
"الوســـطية" مفهوم اختلفت معانيه لاختلاف فهمه بين الناس، بالرغم من عشرات المؤتمرات والندوات التي تعقد في أصقاع العالم العربي والإسلامي حول الوسطية والاعتدال والتنوير، ولعلّ أحد أبرز التساؤلات التي تطرح في السجالات الفكرية والإعلامية حول السبب الذي يدفع إلى هذا الغموض من جهة وإلى ضعف القاعدة المجتمعية والشعبية لدعاة الوسطية والتنوير بالمقارنة مع الاتجاه الأكبر الذي يغلب عليه طابع التطرف أو التحفظ على الاجتهاد والتنوير؟
إجمالاً، وبحسب ما يرى الأكاديمي والباحث أمين المناسية، فإن هناك عدم معرفة لمفهوم الوسطية وقد يكون انعدامها أو تفسيرها على غير وجهها.
وفقاً للمناسية، فإن الوسطية هي الاعتدال الذي يخلو من الإفراط والتفريط، فلا تقصير في أوامر الله أو تعاليمه، وليس كما يظن البعض أن التوسط هو الحل الوسط بين أمرين، بل الوسطية كما قالت عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما".
أما جاسم السلطان، المفكر الإسلامي القطري، فيقول: "إن الوسطية تعني الحكمة والاعتدال وفهم النص وتنزيله على الواقع بالقدر الذي يقود للخير ولا يؤدي لعكس المطلوب".
لكن ما حدث في البلاد الإسلامية هو بروز "ظاهرة مغايرة"، كما يقرأ الجاسم في المشهد العربي. فقد انتشرت في الآونة الأخيرة قضايا المطالبة بالعودة للإسلام، وهو أمر حسن، "لكن صاحبها قصور في فهم الواقع الذي يعمل فيه النص". فالنص والحادثة التاريخية والفتوى تطرح بغض النظر عن موافقتها للواقع وللمتغيرات، وطغى على المشهد في بعض جوانبه غلو وعنف مع المخالف، سواء كان مسلماً أو غير مسلم.
في مقابل صعود التطرف والعنف وضيق الأفق لدى العديد من المطالبين بالحل الإسلامي، فلزم التأكيد على الجانب التسامحي والتعددي من الإسلام في هذه المرحلة، وهو موضوع لن يتوارى طالما كانت الحاجة له قائمة، ويفسر الجاسم ذلك بالقول "ومن قبل قيل ارفعوا للخير راية، أما إن كان عن فاعلية الجهود المطروحة في إدراك النتائج، فاعتقد أنها معركة تدور على عقول الجيل وتوجيهه، وهي معركة شرسة لا يمكن حسمها بسهولة، إلا إذا تضافرت عوامل كثيرة لبيان القصور العلمي في أطروحة التخلف".
وعن دور العلماء، يقول جاسم السلطان "إن دورهم هو في إيجاد فرز حقيقي بين ما هو مزيف وما هو صالح، ودوماً يكون العلماء لهم دور طليعي في تحديد البوصلة ومسار الأحداث، لكن يجب أن نلفت الانتباه هنا إلى أن رسالة الإسلام السمحة لم تقم على وجود ظاهرة رجال الدين، لذا كان رجال الإسلام دوماً هم من العاملين على هموم الأمة والساعين لدورها والتعبير عن تطلعات مجتمعاتها، بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الآنية المرتبطة بالوظيفة.
ويشير الجاسم أنّ هنالك شعوراً عاماً في البلاد الإسلامية بتراجع دور العلماء وضعف أدائهم، ما فتح الباب على مصراعيه لوجود نزاعات وخصومة ذاتية، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تراجع ثقافة الرأي والرأي الآخر في حياة الناس أسهم بشكل كبير بعدم احترام رأي الأخر، وشعورنا كأفراد أننا نحتكر الحقيقة ونمتلك الصواب وغيرنا على خطأ، وهو ما أثر بشكل كبير على أنماط التفكير في مجتمعاتنا.
هل صحيح أن دعاة الوسطية عندنا لا يعترفون بشيء اسمه (ثقافة النقد والمراجعة)، ولذلك يستمرون في تبرير فشلهم بالعوامل السياسية والاجتماعية؟ يجيب السلطان: "هذه الحالة ليست مرتبطة بتيار الوسطية، بل هي نمط فكري سائد في المنطقة العربية عموماً، وهي نتاج حالة من سيطرة الحزب الحاكم والقائد الفذ، حيث تغيب المراجعة والمحاسبة ولا يقف أي تيار عندها عند محطات خاصة يعيد قراءة تجربته بعيداً عن الشخصنة والمراحل، وفي إطار خدمة المصالح العليا للتجربة هذا من جانب ومن جانب آخر المصداقية هي سلوك عام مرتبط بكل اتجاهات الحياة، وليس فقط بنمط فكري سائد، وخصوصاً أن ظاهرة تراجع الكفاءة والدور والإبداع تساهم في خلق صورة عامة تقوم على سيطرة أنصاف المبدعين وأنصاف المفكرين الذين تغيب الرؤية عن طروحاتهم على المشهد العام، لذا لا بد من تعزيز ظاهرة الإبداع في كل مناحي الحياة وليس في الاتجاهات الفكرية فحسب، حتى نستطيع أن نغلب روح المشاركة على روح التغريب في الحياة والأوطان.
مروان الفاعوري، الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية، يرى أن موضوع الوسطية أخذ حيزاً كبيراً من خلال ورش العمل والمؤتمرات، "لكنه ما يزال يشق طريقه نحو صياغة مواقع حضور متقدمة على مستوى المشهد العام، ويعود ذلك بطبيعة الحال إلى أن التوتر الذي تشهده المنطقة عموماً ومنطقتنا العربية خصوصاً، يخلق مناخات ملائمة لنمو فقاعات التطرف والتعنت".
وفي ظل هذا الواقع، وفقاً للفاعوري، لا تستطيع أن تدعو المواطن نحو مسارات الاعتدال، وهو يشهد حمام الدم في غزة والعراق وغيرها من الدول الإسلامية والعربية.
يستدرك الفاعوري "لكن هذا الفكر الوسطي الرافض للغلو والتشدد والتَزَمُّت في العقائد والمفاهيم والممارسات، هو الأنسب في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها أمتنا، لإقامة مشروع تنويري جديد يدافع عن الصورة الإنسانية الملتزمة بالإسلام تشريعا وتطبيقًا، مع الحرص الأكيد على عدم تذويب الشخصية الإسلامية أو تغييبها أو دمجها في الآخر أو إقصائها أو إلغائها، بل صقلها وإخراجها من شرنقة التبعية والخوف والشعور بالنقص إلى حياة متوازنة واثقة، قادرة على إثبات وجودها من خلال حوارها مع الآخر بعقل مستنير متفتح متفهم لحقيقة نظرة الإسلام إلى الآخر، والاعتراف باختلافه عنا لا اختلافه معنا ما لم يعتدِ على أي حق من حقوقنا".
خيرة طهيري
التاريخ:27/3/2009
جريدة الغد الاردني
ابحث
أضف تعليقاً