سُـئِـلَ شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي العسقلاني، هل ورد عن الشيخ عبد القادر أنه حضر السماع الذي اتخذه الفقراء بالدفوف والمواصيل وغير ذلك من الآلات أو أمر بحضوره، أو قال فيه شيئاً بإباحة أو تحريم؟
فأجاب رحمة الله عليه:
أما الشيخ عبد القادر فالذي وصل إلينا من أخباره الصحيحة: أنه كان فقيهاً زاهداً عابداً، يتكلم على الناس، ويرغبهم في الزهد والتوبة، ويحذرهم من العقوبة على المعصية، فكان يتوب على يده من الخلق ما لا يحصى كثرة، وله كرامات مستفيضة لم ينقل لنا عن أحد من أهل عصره ولا من بعده أكثر ما نقل عنه.
ولا أعرف عنه في مسألة السماع بهذه الآلات شيئاً[116].
طريق الشيخ عبد القادر في الإصلاح:
ويتضح طريقه بما يأتي:
1- إصلاح الفرد:
حين يذكر الشيخ عبد القادر ما يجب على المريد للوصول إلى الله تعالى، إنما يؤكد أن الفرد يكون لبنة صالحة لبناء المجتمع السليم إذا أخذ بأُمور سبعة، هي أساس طريقته، وهي:
المجاهدة، والتوكل، وحسن الخلق، والشكر، والصبر، والرضا، والصدق.
وشَـرَحَ هذه الأُمور السبعة، فذكر:
1. المجاهدة. قال: الأصل فيها قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) – العنكبوت: 69.
والأصل في المجاهدة مخالفة الهوى، فيفطم نفسه عن المألوفات والشهوات واللذات، ويحملها على خلاف ما تهوى في عموم الأوقات.
ولا تتم المجاهدة إلَّا بالمراقبة، وهي التي سميت بحديث الإيمان (الإحسان).
ولأهل المجاهدة والمحاسبة وأُولي العزم عشر خصال، فإذا أقاموها وصلوا إلى المنازل الشريفة. وعددها، ومنها:
أن لا يحلف العبد بالله عز وجل صادقاً ولا كاذباً... .
وأن يجتنب الكذب هازلاً وجادّاً...[117].
2. التوكل. والأصل فيه قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) – الطلاق: 3.
وحقيقة التوكل: تفويض الأُمور إلى الله عز وجل، فيقطع العبد أن لا تبديل للقسمة، فما قُـسِـمَ له لا يفوته، وما لم يقدر له لا يناله، فيسكن قلبه إلى ذلك، ويطمئن إلى وعد مولاه.
وأورد الشيخ أقوالاً كثيرة في التوكل للمشايخ كالجنيد وغيره[118].
3. حسن الخلق. والأصل فيه قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) – القلم: 4.
وحسن الخلق أفضل مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال.
وحسن الخلق مع الله عز وجل أن تؤدي أوامره، وتترك نواهيه، وتطيعه في الأحوال كلها، وتسلم جميع المقدور إليه[119].
4. الشكر. والأصل فيه قوله عز وجل: (لئن شكرتم لأزيدنكم) – إبراهيم: 7.
وحقيقة الشكر عند أهل التحقيق: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع.
وذكر الشيخ أقوالاً في الشكر عديدة[120].
5. الصبر. والأصل فيه قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) – آل عمران: 200.
وبعد أن تكلم الشيخ على الصبر وأضربه، جاء بقول الخواص رحمه الله تعالى: الصبر الثبات مع الله تعالى على أحكام الكتاب والسنة[121].
6. الرضا. والأصل فيه قوله عز وجل: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) – المائدة: 119.
والراضي هو الذي لا يعترض على تقدير الله عز وجل[122].
7. الصدق. والاصل فيه قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) – التوبة: 119.
والصدق: هو استواء السر والعلانية.
والصادق: هو ا لذي صَـدَقَ في أقواله.
والـصِّـدِّيْـق: هو من صدق في أقواله وجميع أفعاله وأحواله[123].
