الوسطية والاعتدال في الجانب الإداري والشأن العام
الدكتور زيد أحمد المحيسن
تُعَدّ الوسطية والاعتدال من القيم الجوهرية التي تَنهض بها المجتمعات الواعية، وتَحكم سلوك الأفراد والمؤسسات على حدٍّ سواء. وعندما تنسحب هذه القيم إلى الميدان الإداري والشأن العام، فإنها تُثمر نماذجَ من الحوكمة الرشيدة، والإدارة المتوازنة، وتُسهم إسهامًا مباشرًا في إرساء دعائم العدالة، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالإدارة التي تقوم على مبادئ الاعتدال تبتعد عن التطرّف في صنع القرار، وتُجنّب الدولة الانزلاق في هاوية البيروقراطية المفرطة أو العشوائية المتسيبة، وتُنتج بيئة إدارية قادرة على التكيّف، تستند إلى الكفاءة والشفافية، وتسعى لتحقيق المصلحة العامة دون محاباة أو إقصاء.
تتجلى الإدارة، في جوهرها، باعتبارها عملية متكاملة من التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة على الموارد البشرية والمادية، في سبيل تحقيق أهداف محددة بكفاءة وفعالية. وهذه العملية، حين تُمارَس في إطار من الوسطية، تُصبح أكثر عدلاً ومرونة، وأكثر قدرة على استيعاب التنوع، واحترام الخصوصيات، وتلبية حاجات المواطنين ضمن حدود الإمكانات المتاحة. فالإدارة المعتدلة لا تُمجّد المركزية الصارمة ولا تستسلم للانفلات، بل توازن بين الحزم والليونة، وبين الالتزام والانفتاح، وهو توازن لا يتحقق إلا بمنظور شمولي يستند إلى قواعد الحكم الرشيد والحوكمة الفعالة.
إن الحكم الرشيد لا يقوم إلا على أسس متينة من الشفافية والمساءلة والمشاركة والعدالة وسيادة القانون. وهذه المبادئ لا يمكن أن تُترجم إلى واقع ملموس ما لم تتبنَّ الإدارة العامة نهجًا معتدلاً، يوازن بين متطلبات النصوص القانونية وضرورات الواقع الاجتماعي. فالمساءلة مثلًا، لن تؤتي ثمارها إن لم تُمارَس في إطار من الإنصاف والموضوعية؛ والشفافية تصبح عبئًا إن لم تُرفَد بإرادة إدارية معتدلة تُحسن إيصال المعلومات دون تهويل أو تهميش؛ أما المشاركة، فهي لا تكون فعالة إلا إذا انطلقت من قناعة بأن المواطنين شركاء لا خصوم، وأن رأيهم يُعدّ رافدًا لا عائقًا.
وفي ميدان اتخاذ القرار، تبدو الحاجة إلى الوسطية أوضح ما تكون. فالقرارات الحكومية المعتدلة تنأى عن الاندفاعية أو الارتجال، وتقوم على دراسة واعية للبدائل، وقراءة دقيقة للمعطيات، وتشاور منفتح مع مختلف الأطراف المعنية، بما يحقق مصلحة الأغلبية دون تهميش حقوق الأقلية. ومن خلال هذا النهج، تتعزز فرص الاستدامة في السياسات، وتتراجع احتمالات الأزمات الإدارية، وتزداد قدرة الدولة على التفاعل الإيجابي مع تحديات الحاضر والمستقبل.
ولا يقلّ مجال توزيع الوظائف والخدمات الحكومية أهمية عن بقية الجوانب، إذ إن مبدأ المساواة في هذا السياق هو حجر الزاوية في بناء مجتمع عادل. وعندما تسود قيم الوسطية والاعتدال في الإدارة، تتلاشى المحسوبيات، وتتراجع ظواهر التمييز، وتُفتح أبواب الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا على أساس الولاءات الضيقة أو الحسابات الفئوية. وتُصبح الأولويات نابعة من حاجة حقيقية على الأرض، وليس من اعتبارات ظرفية عابرة، ويغدو التوزيع العادل للخدمات بين الحضر والريف، وبين المركز والأطراف، ترجمة فعلية لمبدأ المواطنة المتساوية، لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.
إن الوسطية والاعتدال، في نهاية المطاف، ليستا مفردتين نظريتين محصورتين في نطاق القيم الأخلاقية أو التوجيهات الدينية، بل هما منهج حياة، وأسلوب إدارة، وطريقة في التفكير والتدبير. فبهما تُبنى السياسات العاقلة، وتُدار المؤسسات بكفاءة، وتُصان الحقوق، ويُحفظ التوازن بين سلطة الدولة واحتياجات المجتمع. ومن هنا، فإن ترسيخ هذين المبدأين في الإدارة والشأن العام لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية وتنموية، لضمان استقرار المجتمعات، وتحقيق تنمية عادلة، وبناء مؤسسات راسخة وثقة عامة متجددة..
الوسطية والاعتدال في الجانب الإداري والشأن العام