فالشيخ يدعو إلى إصلاح الفرد بإصلاح سريرته، قال:
أصلحوا قلوبكم، فإنها إذا صَـلَـحَـت صَـلَـحَ لكم سائر أحوالكم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (في ابن آدم مضغة إذا صلحت صَـلَـحَ لها سائر جسده، وإذا فسدت فسد لها سائر جسده، ألَا وهي القلب).
صلاح القلب بالتقوى، والتوكل على الله عز وجل، والتوحيد له، والإخلاص في الأعمال. وفساده بعدم ذلك[124].
2- التمسك بالكتاب والسنة:
فحين قال الشيخ عدي بن مسافر للشيخ عبد القادر: أوصني.
قال: أوصيك بالكتاب والسنة[125].
وكان الشيخ يوصي التلميذ عنده بقوله:
يا غلام، بينتك ملازمة الكتاب والسنة، والعمل بهما، والإخلاص في العمل[126].
وقال أيضاً:
لا فلاح لك حتى تتبع الكتاب والسنة... اتبع الشيوخ العلماء بالكتاب والسنة، العاملين بهما، وحسّن الظن بهم، وتعلم منهم، وأحسن الأدب بين أيديهم، والعشرة معهم[127].
وقال الشيخ عبد القادر في تربية المريدين:
فالذي يجب على المبتدي في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح، الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة، سنة الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والأولياء، والصديقين.
فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة، والعمل بهما، أمراً ونهياً، أصلاً وفرعاً، فيجعلهما جناحيه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله عز وجل، ثم الصدق، ثم الاجتهاد، حتى يجد الهداية والإرشاد إليه والدليل[128].
لذلك:
كان يتألم لحال الدين، وما أصاب المسلمين بسبب ابتعادهم عنه.
فقال:
حيطان دين نبينا قد تواقعت، تستغيث بمن يبنيه، نهره قد نضب ماؤه، والرب لا يعبد، وإذا عبد عبد رياءً ونفاقاً[129].
وقال أيضاً:
دين محمد صلى الله عليه وسلم تتواقع حيطانه، ويتناثر أساسه، هلموا يا أهل الأرض، نشيد ما تهدم، ونقيم ما وقع[130].
3- الدعوة إلى العلم، والتفقه في الدين، والعمل به:
كان الشيخ عبد القادر حريصاً على دروسه مع طلبته، ومع عامة الناس، ليفقهوا دينهم، ويعملوا به.
فإذا تم لهم ذلك كانوا الأداة الصالحة في إعمار البلد وصلاح الناس.
قال:
يا غلام، علمك يناديك، أنا حجة عليك إن لم تعمل بي، وحجة لك إن عملتَ بي[131].
وقال أيضاً مؤكداً على العلم والعمل به:
ويحك تحفظ القرآن ولا تعمل به، تحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعمل بها، فلأي شيء تفعل ذلك؟ تأمر الناس، وأنت لا تفعل، وتنهاهم وأنت لا تنتهي. قال عز وجل: (كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) – الصف: 3[132].
وأوجب تعلم العلم لله عز وجل، فقال:
يا غلام، تعلم العلم وأخلص، حتى تخلص من شبكة النفاق وقَـيْـدِهِ، اطلب العلم لله عز وجل، لا لخلقه ولا لدنياه.
علامة طلبك العلم لله عز وجل خوفك ووجلك منه عند مجيء الأمر والنهي، تراقبه وتذل له في نفسك، وتتواضع للخلق من غير حاجة إليهم، لا طمعاً فيما في أيديهم.
وتصادق في الله عز وجل، وتعادي فيه[133].
وأوضح أن العلماء العاملين هم النائبون عن سلف الأُمَّـة، فقال:
العلماء العمال بعلمهم نواب السلف، هم ورثة الأنبياء، وبقية الخلف، هم مقدمون بين أيديهم، يأمرونهم بالعمران في مدينة الشرع، وينهونهم عن خرابها.
يجتمعون يوم القيامة هم والأنبياء عليهم السلام، فيستوفون لهم الأُجرة من ربهم عز وجل[134].
وحين كان يسمع الجبائي كتاب حلية الأولياء على ابن ناصر، رقّ قلبه، فاشتهى أن ينقطع عن الخَـلْـق ويشتغل بالعبادة. قال الجبائي: ومضيتُ وصليت خلف الشيخ عبد القادر، فلما صلى جلسنا بين يديه، فنظر إلَـيَّ، وقال: إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه، وتجالس الشيوخ، وتتأدب بهم، فحينئذٍ يصلح لك الانقطاع. ينبغي لصاحب الزاوية أن يكون كالشمعة، ليستضاء بنوره[135].
وقال الشيخ عبد القادر:
تَـفَـقَّـهْ، ثم اعتزل. من عَـبَـدَ اللهَ بغير علم، كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، خذ معك مصباح شرع ربك، من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم[136].
4- استخفافه بالدنيا وإنكاره على المخالفين:
قال الشيخ:
ويلك لو صح إيمانك به، واعتقادك أنه ناظر إليك، قريب منك، رقيب عليك، لاستحيت منه.
إني أقول لكم الحق، ولا أخاف منكم، ولا أرجوكم. أنتم وأهل الأرض عندي كالبق وكالذرّ، لأني أرى الضر والنفع من الله عز وجل لا منكم.
المماليك والملوك عندي سواء.
أَنْـكِـرُوا على أنفسكم وعلى غيركم بالشرع، لا بالهوى والنفس والطبع، ما سكت الشرع عنه فوافقوه في سكوته، وما نطق به فوافقوه في نطقه[137].
والشيخ يرى أن لا بأس بالتمتع بمباحات الدنيا من خيرات وطيبات، إلَّا أنه كان يرى معارضة الانغماس في ملذاتها[138].
5- العدل:
العدل مأمور به شرعاً.
قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) – النحل: 90.
وقال تعالى: (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) – الحجرات: 9.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُـوا) – رواه مسلم.
وبذلك قال الشيخ عبد القادر:
لا تظلم أحداً في الدنيا، فإنك تؤخذ به في الآخرة.
اعدل في الدنيا حتى لا يعدل بك عن طريق الجنة.
الـظَّـلَـمَـة لما تركوا العدل عدل بهم عن طريق دار أهل العدل[139].
6- الرحمة بالناس:
وهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، قال تعالى: (وما أرسلناك إلَّا رحمة للعالمين) – الأنبياء: 107.
دعا الشيخ عبد القادر المسلم قائلاً:
يا غلام، اجهد أنك لا تؤذي أحداً، وأن تكون نيتك صالحة لكل أحد، إلَّا من أمرك الشرع بأذيته، فأذيتك له عبادة[140].
وقال أيضاً:
يا غلام، صم، وإذا أفطرت واسِ الفقراء بشيء من إفطارك...، يا قوم تشبعون وجيرانكم جياع، وتـدّعون أنكم مؤمنون...، ارحم من في الارض حتى يرحمك من في السماء[141].
وقال أيضاً:
العارف خُـلُـقُـهُ من أخلاق الحق عز وجل، فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد الشيطان والنفس والهوى.
إذا رأى أحدكم ولده أسيراً في يد كافر، أليس يجتهد في تخليصه؟ فهكذا العارف، الخلق جميعهم كالأولاد[142].
7- التواضع:
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من تواضع لله رفعه.
لذلك قال الشيخ عبد القادر:
لا تحقروا أحداً من المسلمين، فإن أسرار الحق عز وجل مبذورة فيهم، تواضعوا في أنفسكم، ولا تتكبروا على عباد الله عز وجل[143].
8- الأعمال بالخواتيم:
هذا هو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لذلك قال الشيخ عبد القادر:
يا غلام لا تغتر بعمل، فإن الأعمال بخواتمها، عليك بسؤال الحق عز وجل أن يصلح خاتمتك، ويقبضك على أحب الأعمال إليه. إياك ثم إياك إذا تبت أن تنقض ثم ترجع إلى المعصية[144].
9- النصح:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) – رواه مسلم.
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعتُ رسولَ الله على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) – متفق عليه.
قال الشيخ عبد القادر:
سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق، وجعله أكبر همي.
إني ناصح، ولا أُريد على ذلك جزاءً، آخرتي قد حصلت لي عند ربي عز وجل. ما أنا طالب دنيا، ما أنا عبد الدنيا ولا الآخرة، ولا ما سوى الحق عز وجل. ما أعبد إلَّا الخالق الواحد الأحد القديم.
فرحي بفلاحكم، وغمي لهلاككم[145].
10- الجهاد:
ذكر الشيخ عبد القادر أن الله عز وجل أخبر بجهادين: ظاهر وباطن.
فالباطن: جهاد النفس، والهوى، والطبع، والشيطان، والتوبة عن المعاصي والزلات، والثبات عليها، وترك الشهوات المحرمات.
والظاهر: جهاد الكفار المعاندين له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومقاساة سيوفهم ورماحهم وسهامهم، يَقتلون ويُقتلون.
والجهاد الباطن أصعب من الجهاد الظاهر، لأنه شيء ملازم متكرر...، فمن امتثل أمر الله عز وجل في الجهادين حصلت له المجازاة دنيا وآخرة[146].
11- التوبة:
وتحدث الشيخ عبد القادر عن التوبة: وبَـيَّـن معناها لغةً وهي الرجوع. ومعناها اصطلاحاً: وهي الرجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود في الشرع، والعلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات مبعدات من الله عز وجل ومن جنته، وتركها مُـقَـرِّب إلى الله عز وجل وجنته.
وتحدث باستفاضة عن:
أن التوبة من سائر الذنوب واجبة بإجماع الأُمَّـة بدلالة آيات ذكرها[147].
وعقد فصلاً عن شروط التوبة وكيفيتها، فذكر أن شروطها ثلاثة:
1. الندم على ما عمل من المخالفات.
وعلامة صحة الندم: رقة القلب، وغزارة الدمع.
2. ترك الزلات في جميع الحالات والساعات.
3. العزم على أن لا يعود إلى مثل ما اقترف من المعاصي والخطيئات[148].
وذكر: أن المعاصي إذا كانت تتعلق بحق الله تعالى، لا تتعلق بمظالم العباد كالزنا وشرب الخمر والملاهي، فتوبته عنها بالندم والتحسر والاعتذار إلى الله عز وجل.
وأما في حق العباد فلا يخلو أن يكون في: النفوس، أو في الأموال، أو الأعراض، أو القلوب... .
فإن كانت المظلمة في الأموال فليحاسب نفسه على الذرات من أول يوم جنايته إلى يوم توبته[149].
فإذا تخلص من مظالم العباد، وتفرغ لعبادة الله في خاصته، سلك طريق الورع... .
ولا يتم الورع إلَّا أن يرى عشرة أشياء، فريضة على نفسه، هي:
1. حفظ اللسان من الغيبة.
2. الاجتناب عن سوء الظن.
3. الاجتناب عن السخرية.
4. غض البصر عن المحارم.
5. صدق اللسان.
6. أن يعرف مِـنَّـة الله عليه.
7. أن ينفق ماله في الحق لا في الباطل.
8. أن لا يطلب لنفسه العلو والكبر.
9. المحافظة على الصلوات الخمس.
10. الاستقامة على السنة والجماعة.
وأورد لكل أمر من هذه العشرة آيات تدل عليه[150].
ثم ذكر الأخبار والآثار الواردة في التوبة[151].
ثم أورد الأشياء التي تعرف بها توبة التائب، وهي أربعة:
1. أن يملك لسانه من الفضول والغيبة والنميمة والكذب.
2. أن لا يرى لأحد في قلبه حسداً ولا عداوة.
3. أن يفارق إخوان السوء.
4. أن يكون مستعداً للموت، نادماً مستغفراً لما سلف من ذنوبه، مجتهداً في طاعة ربه[152].
ثم أورد الشيخ عبد القادر أقاويل شيوخ الطريقة في التوبة، منها:
قول أبي بكر الواسطي رحمه الله: التوبة النصوح أن لا يبقى على صاحبها أثر من المعصية سراً ولا جهراً. ومن كانت توبته نصوحاً لا يبالي كيف أمسى وأصبح[153].
هذه التوبة التي أفاض الشيخ عبد القادر الكلام فيها هي طريق الوصول إلى الله تعالى. قال تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) – النور: 31.
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً) – التحريم: 8.
والشروط الثلاثة للتوبة التي تقدمت في كلام الشيخ هي التي ذكرها العلماء، مثل: القشيري، والقرطبي، والنووي، وغيرهم.
وإذا فقد شرط منها لم تصح التوبة أصلاً، فمثلاً:
لو ترك المعصية من غير ندم لا يكون تائباً شرعاً، وكذلك من ندم عليها لكونها أضرت ببدنه.
وأُضيف شرط رابع هو: أن يكون ذلك حياءً من الله تعالى وخوفاً منه لا من غيره.
وهذا، كما قدمنا من كلام الشيخ، إذا كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى.
أما إن كانت متعلقة بحق آدمي، فيشترط إضافة إلى الشروط السابقة:
أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مَـكَّـنَـهُ منه أو طلب عفوهُ، وإن كان غِـيْـبَـة استحلّه منها[154].
وأخيراً:
فهذه السيرة العطرة، والصورة المنيرة لهذا الشيخ الجليل عبد القادر توضح الوجه الوضاء المشرق للمسلم المتصوف الصافي، والقدوة التي يحتذى بها في الدعوة إلى الله تعالى.
ولم أجد في آثاره العلمية ما يشير إلى خروجه عن الكتاب والسنة، بل وجدت فيه عالماً فذاً، وداعية صالحاً، يدافع عن حمى هذا الدين القويم وصورته الناصعة.
وكأنى أرى في سيرته سمة الرعيل الأول والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم رضي الله عنهم أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[1] هذا النسب رواه ابنه عبد الرزاق، قال: قال والدي رضي الله عنه. كما ورد في أول كتابه: فتوح الغيب ص2.
وانظر نسبه في:
المنتظم لابن الجوزي ج18 ص173. ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص707. والكامل لابن الأثير ج9 ص482. والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ص304. ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ج21 ص80. ومختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ص101. ومهجة البهجة (وهو مختصر بهجة الأسرار للشطنوفي) ص114. والمختصر في أخبار البشر للملك المؤيد صاحب حماة ج3 ص43. وسير أعلام النبلاء للذهبي ج20 ص439. والعبر للذهبي ج4 ص175. ودول الإسلام للذهبي ج2 ص65. وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ج2 ص373. ومرآة الجنان لليافعي ج3 ص262. والبداية والنهاية لابن كثير ج12 ص252. والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ج3 ص290. والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج5 ص371. والمقصد الأرشد لابن مفلح ج2 ص148. والمنهج الأحمد للعليمي ج3 ص216. وقلائد الجواهر للتاذفي ص3. والطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص227. وشذرات الذهب لابن العماد ج6 ص330. وهدية العارفين ج1 ص596. والتاج المكلل لمحمد صديق حسن خان ص155. وجامع كرامات الأولياء للنبهاني ج2 ص200. والأعلام للزركلي ج4 ص47. ومعجم المؤلفين ج2 ص200. ورجال الفكر والدعوة في الإسلام للندوي ج1 ص291.
[2] مرآة الزمان ج21 ص80. والمنهج الأحمد ج3 ص216.
[3] فتوح الغيب، تكملة في آخر الكتاب ص112.
[4] مرآة الزمان ج21 ص80. وقلائد الجواهر ص3.
[5] مرآة الجنان ج3 ص265. وقلائد الجواهر ص3.
[6] مختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ص102.
[7] المنتظم ج18 ص173. والكامل في التاريخ ج9 ص482. وقلائد الجواهر ص134 نقلاً عن القطب اليونيني، وشمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي.
[8] مرآة الزمان ج21 ص80. ومهجة البهجة ص116.
[9] مرآة الجنان ج3 ص265.
[10] المستفاد ص306. والعبر ج4 ص175.
[11] المنهج الأحمد ج3 ص216.
[12] سير أعلام النبلاء ج20 ص439. والذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص290.
[13] انظر نماذج من هذا الصراع في: تاريخ الخلفاء للسيوطي.
[14] كتابي: العقيدة الإسلامية ومذاهبها ص87 وما بعدها، وفيه مصادره.
[15] كتابي: تأويل النص الشرعي ص413 وما بعدها، وفيه مصادره.
[16] تاريخ الخلفاء للسيوطي ص68.
[17] كتابي: تأويل النص الشرعي ص416 وما بعدها عن بيان مذهب الباطنية وبطلانه للديلمي.
[18] كتابي: العقيدة الإسلامية ومذاهبها ص99 وفيه مصادره.
[19] الغنية ص123.
[20] تاريخ الخلفاء للسيوطي ص656.
[21] تاريخ الخلفاء للسيوطي ص673.
[22] المستفاد ص305.
وانظر: سير أعلام النبلاء ج20 ص439. والذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص290. والمنهج الأحمد ج3 ص218.
[23] المستفاد السابق.
[24] قلائد الجواهر ص3.
[25] قلائد الجواهر ص4.
[26] المستفاد ص305. وسير أعلام النبلاء ج20 ص440.
[27] المنتظم ج18 ص173. وسير أعلام النبلاء ج20 ص440. والمنهج الأحمد ج3 ص218.
[28] المستفاد ص305. ومرآة الزمان ج21 ص106.
[29] المنهج الأحمد ج3 ص218. وقلائد الجواهر ص4.
[30] المستفاد ص305. والمقصد الأرشد ج2 ص149.
[31] سير أعلام النبلاء ج20 ص440.
وانظر: مرآة الزمان ج21 ص106. والمنهج الأحمد ج3 ص225.
[32] قلائد الجواهر ص5.
[33] الكامل لابن الأثير ج9 ص482. ومختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ص101.
[34] سير أعلام النبلاء ج20 ص441.
[35] الذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص296. والمنهج الأحمد ج3 ص244.
[36] الفتح الرباني، ذكر وفاته رضي الله عنه ص393. وفتوح الغيب، تكملة في ذكر وصاياه لأولاده ص110.
[37] المستفاد ص305. ومرآة الزمان ج21 ص106. والعبر ج4 ص175.
[38] المستفاد ص305. والمنهج الأحمد ج3 ص219.
[39] شذرات الذهب ج6 ص331.
وانظر: قلائد الجواهر ص4.
[40] المستفاد ص305. وسير أعلام النبلاء ج20 ص444.
[41] قلائد الجواهر ص5.
[42] المنتظم ج18 ص173. وسير أعلام النبلاء ج20 ص441. ومختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ص102. والمنهج الأحمد ج3 ص225.
[43] المستفاد ص305.
[44] مناقب الإمام أحمد ص707.
[45] قلائد الجواهر ص7.
[46] مرآة الزمان ج21 ص106. ومهجة البهجة ص133.
[47] الغنية ص445-468.
[48] مرآة الجنان ج3 ص263. ومهجة البهجة ص322.
[49] المنهج الأحمد ج3 ص224. وقلائد الجواهر ص137 عن ابن النجار في تاريخه.
الحَـلْـبَـة: محلة كبيرة ببغداد في شرقيها، قرب باب الأَزَجِ. / مراصد الاطلاع ج1 ص417.
باب الأَزَج: محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة ومحالّ كبار، في شرقي بغداد. / مراصد الاطلاع ج1 ص65.
[50] الذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص291. والمقصد الأرشد ج2 ص150.
[51] المنهج الأحمد ج3 ص224. وقلائد الجواهر ص13.
[52] مرآة الزمان ج21 ص106. ومهجة البهجة ص133.
[53] مرآة الزمان ج21 ص106. ومهجة البهجة ص133و337. ومرآة الجنان ج3 ص267.
[54] المنتظم ج18 ص173. والذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص291.
[55] مرآة الزمان ج21 ص96. والمنهج الأحمد ج3 ص227.
[56] مرآة الزمان ج21 ص77.
[57] مرآة الزمان ج21 ص95. والمنهج الأحمد ج3 ص227. وقلائد الجواهر ص18.
[58] مرآة الزمان ج21 ص77و93. ومهجة البهجة ص126 نقلاً عن موفق الدين بن قدامة و330. والعبر ج4 ص175.
[59] المقصد الأرشد ج2 ص149.
[60] مرآة الزمان ج21 ص91. والمنهج الأحد ج3 ص227. وقلائد الجواهر ص38.
[61] مرآة الزمان ج21 ص92. والمنهج الأحمد ج3 ص230. وقلائد الجواهر ص38. والطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص228.
[62] مهجة البهجة ص337.
[63] مهجة البهجة ص333.
[64] مهجة البهجة ص337.
[65] مرآة الزمان ج21 ص99. وسير أعلام النبلاء ج20 ص449 عن ابن النجار. والمنهج الأحمد ج3 ص223. وجامع كرامات الأولياء ج2 ص202.
[66] شذرات الذهب ج6 ص332. وقلائد الجواهر ص8.
[67] سير أعلام النبلاء ج20 ص447. وقلائد الجواهر ص8.
[68] مهجة البهجة ص121. وقلائد الجوهر ص36.
[69] مهجة البهجة ص121-122.
وانظر: قلائد الجواهر ص8و36.
[70] مرآة الزمان ج21 ص78.
[71] قلائد الجواهر ص6.
[72] مرآة الزمان ج21 ص81. والمنهج الأحمد ج3 ص223.
[73] الفتح الرباني والفيض الرحماني، المجلس الحادي والخمسون ص224.
[74] مرآة الزمان ج21 ص93. ومهجة البهجة ص330.
[75] سير أعلام النبلاء ج20 ص441 عن السمعاني.
[76] مهجة البهجة ص123.
[77] مهجة البهجة ص117.
وهذا الوصف نقل عن الشيخ الـمُـعَـمَّـر جرادة في: مرآة الزمان ج21 ص81. وقلائد الجواهر ص19.
[78] مهجة البهجة ص124-125.
[79] مختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ص102.
[80] مرآة الزمان ج21 ص81.
وانظر: مهجة البهجة ص117. والمنهج الأحمد ج3 ص230. وقلائد الجواهر ص19.
وانظر كلام عدي بن مسافر في ذلك في: مهجة البهجة ص123.
[81] مرآة الزمان ج21 ص77. ومختصر أخبار الخلفاء ص102.
[82] مرآة الزمان ج21 ص84. وسير أعلام النبلاء ج20 ص447.
[83] مرآة الزمان ج21 ص96. والمنهج الأحمد ج3 ص222-223. وطبقات الشعراني ج1 ص230.
[84] مرآة الزمان ج21 ص84. وسير أعلام النبلاء ج20 ص447 عن الجبائي.
[85] سير أعلام النبلاء ج20 ص442. والذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص292. وقلائد الجواهر ص6.
[86] سير أعلام النبلاء ج20 ص443. والذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص292. والمقصد الأرشد ج2 ص150.
[87] مهجة البهجة ص336 عن بستان العارفين للنووي.
[88] مرآة الجنان ج3 ص268.
[89] انظر مثلاً: قلائد الجواهر.
[90] المستفاد ص307. وسير أعلام النبلاء ج20 ص447.
[91] قلائد الجواهر ص41.
[92] المنتظم ج18 ص173. والمقصد الأرشد ج2 ص151.
[93] المنتظم ج18 ص173. والمستفاد ص306. والبداية والنهاية ج12 ص252.
[94] الذيل على طبقات الحنابلة ج1 ص299. والمنهج الأحمد ج3 ص244.
[95] مرآة الزمان ج21 ص79.
[96] مهجة البهجة ص127. والمنهج الأحمد ج3 ص245.
[97] سير أعلام النبلاء ج20 ص450.
[98] فتوح الغيب، تكملة في ذكر وصاياه لأولاده ص110.
[99] الرسالة القشيرية ص16 وما بعدها.
[100] تلبيس إبليس ص192.
[101] الغنية ص442.
[102] الفتح الرباني، المجلس الخامس والعشرون ص117.
[103] فتوح الغيب ص102 المقالة الخامسة والسبعون.
[104] الفتح الرباني، المجلس الرابع والأربعون ص185، وانظر: المجلس الثالث والعشرين ص110، والمجلس الحادي والستين ص367.
[105] الفتح الرباني، المجلس الحادي عشر ص52.
[106] المقاصد للنووي ص56.
[107] المنهج الأحمد ج3 ص239.
[108] الغنية ص191-196.
[109] المقاصد للنووي ص56.
[110] المقاصد للنووي ص56.
[111] الغنية ص196.
[112] المقاصد للنووي ص56.
[113] فتوح الغيب، المقالة الثالثة والعشرون في الرضا بما قسم الله ص33.
[114] المقاصد للنووي ص56.
[115] طبقات الشعراني ج1 ص234.
[116] فلائد الجواهر ص135.
[117] الغنية ص468-477.
وهذه النقاط العشر أوردها أيضاً في: فتوح الغيب، المقالة الثامنة والسبعون ص105-109.
[118] الغنية ص477-480.
وانظر: الفتح الرباني، المجلس الثاني والأربعين ص174.
[119] الغنية ص480-481.
[120] الغنية ص482-484.
[121] الغنية ص484-485.
وانظر: الفتح الرباني، المجلس الثامن والثلاثين ص162.
[122] الغنية ص485-489.
[123] الغنية ص489-490.
[124] الفتح الرباني، المجلس الأول ص7.
[125] مرآة الزمان ج21 ص125.
[126] الفتح الرباني، المجلس الثامن والثلاثون ص161.
[127] الفتح الرباني، المجلس التاسع والثلاثون ص166.
[128] الغنية ص445.
[129] الفتح الرباني، المجلس الثاني والستون ص327.
[130] الفتح الرباني، المجلس الثاني والستون ص382.
[131] الفتح الرباني، المجلس الثالث ص19.
[132] الفتح الرباني، المجلس العاشر ص45.
[133] الفتح الرباني، المجلس الثامن والثلاثون ص160.
[134] الفتح الرباني، المجلس الثالث عشر ص65.
[135] مرآة الزمان ج21 ص86.
[136] قلائد الجواهر ص64.
[137] الفتح الرباني، المجلس الحادي والخمسون ص222.
[138] الفتح الرباني، المجلس الرابع والثلاثون ص147.
وانظر: فتوح الغيب، المقالة الخامسة ص7.
[139] الفتح الرباني، المجلس التاسع والأربعون ص213.
[140] الفتح الرباني، المجلس التاسع عشر ص93.
[141] الفتح الرباني، المجلس الثامن عشر ص86.
[142] الفتح الرباني، المجلس الثالث والخمسون ص232.
[143] الفتح الرباني، المجلس التاسع عشر ص91.
[144] الفتح الرباني، المجلس السابع عشر ص82.
[145] الفتح الرباني، المجلس السادس ص37.
[146] الفتح الرباني، المجلس الثامن عشر ص83.
[147] الغنية ص159.
[148] الغنية ص166-167.
[149] الغنية ص169-172.
[150] الغنية ص176-182.
[151] الغنية ص183.
[152] الغنية ص189.
[153] الغنية ص191.
[154] كتابي: العقيدة الإسلامية ومذاهبها ص626-627 وفيه مصادره.
ابحث
أضف تعليقاً